مبدعون في الذاكرة ( 71 )
اضاءه مهنية لا دراسة نقدية...
غادة حسين العاملي...
امرأةٌ تحمل الثقافة على كتفيها
ياس خضير البياتي
++++++++++++++++++++
في عالم الصحافة والإعلام، ليست القيمة الحقيقية في من يكتب الخبر أو يعلّق عليه أو يذيعه فحسب، بل في من يصنع الفعل الثقافي ويقود المؤسسة الإعلامية نحو فضاءٍ أوسع من الوعي والمعرفة.
فالإعلام ليس صوتًا يُسمع فقط، بل بنية ثقافية متكاملة تُدار وتُبنى وتُفتح فيها النوافذ على الفكر والكتاب والفن.
ومن هنا يبرز دور الشخصيات التي لا تكتفي بالإنتاج الإعلامي، بل تشتغل على تنظيم الفضاء الثقافي، وإدارة المؤسسات، وصناعة المعارض والفعاليات التي تمنح الثقافة حضورها الحيوي في المجتمع.
في مدينةٍ اعتادت أن تُنجب الشعراء والفنانين والمثقفين، ولدت د. غادة حسين العاملي في بغداد، حاملةً منذ البداية انتماءين يتعانقان في روحٍ واحدة؛ عراقية بالولادة، ولبنانية بالأصل، وكأنها جاءت من ضفتي وطنين ليجتمعا في شخصيتها التي ستكرّس حياتها لاحقاً للثقافة والمعرفة والجمال.
لم تكن رحلتها مجرد انتقالٍ بين الشهادات الجامعية والمناصب الإدارية، بل كانت مسيرةً طويلة من الإيمان بأن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية، وأن الكتاب والفن والإعلام ليست أدوات للتعبير فحسب، بل وسائل لبناء الإنسان وصناعة الوعي وترميم ما تهدّمه الحروب والأزمات.
منذ سنواتها الأولى في الجامعة، كانت تدرك أن الإعلام والفنون ليسا عالمين منفصلين، بل نهران يلتقيان في مصبٍّ واحد هو الإنسان.
لذلك جمعت بين دراسة الإعلام والتصميم، فحصلت على شهادة الماجستير في التصميم من كلية الفنون الجميلة، ثم واصلت رحلتها العلمية لتحصل على شهادة الدكتوراه في الإعلام – قسم الصحافة، لتؤسس بذلك مساراً معرفياً نادراً يجمع بين الصورة والكلمة، وبين الفن والاتصال.
وعندما التحقت بجامعة بغداد أستاذةً عام 2006، لم تكن تنظر إلى التعليم بوصفه وظيفة أكاديمية، بل باعتباره رسالة.
ففي القاعات الدراسية كانت تسعى إلى تخريج أجيالٍ تؤمن بالإبداع والتفكير الحر، تماماً كما كانت تؤمن بأن الإعلام الحقيقي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يصنع المعنى ويمنح المجتمع قدرةً أكبر على الفهم والحوار.
وعلى امتداد أكثر من عقدين، تنقلت بين البحث العلمي والعمل الثقافي والإدارة المؤسسية، لتصبح واحدة من أبرز الشخصيات النسوية العراقية التي نجحت في الجمع بين الأكاديمية والميدان.
وقد نشرت عشرات البحوث والدراسات المحكمة في مجالات الإعلام والتصميم والاتصال الثقافي والهوية والتواصل المجتمعي، كما أصدرت ثلاثة كتب تخصصية أسهمت في إثراء المكتبة الأكاديمية العراقية.
لكن حضورها لم يتوقف عند حدود الجامعة.ففي مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، التي تتولى إدارتها العامة، وجدت فضاءً أوسع لترجمة أفكارها إلى مشاريع وفعاليات ملموسة.
هناك تحولت الثقافة من مفهوم نظري إلى فعل يومي، ومن خطابٍ إلى ممارسة. فمن خلال إشرافها على معارض العراق الدولية للكتاب، والأسابيع الثقافية، والمهرجانات الفنية، والبرامج المعرفية المتنوعة، أسهمت في ترسيخ مكانة المؤسسة بوصفها واحدة من أهم المنصات الثقافية العراقية والعربية.
