إبراهيم الديب - على مرمى البصر" "بداية الرحلة"

"بداية الرحلة"

البداية كانت عند انطلاق الاتوبيس من دمياط في حوالي الثانية عشر مساء ، بعد مروره على بورسعيد ، ولم يتأخر كثيراً ليصبح في الإسماعيلية ،وقبل وصوله للسويس دخل في شق تحت الأرض وهو ؛نفق أحمد حمدي وخرج من بطنه مرة أخرى في أرض سيناء, مجتازا قناة السويس من أسفلها, ليبدأ في قطع مسافات شاسعة من الصحراء مخلفا وراءه رقع سكانية اغلب البيوت من طابق واحد الا قليلا لا تحتل إلا حيزا صغيرا من المساحة الشاسعة مترامية الأطراف، ولذلك تبدو هذه المساكن :لمن ينظر إليها من مسافة بعيدة وكأنها علب نثرت على وجه الرمال هذه القري أو المدن التي يحار المرء في وصفها لكونها تجمع في نفس الوقت بين القرية والمدينة والصحراء في آن واحد : تمنح صاحب الخلفية الثقافية من عاش فيها فترة من الوقت : تجوله في تاريخ المكان وجغرافيته كتجربة معاشه تطبيق للحكمة القائلة :من السهل أن تعرف، ولكن من صعب أن تحس وتشعر،
ولذلك لن تستطيع الوقوف على سر كلمات مثل بلاد: الشمس الحارقة، والفراغ، وندرة الماء، والجمال ولون الرمال الصفراء، والاغنام ،والماعز ، والغزلان والعقارب، والثعابين وزرقة السماء، واللامتناهي، وأساطير تنسجها عقول البدو استجابة اسىئلة عقل وتزجية لفراغ رغبة في قتله : لبصيغ العقل الجمعي من كل ما سبق ذكره حكايات تدور في أدمغة الناس ، يصعب الفصل فيها بين الحقيقة والخيال ، ثم تتعقد تلك القصص وتكتسب تلك النصوص قداسة. يصعب الخروج عليها : فلن يستطيع النفاذ بعمق في حياة سكان الصحراء بتجربة معاشه، وهو ما كابدته على المستوى الشخصي أثناء تأدية للخدمة العسكرية بسيناء.

1782729907034.png

للصحراء نصيب وافر من مساحة الدول العربية، لا يقل عن نصيبها حضورها بداخل نسق الثقافة العربية , لكون الشاعر أو المثقف بصفة عامة : ابن مجتمعه وجزء منه يؤثر فيه يتأثر به : وآية صدقه تكمن في عكس ابيات قصيدته ونصوصه تجربته التي للصحراء منها نصيب كبير، وهو اول ما يميز ديوان الشعر العربي ، ويقال أن الكرم أيضا هو ابنا شرعيا للصحراء : لممارسه ساكنها طقس الكرم كضرورة :سلباً وايجابا قسراً عنه؛ عند تواجده فيها تجبره الحاجة من أجل استمراره على قيد : فإن لم تمده احدى القبائل بأسباب ذلك من طعام وشراب : فهو هالك لا محالة ، بحلوله ضيفاً على قبيلة تمارس الكرم كطقس مقدس لحاجة ساكن الصحراء له كضرورة قصوى .
ما أشاهده من نافذة الاتوبيس ؛ دعائي لاستدعاء رأى المفكر الكبير عباس محمود للعقاد في كتابه ابو الأنبياء ابراهيم عليه السلام : في مدن القوافل ويقصد بها المدن التي يعمل أهلها بالتجارة في جزيرة العرب قبل الإسلام و كانت تحمل تلك القوافل مع البضائع:. الأديان والأفكار والقصص والأساطير وغرائب نظم العيش ، فحوى فكرة العقاد التي شرحها باستفاضة في كتابه مفادها أن: رسالات السماء نزلت على مدن القوافل لأن سكان تلك المدن ومنها مكة والمدينة: لم يخضعوا لقوانين أرضية ودساتير ملوك سلاطين وثقافة استقرت وتجذرت في نفوس وعقول هؤلاء الناس مارسوها كطقوس مقدسة : على مدار قرون ؛ مثل سكان فارس و مصر و بلاد الاغريق.
حتى إذا جاءتهم رسالة السماء لم يعد في استطاعته المرء التخلي بسهوله عما يعتقده وجمد عليه منذ نعومة اظفاره : استبدال عقيدته بأخري كما يغير الشخص ثوبه، او حتى يقف منها على الحياد لكونها سبقت واستقرت في أعماق فمن الصعب تغيير البنية الثقافية لمثل هؤلاء. ومن رأي العقاد ان سكان مدن القوافل مثل مكة المكرمة والمدينة التي يقربنا الاتوبيس الذي نستقله كل دقيقة منها ، عكس من عاشوا في حضارات تحكمها قوانين ودساتير : تقوم على حراسة عقائدها كهنة شاركت في تدبيج تلك الدساتير وتعاقب من يخرج عليها من العامة ، لكون هؤلاء الكهنة جزء من السلطة وشركاء في الحكم ، بعكس مدن القوافل التي تنفر بالفطرة نفوس سكانها الحرة الأبية من الخضوع لأي سلطان يحد من حريتها ولذلك : هم أقرب للحياد والمرونة لقبول الفكرة الجديدة او رفضها وهذا تلخيص رأي العقاد في سكان مدن القوافل بعد عرض رسالات السماء عليهم .
مع اقتراب اذان الفجر توقف الاتوبيس للاستراحة في احد الأماكن وهو رست كبير يقع في إحدى قرى جنوب سيناء ويطلق علبها "نخل" بكسر "الخاء" تضم الاستراحة :كافيتريا ومطعم وملحق بها مسجداً ويضرب حول مساحته الشاسعة سورا جميلا خليط من : أشجار الزينة, والفاكهة ونخل قصير وكأن من قام بزرعه قبل وصولنا مباشرة، منظر مبهج بديع أقرب لابتسامة الطبيعة وسط صحراء قاحلة، تناول أفراد الفوج السحور بداخل الكافتيريا. ثم التوجه بعدها للمسجد للصلاة ,ليواصل الأتوبيس انطلاقه بنفس السرعة نهبا في الطريق الى: ميناء نويبع على خليج العقبة الذي يفصل بين مصر والسعودية تلوح مدنها على الضفة الأخرى. عرض الخليج عند أقصى اتساع له 14 كيلو، ثم يضيق الخليج في حده الأدنى لمسافة ٩ كيلو متر..
بعد ازاحة الشمس لظلام اليل تمكنت من مشاهدة قرية نويبع التي تنام على الرمال كلوحة فنية بديعة :خرجت من يد فنان في التو واللحظة ، و ظل الاتوبيس المخصص لرحلتنا الذي نجلس بجواره في نهار رمضان ينتظر خارج بوابة مينائها بعد أن وصلها في السابعة صباحاً حتي تنتهي مجموعة كبيرة الاتوبيسات سبقت إلى الميناء قبلنا من دخولها ، فوجدتها فرصة؛ للتجول في قرية نويبع البيوت اغلبها من طابق واحد وطقس خريفي أكثر من رائع لا ضوضاء هناك ولا ضجيج ولا صخب من الذي جئت وهو ما دعاني للحديث مع نفسي ما أروع الهدوء والسكينة لم يكن هناك. في الطرق التي دون تخطيط كثير من سكان القرية الذين هم ليسوا في عجلة من أمرهم يتجولون شوارعها وبينما أنا مستمتع بكل ما أشاهد ووجدت نفسي امام مسجد فدخلت وصليت الظهر.
وبعدها واصلت السير مع احد زملاء الرحلة قد سبقني إلى المسجد وهو من لفت نظري لوجود احد فروع بنك مصر على ناصية الشارع وبعد دخولنا قمت بسؤال الموظف عن: سعر الريال السعودي فقال : بجنيه وسبعة قروش، فطلبت منه ثلاثة آلاف فقال: للأسف طلبك غير متوفر في الوقت الحالي فعدا للأتوبيس الذي بدأ في التحرك لداخل الميناء قبل آذان المغرب بفترة قصيرة ثم بدأنا في تناول الافطار على رصيفها وجدتها فرصة: للتخلص من عزال يلازمني أسفل كرسي الاتوبيس وإحساس بإعاقته حركة قدمي منذ صعودي إليه، وهو عبارة عن كمية طعام الكبيرة أعدتها زوجتي بتحريض من والدتي ،فدعيت كل من بالجوار وبالفعل لم يتأخروا في مشاركتي التهامها .
في حوالي الثانية عشر مساء أصبحنا بداخل بطن العبارة" سانت كاترين" وكان تحركها في الواحدة صباحا وفضلت الجلوس في الكافتيريا على سطح السفينة : ثم تناولت قهوة وأنا اراقب صمتا وسكونا خيم على الكون يملأ النفس شعور بالمهابة والجلال ، يقطعه وصول صوت الموج لمسامعي خفيفا على استحياء أثناء اصطدام بجسم العبارة وكأنه يداعبها وتختفي بسرعة أصوات مجموعة الأفراد التي تجلس على الكافتيريا يحمله أثير الكون . ثم اقتربت من الجرسون بود وأخبرته أنني لا املك عملة سعودي ولا اردني، عندما شاهدت من يدفع ثمن المشروبات بها ، فقال :القهوة بأربعة ريال ،أو أربعة جنيهات عادي، كله ماشي وعندما لمست منه سعة طلاقة الوجه وسعة الصدر :سألته عن الوقت الذي تقطع فيه العبارة المسافة من نويبع لميناء العقبة ،فقال" سانت كاترين" بطيئة لحد ما :إن شاء الله وصولنا العقبة بعد حوالي أربع ساعات، فتناولت: فطلبت منه سحورا خفيفا فلم يتأخر عن إحضار سندوتش وزبادي عصير وعقبت عليهما بقهوة .
في الثامنة صباحاً رست سانت كاترين: على رصيف ميناء العقبة في الأردن في الجهة المقابلة لها : بسيناء ميناء ايلات وهي قرية أم الرشاش التي تنازلت عنها مصر لتطل منها: فلسطين على خليج العقبة قبل التقسيم ، فاستولت عليها اسرائيل واطلقت عليه اسم ايلات كما استولت نساء اليهود على ذهب مساء مصر ليلة الخروج من: مصر مع موسى عليه السلام ليصنع منه السامري عجل له خوار، ميناء العقبة نفسه هو الآخر أرض سعودية، تنازلت عنه للأردن ليكون منفذها البحري الوحيد على البحر الاحمر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى