يختلف الإنسان عن الكائنات الأخرى، في أنه يعيد سرد حياته باستمرار. فكل ذكرى نستحضرها، وكل صورة نلتقطها، وكل منشور نكتبه على وسائل التواصل الاجتماعي، هو محاولة لإضفاء معنى على وجودنا. ومن هنا يذهب الصحفي والروائي البريطاني "ويل ستور" في كتابه "ثقافة السيلفي: كيف أصبحنا مهووسين بأنفسنا إلى هذا الحد؟" (ترجمة هناء خليف علي) إلى أن الإنسان كائن سردي بطبعه، لا يكتفي بأن يعيش الأحداث، بل يحولها إلى حكاية يكون هو بطلها الرئيسي. وإذا كانت الذاكرة قد أدت هذا الدور عبر التاريخ، فإن السيلفي ووسائل التواصل الاجتماعي منحا هذه النزعة السردية أدوات جديدة جعلت كل فرد مؤلفًا ومحررًا وناشرًا لسيرته الذاتية في الوقت نفسه.
ولعل ما يلفت النظر أن هذه الفكرة لا تقتصر على العصر الرقمي وحده، فالأدب نفسه يمكن النظر إليه بوصفه التعبير الأكثر تعقيدًا عن حاجة الإنسان إلى تحويل حياته إلى قصة. ومن هذه الزاوية يبدو السيلفي امتدادًا شعبيًا ومبسطًا لما كانت تقوم به السيرة الذاتية والرواية منذ قرون.
أيضا يرى ويل ستور أن الإنسان لم يكن ينظر إلى ذاته بالطريقة التي ننظر بها نحن اليوم إلى أنفسنا. ففي المجتمعات التقليدية كانت هوية الفرد تُستمد أساسًا من الجماعة، الأسرة، القبيلة، الدين، الطبقة الاجتماعية، أما الإنسان المعاصر فقد أصبح مطالبًا بأن يصنع نفسه بنفسه. وحين تتحول الذات إلى مشروع مفتوح بلا حدود، يصبح الإنسان في حالة تقييم دائم لنفسه، ومقارنة مستمرة مع الآخرين، وسعي لا ينتهي نحو نسخة أفضل من ذاته، وهكذا يصبح السيلفي رمزًا لعصر كامل لا يتوقف فيه الإنسان عن النظر إلى صورته.
في هذا السياق يدافع الكتاب عن مفهوم "الفردية" بالشكل الذي نعرفه اليوم، ويراه نتاجا تاريخيا حديث نسبيًا، ففي أوروبا ومع صعود الرأسمالية والثورة الصناعية وانتشار التعليم وظهور الطبقة الوسطى بدأت فكرة الفرد المستقل تكتسب أهمية متزايدة، ثم جاءت الرومانسية في القرن التاسع عشر لتمنح المشاعر الفردية والخصوصية الشخصية قيمة استثنائية، وأخيرًا جاء القرن العشرون ليجعل من الذات مركز العالم.
ولا يحمّل الكاتب وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية خلق النرجسية، بل يرى أنها كشفت نزعات موجودة أصلًا ووسّعتها إلى حد غير مسبوق، فالإنسان كان دائمًا مهتمًا بصورته أمام الآخرين، لكن الفارق أن المنصات الرقمية جعلت هذه العملية مستمرة وعلى مدار الساعة، فتحولت الحياة اليومية إلى عرض عام، الوجبة التي نتناولها، والرحلة التي نقوم بها، والكتاب الذي نقرأه، وحتى لحظات الحزن أو الفرح، أصبحت مواد قابلة للنشر، فلم نعد نعيش الأحداث فقط، بل نفكر منذ وقوعها في كيفية عرضها أمام الآخرين، وبمعنى آخر، لم تعد التجربة الشخصية منفصلة عن تمثيلها الاجتماعي.
أيضا نشير هنا إلى أن وسائل التواصل حولت الجميع إلى كتاب سير ذاتية يومية، لكن الفرق بينها وبين الأدب يكمن في اعتراف الرواية بأنها محض تخييل، بينما تقدم الحسابات الرقمية نسخًا محررة ومنتقاة من الحياة باعتبارها الحقيقة الكاملة.