ولعل ما يميز تجربتها أنها تنتمي إلى ذلك النوع من الإداريين الذين لا يكتفون بإدارة المؤسسات من خلف المكاتب. فهي تؤمن بأن الثقافة مشروع حياة، وأن الكتاب ينبغي أن يغادر رفوف المكتبات ليصل إلى الناس، وأن الفنون يجب أن تخرج من القاعات المغلقة لتصبح جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع.
ومن هذا الإيمان جاءت مبادراتها المتعددة في المجتمع المدني، حيث أسست الجمعية العراقية العلمية للفنون، التي سعت إلى بناء جسور التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والثقافية، وتعزيز البحث العلمي في مجالات الفنون والإبداع.
كما شاركت في تأسيس وإدارة عدد من المبادرات التي تُعنى بالمرأة والشباب والتنمية المستدامة، واضعةً الثقافة في قلب عملية التنمية المجتمعية.
ولم تنظر العاملي إلى المرأة بوصفها قضية منفصلة عن المجتمع، بل بوصفها شريكاً أساسياً في عملية البناء والتغيير. لذلك كرّست جانباً مهماً من جهودها لدعم تمكين المرأة وتعزيز حضورها في المجالات الثقافية والإعلامية والعلمية، مؤمنةً بأن المجتمعات لا تتقدم إلا حين تفتح أبوابها أمام طاقات جميع أبنائها وبناتها.
وعلى المستوى العربي والدولي، شاركت في عشرات المؤتمرات والملتقيات العلمية والثقافية، وقدمت أوراقاً بحثية ومحاضرات في جامعات ومراكز أكاديمية تناولت قضايا الإعلام والاتصال الثقافي والتصميم والهوية والتنمية المجتمعية.
مبدعون وكانت في كل مشاركة تحمل معها صورة العراق الثقافي، ذلك العراق الذي ما زال قادراً على إنتاج المعرفة رغم كل ما مرّ به من محن وتحولات.
وقد حظيت خلال مسيرتها بعدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة أفضل صحفية عراقية لعام 2014، ولقب المرأة النموذج ضمن مبادرة الأيادي البيضاء في العالم العربي، وجائزة الإبداع من وزارة الثقافة العراقية، فضلاً عن تكريمات عديدة من مؤسسات ثقافية وأكاديمية عربية وعراقية.
كما تتولى رئاسة مجلس إدارة دار العالي للنشر والتوزيع، وتشرف على إصدار مجلة علمية محكمة تُعنى بالدراسات الإنسانية والفنون، انطلاقاً من قناعتها بأن النشر العلمي الرصين يمثل إحدى الركائز الأساسية لبناء مجتمع المعرفة.
إن المتأمل في تجربتها يكتشف أنها لا تنتمي إلى جيل الإداريين التقليديين، بل إلى جيلٍ يرى في الثقافة مشروعاً وطنياً، وفي الإعلام رسالة تنويرية، وفي الفنون لغةً عالمية قادرة على بناء الجسور بين البشر.
ولهذا ظل حضورها مرتبطاً بكل مشروع يسعى إلى نشر المعرفة، وكل مبادرة تؤمن بأن الثقافة قادرة على مقاومة العنف والجهل والانغلاق.
لقد اختارت أن تكون في صف الكتاب والفن والإنسان، وأن تجعل من عملها الأكاديمي والثقافي جسراً بين الجامعة والمجتمع، وبين الفكر والحياة.
ولهذا أصبحت تجربتها واحدة من التجارب النسوية العراقية البارزة التي استطاعت أن تجمع بين المعرفة والإدارة، وبين الرؤية والعمل، وأن تقدم نموذجاً لامرأة آمنت بأن الثقافة ليست مجرد نشاطٍ موسمي، بل مسؤولية أخلاقية وحضارية مستمرة.
وهكذا تمضي د. غادة حسين العاملي في رحلتها، حاملةً مشعل الثقافة العراقية في زمنٍ تشتد فيه الحاجة إلى الضوء، ومؤمنةً بأن الأمم لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى أيضاً بالكتاب، والفكرة، والجمال.مهنية لا
اضاءه مهنية لا دراسة نقدية...
