د. حسن غريب أحمد - راءة نقدية في نقد إبراهيم علي الإدريسي لنص «المشي على حبل مشدود» بين التأويل الأخلاقي والانحياز للنص: كيف قرأ الناقد معركة الذات

قراءة نقدية في نقد إبراهيم علي الإدريسي لنص «المشي على حبل مشدود»
بين التأويل الأخلاقي والانحياز للنص: كيف قرأ الناقد معركة الذات ضد الأقنعة؟



تُعد قراءة الأستاذ إبراهيم علي الإدريسي لنص «المشي على حبل مشدود» للأديبة مجيدة محمدي قراءة واعية ومنسجمة مع البنية الفكرية للنص، إذ استطاع الناقد أن ينفذ إلى مركزه الدلالي، وأن يلتقط محوره الرئيس المتمثل في صراع الذات مع عالم التنازلات والأقنعة.
وقد جاءت قراءته أقرب إلى النقد التأويلي الذي يبحث عن المعنى الكامن خلف الصور والرموز، أكثر من انشغاله بالتفكيك البنيوي أو التحليل اللغوي التفصيلي.
أولًا: نجاح القراءة في كشف المركز الدلالي للنص
من أبرز نقاط القوة في قراءة الإدريسي أنه لم يتوقف عند ظاهر السرد الذاتي، بل أدرك منذ البداية أن النص يتجاوز حدود التجربة الشخصية ليطرح قضية إنسانية عامة. فقد رأى أن النص يطرح سؤالًا وجوديًا حول إمكانية الحفاظ على الهوية الأخلاقية في عالم يضغط على الفرد كي يتنازل عن قناعاته.
وهذا الفهم يتوافق بالفعل مع مسار النص؛ فالأديبة لا تحكي تجربة عابرة، بل تبني سردية رمزية عن الإنسان المحاصر بالإغراءات والمساومات. ومن ثم فإن القراءة نجحت في الانتقال بالنص من الخاص إلى الكوني، وهي إحدى وظائف النقد الجيد.
ثانيًا: براعة الناقد في تفكيك الرموز
اعتمد الإدريسي على تتبع الشبكة الرمزية التي بنتها الكاتبة، ففسر:
الصراط بوصفه مسارًا أخلاقيًا عسيرًا.
الأقنعة باعتبارها رمزًا للتلون الاجتماعي.
المعاطف الفاخرة بوصفها إغراءات ظاهرها البريق وباطنها التنازل.
الشجرة الأخيرة باعتبارها رمزًا للحقيقة والثبات.
الصوت الصغير باعتباره الضمير الإنساني.
وقد أتاح هذا التتبع للقارئ فهم العلاقات الداخلية بين الصور المختلفة، وكشف وحدة النص الرمزية.
غير أن القراءة تعاملت مع هذه الرموز باعتبارها ذات دلالة شبه ثابتة، بينما كان يمكن توسيع أفق التأويل؛ فالصوت الداخلي مثلًا لا يقتصر بالضرورة على الضمير الأخلاقي، بل قد يكون الوعي أو الحرية أو الإيمان بالاختلاف أو حتى الإرادة الفردية في مواجهة القطيع.
ثالثًا: هيمنة البعد الأخلاقي على القراءة
يلاحظ أن الإدريسي قرأ النص من زاوية أخلاقية واضحة، فجعل الصراع قائمًا بين الخير والشر، وبين الوفاء للمبادئ والخضوع للمصالح.
