تبدأ الحكاية بطفل فلسطيني.
لا يحمل حجرًا.
ولا يبحث عن مواجهة.
كل ما يريده أن يرى البحر.
البحر الذي لم يره من قبل، رغم أنه يعيش في فلسطين.
يصعد إلى الحافلة مع زملائه في رحلة مدرسية، لكن الحاجز العسكري يوقف الرحلة؛ فتصريحه لا يسمح له بالعبور. يعود وحده، ثم يقرر أن يذهب وحده عبر رحلة تهريب محفوفة بالخطر دون أوراق رسمية، باحثًا عن البحر الذي يفصل بينه وبينه حاجز من الإسمنت والجنود والأسلاك.
هكذا يبدأ فيلم "البحر".
وهكذا أيضًا فاز الفيلم بخمس جوائز "أوفير"، من بينها جائزة أفضل ممثل للطفل محمد غزاوي كأصغر فائز بهذه الجائزة. وهي أرفع جائزة سينمائية في إسرائيل، والتي تجعل الفيلم المرشح الرسمي لإسرائيل للمنافسة على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي.
لكن القصة لا تبدأ من هنا، ولا تنتهي هنا.
فبمجرد إعلان فوز الفيلم، ثارت عاصفة من الجدل في إسرائيل. وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار لم يحتمل أن يرى مؤسسة سينمائية تمنح جائزتها الكبرى لفيلم يروي حكاية طفل فلسطيني، فقرر إلغاء تمويل جوائز "أوفير" واصفاً إياها بـ"بصقة في وجه مواطني إسرائيل وجنودها". هذا الغضب الرسمي يكشف هشاشة الرواية التي لا تحتمل حتى فيلمًا إنسانيًا عن طفل يبحث عن البحر.
لو جاء هذا الفيلم قبل سنوات، لكان مجرد فيلم آخر عن طفل فلسطيني. أما اليوم، فهو يأتي في لحظة مختلفة تمامًا؛ لحظة تعيش فيها المؤسسة السينمائية الإسرائيلية، ومعها المؤسسة الثقافية الإسرائيلية عمومًا، واحدة من أكبر أزماتها أمام الرأي العام العالمي.
لم تعد المقاطعة الثقافية مجرد شعار، بل أصبحت واقعًا يلاحق المهرجانات، والجوائز، والعروض، والمشاركات. وشهد العالم بيانات وقعها مئات السينمائيين، واحتجاجات في مهرجانات دولية، ونقاشًا غير مسبوق حول مسؤولية الفن في زمن الإبادة، وحول العلاقة بين الثقافة والاحتلال. ولم يعد مجرد وجود فيلم إسرائيلي في بعض المهرجانات يمر كما كان يمر قبل سنوات.
كل ذلك يجعل من المستحيل قراءة فيلم "البحر" بمعزل عن زمنه. ولهذا لا أتعامل معه بوصفه مجرد عمل إنساني عن طفل حُرم من رؤية البحر، بل بوصفه جزءًا من معركة أكبر؛ معركة الرواية.
فالسينما الإسرائيلية لم تكن يومًا مؤسسة تقف خارج المشروع الصهيوني، بل كانت، منذ بداياتها، إحدى أدواته الثقافية. هي التي ساهمت في بناء الصورة التي قدمت فلسطين للعالم باعتبارها أرضًا تنتظر من يأتي إليها، وهي التي شاركت، عبر عشرات الأفلام، في إنتاج الأسطورة التي تجاهلت وجود شعب كامل، ومدن كاملة، وذاكرة كاملة.
ولذلك، فإن فيلمًا واحدًا، مهما بلغت حساسيته الإنسانية، لا يستطيع أن يمحو تاريخ مؤسسة كاملة، ولا يستطيع أن يمحو الدور الذي لعبته هذه السينما في بناء الرواية الصهيونية، وفي تجميلها، وفي تسويقها للعالم.