غادة حسين العاملي...
امرأةٌ تحمل الثقافة على كتفيها
ياس خضير البياتي
++++++++++++++++++++
في عالم الصحافة والإعلام، ليست القيمة الحقيقية في من يكتب الخبر أو يعلّق عليه أو يذيعه فحسب، بل في من يصنع الفعل الثقافي ويقود المؤسسة الإعلامية نحو فضاءٍ أوسع من الوعي والمعرفة.
فالإعلام ليس صوتًا يُسمع فقط، بل بنية ثقافية متكاملة تُدار وتُبنى وتُفتح فيها النوافذ على الفكر والكتاب والفن.
ومن هنا يبرز دور الشخصيات التي لا تكتفي بالإنتاج الإعلامي، بل تشتغل على تنظيم الفضاء الثقافي، وإدارة المؤسسات، وصناعة المعارض والفعاليات التي تمنح الثقافة حضورها الحيوي في المجتمع.
في مدينةٍ اعتادت أن تُنجب الشعراء والفنانين والمثقفين، ولدت د. غادة حسين العاملي في بغداد، حاملةً منذ البداية انتماءين يتعانقان في روحٍ واحدة؛ عراقية بالولادة، ولبنانية بالأصل، وكأنها جاءت من ضفتي وطنين ليجتمعا في شخصيتها التي ستكرّس حياتها لاحقاً للثقافة والمعرفة والجمال.
لم تكن رحلتها مجرد انتقالٍ بين الشهادات الجامعية والمناصب الإدارية، بل كانت مسيرةً طويلة من الإيمان بأن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية، وأن الكتاب والفن والإعلام ليست أدوات للتعبير فحسب، بل وسائل لبناء الإنسان وصناعة الوعي وترميم ما تهدّمه الحروب والأزمات.
منذ سنواتها الأولى في الجامعة، كانت تدرك أن الإعلام والفنون ليسا عالمين منفصلين، بل نهران يلتقيان في مصبٍّ واحد هو الإنسان.
لذلك جمعت بين دراسة الإعلام والتصميم، فحصلت على شهادة الماجستير في التصميم من كلية الفنون الجميلة، ثم واصلت رحلتها العلمية لتحصل على شهادة الدكتوراه في الإعلام – قسم الصحافة، لتؤسس بذلك مساراً معرفياً نادراً يجمع بين الصورة والكلمة، وبين الفن والاتصال.
وعندما التحقت بجامعة بغداد أستاذةً عام 2006، لم تكن تنظر إلى التعليم بوصفه وظيفة أكاديمية، بل باعتباره رسالة.
ففي القاعات الدراسية كانت تسعى إلى تخريج أجيالٍ تؤمن بالإبداع والتفكير الحر، تماماً كما كانت تؤمن بأن الإعلام الحقيقي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يصنع المعنى ويمنح المجتمع قدرةً أكبر على الفهم والحوار.
وعلى امتداد أكثر من عقدين، تنقلت بين البحث العلمي والعمل الثقافي والإدارة المؤسسية، لتصبح واحدة من أبرز الشخصيات النسوية العراقية التي نجحت في الجمع بين الأكاديمية والميدان.
وقد نشرت عشرات البحوث والدراسات المحكمة في مجالات الإعلام والتصميم والاتصال الثقافي والهوية والتواصل المجتمعي، كما أصدرت ثلاثة كتب تخصصية أسهمت في إثراء المكتبة الأكاديمية العراقية.
لكن حضورها لم يتوقف عند حدود الجامعة.ففي مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، التي تتولى إدارتها العامة، وجدت فضاءً أوسع لترجمة أفكارها إلى مشاريع وفعاليات ملموسة.
هناك تحولت الثقافة من مفهوم نظري إلى فعل يومي، ومن خطابٍ إلى ممارسة. فمن خلال إشرافها على معارض العراق الدولية للكتاب، والأسابيع الثقافية، والمهرجانات الفنية، والبرامج المعرفية المتنوعة، أسهمت في ترسيخ مكانة المؤسسة بوصفها واحدة من أهم المنصات الثقافية العراقية والعربية.