ولا شك أن النص يسمح بهذا التأويل، بل يدعمه في مواضع كثيرة، لكن القراءة بدت أحيانًا وكأنها تنحاز بالكامل إلى الرسالة الأخلاقية على حساب الجوانب الفنية الأخرى.
فالنقد الأدبي لا يكتفي بسؤال:
ماذا يقول النص؟
بل يسأل أيضًا:
كيف قاله النص؟
وهنا كان من الممكن التوسع في دراسة الإيقاع الداخلي للجمل، وتنامي التوتر السردي، وآليات بناء الصورة الشعرية، وطبيعة الانتقالات بين المشاهد الرمزية.
رابعًا: إغفال بعض الملاحظات الفنية
رغم جودة القراءة، فإنها بدت احتفائية أكثر منها مساءِلة.
فالناقد ركز على مكامن الجمال والقوة الدلالية، لكنه لم يتوقف عند بعض الجوانب التي يمكن مناقشتها نقديًا، مثل:
المباشرة الفكرية في بعض المقاطع.
وضوح الرسالة الأخلاقية إلى درجة تقلل أحيانًا من مساحة الغموض الفني المنتج.
هيمنة الصوت الواحد داخل النص دون وجود أصوات مضادة تعمق الجدل الدرامي.
فالنص يعلن موقفه الأخلاقي منذ بدايته تقريبًا، وهو ما قد يقلل من عنصر المفاجأة أو التوتر التأويلي لدى بعض القراء.
خامسًا: لغة القراءة وأسلوبها
تميزت لغة الإدريسي بالرصانة والوضوح، وجاءت عباراته متوازنة ومشحونة بحس أدبي ملحوظ.
كما نجح في توظيف لغة نقدية غير متعالية على القارئ، فجمع بين العمق وسلاسة التلقي.
غير أن لغته اقتربت أحيانًا من لغة الإشادة الأدبية أكثر من لغة التحليل النقدي الصارم، خاصة في الخاتمة التي احتفت بالنص احتفاءً كبيرًا دون أن تفتح بابًا للتساؤل أو المراجعة.
وفي خلاصة رؤيتي النقدية أقول:
تقدم قراءة الأستاذ إبراهيم علي الإدريسي نموذجًا للنقد التأويلي الذي ينفذ إلى روح النص ويكشف بنيته الرمزية والفكرية بوعي واقتدار. وقد نجحت في إبراز جوهر نص «المشي على حبل مشدود» بوصفه نصًا عن مقاومة التزييف والتمسك بالهوية الأخلاقية.
لكن القراءة، على قوتها، مالت إلى الاحتفاء أكثر من المساءلة، وإلى التركيز على الرسالة الأخلاقية أكثر من استنطاق البنية الفنية للنص. لذلك يمكن القول إنها قراءة كاشفة ومضيئة لدلالة النص، لكنها لم تستنفد جميع إمكاناته الجمالية والتأويلية، تاركةً مساحات أخرى يمكن لنقاد آخرين أن يقتربوا منها من زوايا مختلفة.
وهنا تتجلى قيمة «نقد النقد»؛ فهو لا يهدم القراءة السابقة، بل يوسع أفقها، ويذكرنا بأن النص الأدبي الكبير يظل قادرًا على إنتاج قراءات متعددة، وأن كل قراءة ليست سوى احتمال من بين احتمالات لا تنتهي.