لهذا لا أرى في هذا الفيلم تحولًا جذريًا، ولا تمر عليّ هذه الألاعيب التي تلعبها مؤسسة الأوسكار الإسرائيلي. بل أرى محاولة لالتقاط لحظة تغير فيها العالم. لقد سقط احتكار الصورة، ولم تعد الرواية الإسرائيلية وحدها هي التي تصل إلى الشاشات.
من غزة خرجت ملايين الصور.
خرج الأطفال، والأمهات، والآباء الذين يحملون أبناءهم من تحت الركام.
خرجت المستشفيات المدمرة، والمدارس، والخيام، والشوارع التي تحولت إلى مقابر مفتوحة.
لم تعد الكاميرا الإسرائيلية وحدها هي التي تروي، فالعالم رأى بعينيه. وهذا ما يجعل أي محاولة لإعادة ترميم الصورة القديمة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
لا أقول إن الفيلم بلا قيمة فنية، ولا أقول إن الطفل لا يستحق التعاطف؛ فالطفل الفلسطيني لا يحتاج إلى شهادة من أحد كي يصبح إنسانًا. لكنني أقول إن زمن خداع الشعوب قد انتهى. لم يعد بالإمكان ترميم رواية كاملة بفيلم واحد، ولا منح براءة أخلاقية لمؤسسة كاملة بجائزة واحدة. فالناس لم يعودوا ينتظرون شاشة السينما كي يعرفوا ماذا جرى؛ لقد شاهدوا الحقيقة وهي تُبث مباشرة، كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة.
ثم تأتي اللقطة الأخيرة.
الطفل يمشي نحو البحر.
هكذا يريد الفيلم، لكن الكاميرا تتوقف عند الحاجز.
وأنا، كمشاهد فلسطيني، لا أستطيع أن أتوقف هناك.
لأن الحاجز ليس بداية الحكاية، الحاجز نتيجة.
قبله كان هناك وطن.
وكانت هناك مدن مفتوحة على البحر.
وكانت هناك قرى تعرف الطريق إلى يافا، وحيفا، وعكا، وغزة، دون تصاريح ودون بنادق.
ثم جاء الاحتلال، وبعده جاء الحاجز.
لهذا لا أسأل لماذا مُنع الطفل من رؤية البحر، بل أسأل:
من الذي جعل البحر يحتاج إلى تصريح؟
ومن الذي جعل طفلًا فلسطينيًا يولد غريبًا عن شاطئ وطنه؟
وفي الوقت الذي يحلم فيه طفل الفيلم بأن يصل إلى البحر، كان أطفال غزة يُقتلون على البحر، وعلى الشاطئ نفسه، وتحت السماء نفسها.
البحر الذي حلم به الطفل، كان قد سبق أن تلون بدم أطفال آخرين. أطفال لم يمنعهم حاجز من الوصول إليه، بل وصلت إليهم الصواريخ وهم عنده.
وهنا يصبح السؤال الذي لا يستطيع أي فيلم أن يتجاوزه:
هل تستطيع المؤسسة السينمائية الإسرائيلية أن تمنح يومًا أعلى جوائزها لفيلم يروي حكاية الطفلة هند رجب؟
أن تروي استغاثتها، وصوتها، وسيارة الإسعاف التي انطلقت لإنقاذها ثم استُهدفت هي أيضًا؟
هل تستطيع أن تصنع فيلمًا عن طفل من أطفال غزة، لا لأنه لم يصل إلى البحر، بل لأنه قُتل على شاطئه؟
أعرف الجواب.
ليس لأن السينما عاجزة، بل لأن الطريق إلى الحقيقة يبدأ قبل الحاجز.
يبدأ من الاعتراف بمن أقام الحاجز.
ومن سرق الطريق إلى البحر.
ومن حوّل وطنًا كاملًا إلى تصريح مرور.
ولهذا...
لن تغيّر جائزة أوفير اسم البحر.
ولن يغيّر غضب وزير الثقافة الإسرائيلي ولا الطريق إلى الأوسكار حقيقة يعرفها كل طفل فلسطيني.
أن البحر كان له...