أيضا يعترض ويل ستور على الرأي الشائع الذي يقول إن العالم أصبح مليئًا بالنرجسيين، ويرى أن ما يبدو نرجسية قد يكون في كثير من الأحيان تعبيرًا عن قلق عميق، فالشخص الذي يقضي ساعات في تعديل صوره ونشرها ومراقبة ردود الأفعال ليس بالضرورة مغرمًا بنفسه، بل ربما يكون خائفًا من عدم كفايته، وهنا يقدم الكتاب تمييزًا مهمًا بين الثقة بالنفس والهوس بالذات، فالثقة تنبع من شعور داخلي بالاستقرار، أما الهوس بالذات فينشأ من شعور دائم بالنقص والحاجة إلى الاعتراف الخارجي، ولهذا فإن الكثير من مظاهر النرجسية الرقمية تخفي وراءها هشاشة نفسية أكثر مما تعكس غرورًا حقيقيًا.
بالإضافة إلى أن المجتمع الحديث يطالب الإنسان بالكمال، فينبغي أن يكون الفرد ناجحًا مهنيًا، وسعيدًا عاطفيًا، ومتميزًا اجتماعيًا، وحاضرًا رقميًا، وكل ذلك في الوقت نفسه، ويرى ستور أن هذه الضغوط المتزايدة تفسر كثيرًا من ظواهر القلق والاكتئاب والشعور بالفشل التي تنتشر في المجتمعات المعاصرة، فالإنسان لا يقارن نفسه بجيرانه فقط كما كان يحدث سابقًا، بل يقارن نفسه بملايين الأشخاص الذين تظهر حياتهم على الشاشات وكأنها مثالية، وهكذا تتحول المقارنة الاجتماعية إلى آلة لا تتوقف عن إنتاج الإحباط.
ويشير الكتاب إلى أن الذات أصبحت أيضًا قضية اقتصادية، فالاقتصاد الرقمي قائم أساسًا على جذب الانتباه، وكلما زاد انشغال الإنسان بصورته، زادت مشاركته في هذا الاقتصاد، وهذا ما يجعل صناعة تطوير الذات والجمال واللياقة البدنية من أكثر الصناعات ازدهارًا في العصر الحديث، فالرسالة الضمنية التي يتلقاها الفرد باستمرار هي أنه ليس جيدًا بما يكفي، وعليه أن يواصل العمل على نفسه بلا توقف. وهنا يرى الكاتب أن معظم الناس يسعون إلى الشهرة أو الاستعراض بحثا عن الاعتراف والتقدير، وهي حاجات إنسانية قديمة قدم الإنسان نفسه، الجديد فقط هو الأدوات التي أصبحت متاحة لتحقيقها.
وفي ظل هذا الاقتصاد لا تصبح قيمة التجربة فيما تمنحه لصاحبها من معنى أو متعة فحسب، بل فيما تتيحه من إمكانية للعرض والتداول. وهكذا تتداخل الحياة المعيشة مع الحياة المروية، ويغدو الإنسان أكثر ميلًا إلى النظر إلى نفسه بوصفه بطل قصة ينبغي أن تُروى باستمرار.
لذلك يميل البشر إلى تحويل حياتهم إلى قصص، فالإنسان لا يعيش الوقائع كما هي، بل يعيد تنظيمها داخل سردية تمنحها معنى، نحن نحكي لأنفسنا باستمرار من نكون، وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه، وما الذي يجعل حياتنا ذات قيمة، لكن هذه السرديات قد تتحول إلى سجون، فحين يقتنع شخص ما بأنه "فاشل" أو "ضحية" أو "عبقري" فإنه يقوم بتفسير كل ما يحدث له وفق هذه القصة المسبقة، وبالتالي فإن تحرير الذات قد يبدأ أحيانًا من إعادة كتابة الحكاية التي نرويها لأنفسنا.
وأخيرا فالكتاب يكشف الثمن الذي ندفعه عندما تتحول الحياة كلها إلى مشروع لتسويق الذات، ومن هذه الزاوية يبدو الكتاب أقرب إلى محاولة لفهم الإنسان في العصر الرقمي؛ ذلك الإنسان الذي يحمل هاتفه كمرآة متنقلة، ويقضي جزءًا كبيرًا من حياته بحثا عن صورته في عيون الآخرين.