""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
‏{الوفاء للذات في زمن الأقنعة}

‏قراءة في نص «المشي على حبل مشدود» للأديبة مجيدة محمدي
‏مقدمة:
‏تأتي بعض النصوص بوصفها اعترافًا ذاتيًّا، غير أنها سرعان ما تتجاوز حدود الذات لتغدو مرآةً لتجربة إنسانية عامة. ونص «المشي على حبل مشدود» من هذا القبيل؛ فهو لا يروي حكاية فردية بقدر ما يستبطن معركة الإنسان المعاصر في مواجهة عالمٍ تتنازع فيه القيم والمصالح، وتغدو فيه المساومة على المبادئ ضربًا من الحكمة المزعومة، بينما يُنظر إلى الثبات بوصفه ضربًا من السذاجة أو الخسارة.

‏إنه نص يضع القارئ أمام سؤال وجودي بالغ العمق: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على ذاته في عالمٍ يدفعه باستمرار إلى التنكر لها؟
‏~~~~~~~~
‏يفتتح النص بعبارة: «عبرت أخيرًا صراط التجربة»، وهي عبارة ذات حمولة رمزية كثيفة؛ فالصراط هنا ليس مجرد تجربة عابرة، بل طريق عسير، محفوف بالاختبارات والمخاطر، أشبه بمسار روحي وأخلاقي يقتضي توازنًا دقيقًا، وهو ما ينسجم تمامًا مع عنوان النص «المشي على حبل مشدود». فالمسألة ليست مجرد عبور، بل عبور دون السقوط في هوة التنازلات.
‏ومنذ الأسطر الأولى، ترسم الكاتبة صورة لعالم يملك منظومته الخاصة من القيم المقلوبة؛ إذ يصبح الانحناء حكمة، وتبديل الوجوه لباقة، والتخلي عن المبادئ شرطًا للعيش.
‏إننا أمام نقد حاد لمجتمع بات يُكافئ التلون ويعاقب الصدق، حتى غدت النجاة مرهونة بمدى قدرة الإنسان على ارتداء الأقنعة.
‏وتبلغ الصورة ذروة بلاغتها في قولها: «كانوا يرمون علي كلماتهم مثل معاطف فاخرة، ويطلبون مني أن أخلع جلدي».
‏فالمعاطف هنا ترمز إلى القيم الزائفة والإغراءات الاجتماعية التي تبدو براقة من الخارج، غير أن قبولها يعني التخلي عن الجوهر، أو ما تصفه الكاتبة بخلع الجلد؛ أي التخلي عن الهوية الأصلية للذات.
‏وتتواصل صور التعرية الأخلاقية في العبارة اللافتة: «الأبواب التي لا تُفتح إلا لمن ترك ضميره خارج العتبة»، وهي صورة شديدة الكثافة، تختصر آليات عالم المصالح، حيث يصبح الضمير عائقًا أمام الصعود، ويغدو التخلي عنه شرطًا للعبور.
‏لكن النص لا يكتفي برصد هذا الواقع، بل يقيم في مواجهته حصنًا داخليًا يتمثل في ذلك «الصوت الصغير». ورغم صغره، فإنه «أشد صلابة من الحديد». وهذه المفارقة الفنية تمنح النص عمقه؛ فالقوة الحقيقية ليست في ضجيج الخارج، بل في همس الداخل. ذلك الصوت ليس سوى الضمير، أو الوعي الأخلاقي، أو الإيمان العميق بالذات.
‏ويتعزز الصراع أكثر مع ظهور الأقنعة بوصفها رمزًا مركزيًا في النص. فالجميع يحمل أقنعة جديدة، والجميع يردد الخطاب ذاته: «كوني مثلنا... لتنجين». غير أن الكاتبة تدرك أن النجاة القائمة على الخيانة ليست نجاة حقيقية، بل «غرق مؤجل». وهذه العبارة تمثل إحدى أهم مرتكزات النص الفكرية؛ إذ تعيد تعريف النجاة تعريفًا أخلاقيًا لا نفعيًا.
‏ومن أجمل صور النص وأكثرها شاعرية قولها: «كأنني أتمسك بآخر شجرة في طوفان من الأقنعة». فالشجرة هنا رمز للحقيقة أو للمبدأ أو للذات الأصيلة، بينما يشير الطوفان إلى شمولية الزيف واتساعه. إنها صورة تضع الإنسان في مواجهة عزلة وجودية قاسية، لكنه يختار رغم ذلك التمسك بما تبقى من جذوره.
‏وعندما تنتهي المعركة، لا تعلن الكاتبة انتصارًا خارجيًا؛ فلا غنيمة، ولا منصب، ولا تصفيق. فكل هذه الأشياء تنتمي إلى منطق العالم الذي رفضته منذ البداية. أما الانتصار الحقيقي فيتجسد في تلك اللحظة الهادئة التي تقول فيها: «رأيت وجهي ما يزال يعرفني».
‏إنها خاتمة آسرة تختزل فلسفة النص كلها؛ فالإنسان قد يخسر أشياء كثيرة في معارك الحياة، لكنه إذا احتفظ بقدرته على التعرف إلى نفسه، فإنه لم يخسر المعركة الحقيقية.
‏الخاتمة:
‏«المشي على حبل مشدود» نصٌّ ينتمي إلى أدب المقاومة الداخلية؛ مقاومة التزييف، والتلون، والإغراءات التي تسعى إلى مصادرة جوهر الإنسان. وقد نجحت الأديبة مجيدة محمدي في صياغة نص مكثف، مشحون بالرموز والصور البلاغية العميقة، يزاوج بين البوح الذاتي والتأمل الإنساني، ليؤكد حقيقة بالغة البساطة وعظيمة الأثر: أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يصفق لها الآخرون، بل تلك التي تجعل الإنسان، بعد كل المعارك، قادرًا على النظر في المرآة والابتسام لأنه ما زال هو نفسه.