ولعل ما يميز تجربتها أنها تنتمي إلى ذلك النوع من الإداريين الذين لا يكتفون بإدارة المؤسسات من خلف المكاتب. فهي تؤمن بأن الثقافة مشروع حياة، وأن الكتاب ينبغي أن يغادر رفوف المكتبات ليصل إلى الناس، وأن الفنون يجب أن تخرج من القاعات المغلقة لتصبح جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع.
ومن هذا الإيمان جاءت مبادراتها المتعددة في المجتمع المدني، حيث أسست الجمعية العراقية العلمية للفنون، التي سعت إلى بناء جسور التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والثقافية، وتعزيز البحث العلمي في مجالات الفنون والإبداع.
كما شاركت في تأسيس وإدارة عدد من المبادرات التي تُعنى بالمرأة والشباب والتنمية المستدامة، واضعةً الثقافة في قلب عملية التنمية المجتمعية.
ولم تنظر العاملي إلى المرأة بوصفها قضية منفصلة عن المجتمع، بل بوصفها شريكاً أساسياً في عملية البناء والتغيير. لذلك كرّست جانباً مهماً من جهودها لدعم تمكين المرأة وتعزيز حضورها في المجالات الثقافية والإعلامية والعلمية، مؤمنةً بأن المجتمعات لا تتقدم إلا حين تفتح أبوابها أمام طاقات جميع أبنائها وبناتها.
وعلى المستوى العربي والدولي، شاركت في عشرات المؤتمرات والملتقيات العلمية والثقافية، وقدمت أوراقاً بحثية ومحاضرات في جامعات ومراكز أكاديمية تناولت قضايا الإعلام والاتصال الثقافي والتصميم والهوية والتنمية المجتمعية.
مبدعون وكانت في كل مشاركة تحمل معها صورة العراق الثقافي، ذلك العراق الذي ما زال قادراً على إنتاج المعرفة رغم كل ما مرّ به من محن وتحولات.
وقد حظيت خلال مسيرتها بعدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة أفضل صحفية عراقية لعام 2014، ولقب المرأة النموذج ضمن مبادرة الأيادي البيضاء في العالم العربي، وجائزة الإبداع من وزارة الثقافة العراقية، فضلاً عن تكريمات عديدة من مؤسسات ثقافية وأكاديمية عربية وعراقية.
كما تتولى رئاسة مجلس إدارة دار العالي للنشر والتوزيع، وتشرف على إصدار مجلة علمية محكمة تُعنى بالدراسات الإنسانية والفنون، انطلاقاً من قناعتها بأن النشر العلمي الرصين يمثل إحدى الركائز الأساسية لبناء مجتمع المعرفة.
إن المتأمل في تجربتها يكتشف أنها لا تنتمي إلى جيل الإداريين التقليديين، بل إلى جيلٍ يرى في الثقافة مشروعاً وطنياً، وفي الإعلام رسالة تنويرية، وفي الفنون لغةً عالمية قادرة على بناء الجسور بين البشر.
ولهذا ظل حضورها مرتبطاً بكل مشروع يسعى إلى نشر المعرفة، وكل مبادرة تؤمن بأن الثقافة قادرة على مقاومة العنف والجهل والانغلاق.
لقد اختارت أن تكون في صف الكتاب والفن والإنسان، وأن تجعل من عملها الأكاديمي والثقافي جسراً بين الجامعة والمجتمع، وبين الفكر والحياة.
ولهذا أصبحت تجربتها واحدة من التجارب النسوية العراقية البارزة التي استطاعت أن تجمع بين المعرفة والإدارة، وبين الرؤية والعمل، وأن تقدم نموذجاً لامرأة آمنت بأن الثقافة ليست مجرد نشاطٍ موسمي، بل مسؤولية أخلاقية وحضارية مستمرة.
وهكذا تمضي د. غادة حسين العاملي في رحلتها، حاملةً مشعل الثقافة العراقية في زمنٍ تشتد فيه الحاجة إلى الضوء، ومؤمنةً بأن الأمم لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى أيضاً بالكتاب، والفكرة، والجمال.مهنية لا