قبل أن يصبح الوصول إليه حلمًا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
1 / 7 / 2026
لا يحمل حجرًا.
ولا يبحث عن مواجهة.
كل ما يريده أن يرى البحر.
البحر الذي لم يره من قبل، رغم أنه يعيش في فلسطين.
يصعد إلى الحافلة مع زملائه في رحلة مدرسية، لكن الحاجز العسكري يوقف الرحلة؛ فتصريحه لا يسمح له بالعبور. يعود وحده، ثم يقرر أن يذهب وحده عبر رحلة تهريب محفوفة بالخطر دون أوراق رسمية، باحثًا عن البحر الذي يفصل بينه وبينه حاجز من الإسمنت والجنود والأسلاك.
هكذا يبدأ فيلم "البحر".
وهكذا أيضًا فاز الفيلم بخمس جوائز "أوفير"، من بينها جائزة أفضل ممثل للطفل محمد غزاوي كأصغر فائز بهذه الجائزة. وهي أرفع جائزة سينمائية في إسرائيل، والتي تجعل الفيلم المرشح الرسمي لإسرائيل للمنافسة على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي.
لكن القصة لا تبدأ من هنا، ولا تنتهي هنا.
فبمجرد إعلان فوز الفيلم، ثارت عاصفة من الجدل في إسرائيل. وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار لم يحتمل أن يرى مؤسسة سينمائية تمنح جائزتها الكبرى لفيلم يروي حكاية طفل فلسطيني، فقرر إلغاء تمويل جوائز "أوفير" واصفاً إياها بـ"بصقة في وجه مواطني إسرائيل وجنودها". هذا الغضب الرسمي يكشف هشاشة الرواية التي لا تحتمل حتى فيلمًا إنسانيًا عن طفل يبحث عن البحر.
لو جاء هذا الفيلم قبل سنوات، لكان مجرد فيلم آخر عن طفل فلسطيني. أما اليوم، فهو يأتي في لحظة مختلفة تمامًا؛ لحظة تعيش فيها المؤسسة السينمائية الإسرائيلية، ومعها المؤسسة الثقافية الإسرائيلية عمومًا، واحدة من أكبر أزماتها أمام الرأي العام العالمي.
لم تعد المقاطعة الثقافية مجرد شعار، بل أصبحت واقعًا يلاحق المهرجانات، والجوائز، والعروض، والمشاركات. وشهد العالم بيانات وقعها مئات السينمائيين، واحتجاجات في مهرجانات دولية، ونقاشًا غير مسبوق حول مسؤولية الفن في زمن الإبادة، وحول العلاقة بين الثقافة والاحتلال. ولم يعد مجرد وجود فيلم إسرائيلي في بعض المهرجانات يمر كما كان يمر قبل سنوات.
كل ذلك يجعل من المستحيل قراءة فيلم "البحر" بمعزل عن زمنه. ولهذا لا أتعامل معه بوصفه مجرد عمل إنساني عن طفل حُرم من رؤية البحر، بل بوصفه جزءًا من معركة أكبر؛ معركة الرواية.
فالسينما الإسرائيلية لم تكن يومًا مؤسسة تقف خارج المشروع الصهيوني، بل كانت، منذ بداياتها، إحدى أدواته الثقافية. هي التي ساهمت في بناء الصورة التي قدمت فلسطين للعالم باعتبارها أرضًا تنتظر من يأتي إليها، وهي التي شاركت، عبر عشرات الأفلام، في إنتاج الأسطورة التي تجاهلت وجود شعب كامل، ومدن كاملة، وذاكرة كاملة.
ولذلك، فإن فيلمًا واحدًا، مهما بلغت حساسيته الإنسانية، لا يستطيع أن يمحو تاريخ مؤسسة كاملة، ولا يستطيع أن يمحو الدور الذي لعبته هذه السينما في بناء الرواية الصهيونية، وفي تجميلها، وفي تسويقها للعالم.
لهذا لا أرى في هذا الفيلم تحولًا جذريًا، ولا تمر عليّ هذه الألاعيب التي تلعبها مؤسسة الأوسكار الإسرائيلي. بل أرى محاولة لالتقاط لحظة تغير فيها العالم. لقد سقط احتكار الصورة، ولم تعد الرواية الإسرائيلية وحدها هي التي تصل إلى الشاشات.
من غزة خرجت ملايين الصور.
خرج الأطفال، والأمهات، والآباء الذين يحملون أبناءهم من تحت الركام.
خرجت المستشفيات المدمرة، والمدارس، والخيام، والشوارع التي تحولت إلى مقابر مفتوحة.
لم تعد الكاميرا الإسرائيلية وحدها هي التي تروي، فالعالم رأى بعينيه. وهذا ما يجعل أي محاولة لإعادة ترميم الصورة القديمة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
لا أقول إن الفيلم بلا قيمة فنية، ولا أقول إن الطفل لا يستحق التعاطف؛ فالطفل الفلسطيني لا يحتاج إلى شهادة من أحد كي يصبح إنسانًا. لكنني أقول إن زمن خداع الشعوب قد انتهى. لم يعد بالإمكان ترميم رواية كاملة بفيلم واحد، ولا منح براءة أخلاقية لمؤسسة كاملة بجائزة واحدة. فالناس لم يعودوا ينتظرون شاشة السينما كي يعرفوا ماذا جرى؛ لقد شاهدوا الحقيقة وهي تُبث مباشرة، كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة.
ثم تأتي اللقطة الأخيرة.
الطفل يمشي نحو البحر.
هكذا يريد الفيلم، لكن الكاميرا تتوقف عند الحاجز.
وأنا، كمشاهد فلسطيني، لا أستطيع أن أتوقف هناك.
لأن الحاجز ليس بداية الحكاية، الحاجز نتيجة.
قبله كان هناك وطن.
وكانت هناك مدن مفتوحة على البحر.
وكانت هناك قرى تعرف الطريق إلى يافا، وحيفا، وعكا، وغزة، دون تصاريح ودون بنادق.
ثم جاء الاحتلال، وبعده جاء الحاجز.
لهذا لا أسأل لماذا مُنع الطفل من رؤية البحر، بل أسأل:
من الذي جعل البحر يحتاج إلى تصريح؟
ومن الذي جعل طفلًا فلسطينيًا يولد غريبًا عن شاطئ وطنه؟
وفي الوقت الذي يحلم فيه طفل الفيلم بأن يصل إلى البحر، كان أطفال غزة يُقتلون على البحر، وعلى الشاطئ نفسه، وتحت السماء نفسها.
البحر الذي حلم به الطفل، كان قد سبق أن تلون بدم أطفال آخرين. أطفال لم يمنعهم حاجز من الوصول إليه، بل وصلت إليهم الصواريخ وهم عنده.
وهنا يصبح السؤال الذي لا يستطيع أي فيلم أن يتجاوزه:
هل تستطيع المؤسسة السينمائية الإسرائيلية أن تمنح يومًا أعلى جوائزها لفيلم يروي حكاية الطفلة هند رجب؟
أن تروي استغاثتها، وصوتها، وسيارة الإسعاف التي انطلقت لإنقاذها ثم استُهدفت هي أيضًا؟
هل تستطيع أن تصنع فيلمًا عن طفل من أطفال غزة، لا لأنه لم يصل إلى البحر، بل لأنه قُتل على شاطئه؟
أعرف الجواب.
ليس لأن السينما عاجزة، بل لأن الطريق إلى الحقيقة يبدأ قبل الحاجز.
يبدأ من الاعتراف بمن أقام الحاجز.
ومن سرق الطريق إلى البحر.
ومن حوّل وطنًا كاملًا إلى تصريح مرور.
ولهذا...
لن تغيّر جائزة أوفير اسم البحر.
ولن يغيّر غضب وزير الثقافة الإسرائيلي ولا الطريق إلى الأوسكار حقيقة يعرفها كل طفل فلسطيني.
أن البحر كان له...
قبل أن يصبح الوصول إليه حلمًا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
1 / 7 / 2026