✍️إبراهيم علي الإدريسي





"""""""""""""""""""""""



النص الأصلي :


المشي على حبل مشدود
| مجيدة محمدي

عَبَرْتُ أَخِيرًا صِرَاطَ التَّجْرِبَةِ،

كَانَ العَالَمُ كُلُّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُقْنِعَنِي بِأَنَّ الِانْحِنَاءَ حِكْمَةٌ،وَأَنَّ تَبْدِيلَ الوُجُوهِ لَبَاقَةٌ،وَأَنَّ المَبْدَأَ لَا يُطْعِمُ الخُبْزَ.

كَانُوا يَرْمُونَ عَلَيَّ كَلِمَاتِهِمْ مِثْلَ مَعَاطِفَ فَاخِرَةٍ،وَيَطْلُبُونَ مِنِّي أَنْ أَخْلَعَ جِلْدِي.

حَاصَرُونِي بِالنَّصَائِحِ المُزَيَّفَةِ،وَبِالِابْتِسَامَاتِ المُسْتَذْئِبَةِ،وَبِالأَبْوَابِ الَّتِي لَا تُفْتَحُ إِلَّا لِمَنْ تَرَكَ ضَمِيرَهُ خَارِجَ العَتَبَةِ.

كُنْتُ أَسْمَعُ الضَّجِيجَ كُلَّهُ،لَكِنَّ فِي دَاخِلِي كَانَ ثَمَّةَ صَوْتٌ صَغِيرٌأَشَدُّ صَلَابَةً مِنَ الحَدِيدِ.

تَقَدَّمُوا نَحْوِي،وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ، يَحْمِلُ كُلٌّ مِنْهُمْ قِنَاعًا جَدِيدًا،يُرَدِّدُ بِصَوْتٍ دَائِرِيٍّ «كُونِي مِثْلَنَا...لِتَنْجِي...»

لَكِنَّنِي كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ النَّجَاةَ الَّتِي تُولَدُ مِنَ الخِيَانَةِغَرَقٌ مُؤَجَّلٌ.

أَحْكَمْتُ قَبْضَتِي عَلَى الفِكْرَةِ الَّتِي سَكَنَتْنِي مُنْذُ البِدَايَةِ،كَأَنَّنِي أَتَمَسَّكُ بِآخِرِ شَجَرَةٍفِي طُوفَانٍ مِنَ الأَقْنِعَةِ.

تَكَسَّرَتْ حَوْلِي الوُعُودُ،وَتَنَاثَرَتِ المَصَالِحُ،وَسَقَطَتِ الأَصْوَاتُ كَأَوْرَاقٍ يَابِسَةٍ.

لَكِنَّنِي لَمْ أَسْقُطْ.كُنْتُ أَقِفُ دَاخِلَ نَفْسِي.

وَحِينَ انْتَهَتِ المَعْرَكَةُ،لَمْ أَحْمِلْ غَنِيمَةً،وَلَا مَنْصِبًا،وَلَا تَصْفِيقًا.

عُدْتُ فَقَطْ...

رَفَعْتُ رَأْسِي بِهُدُوءٍ،وَرَأَيْتُ وَجْهِي مَا يَزَالُ يَعْرِفُنِي.

فَابْتَسَمْتُ...


د . حسن غريب أحمد
ناقد باحث مصري


1000010777.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى