أ. د. ياس خضير البياتي - مبدعون في الذاكرة (72) اضاءه مهنية لا دراسة نقدية: علي جعفر العلاق.. حين تصبح القصيدة وطنا آخر.

علي جعفر العلاق ليس شاعراً عابراً يكتب الشعر، بل هو روحٌ تعيش داخل القصيدة وتحتضنه أيضاً، مما يجعل الكلمات تتنفس من أعماق الروح وتنبض بقلب اللغة.
منذ مغادرته مدينة الكوت حاملًا ذكريات طفولته، متجهًا نحو بغداد ثم جامعة إكستر في المملكة المتحدة، حيث أعدّ دراسته حول القضايا الفنية في شعر البياتي، كان في خضم هذا المسار يمهد لنفسه قدرًا شعريًا يتجاوز مجرد السيرة الذاتية ليصل إلى مصير عميق.

FB_IMG_1782911405663.jpg

دخل عبر مسار التأمل وليس من بوابة الضجيج، حيث درس الحداثة وكأنه يحاول تفكيك نجمٍ لاستكشاف سر نوره، وكتب القصيدة وكأنه يغرس شجرة في أرض جافة.
بالنسبة له، النقد لم يكن أداة للتحكم في الشعر، بل كان بمثابة حارسٍ يغلق الأبواب أمام الفوضى العاطفية ويقيّد اللغة لتجنب التعلق بالأشكال الهابطة.
ولهذا، بقي شعره متوازنًا بين حرارة ملتهبة ووعي بارد كمرآة.
في أعماله الشعرية الأولى، بدءًا من "لا شيء يحدث… لا أحد يأتي"، ظهر العلاق كشاعر يُختبر اللامعنى، ليس ليخضع له، بل ليجعله مادة تضيء.
الوطن عنده أكثر من مجرد مكان؛ هو شجرة تئن، وأبٌ يلوح بعيدًا، وأمٌ تحمل آلامها بصمت.
وعندما كتب "وطن لطيور الماء" لم يكن يصف موقعًا، بل كان ينحت ملاذًا للروح الهاربة من فوضى الدمار.
أسلوبه يتميز بتركيبة من صفاء داخلي وتوتر جمالي عميق؛ لغة تلتقط المعنى من حافته الدقيقة وتتيح له أن يتألق بهدوء.
لا يعتمد على التزيين، بل يركز على عمق الصورة، ولا يلهث وراء الغرابة بل يخلق دهشته من التفاصيل الصغيرة التي تتحول في قصائده إلى إشعاعات كونّية.
جمل قصائده مدروسة إيقاعيًا، كأنها تستمع إلى نبض خفي في جوهر الأشياء؛ حيث تتداخل فيها فلسفة التأمل مع الحنين، والذاكرة مع الرؤى.
ولذلك، جاءت مجموعاته الشعرية – بدءًا من "لا شيء يحدث… لا أحد يأتي" و"وطن لطيور الماء" و"شجر العائلة"، وصولاً إلى "سيد الوحشتين" و"حتى يفيض الحصى بالكلام" و"طائر يتعثّر بالضوء" و"تفاحة الضوء" و"فراشات لتبديد الوحشة" – سلسلة تتصاعد في تعميق التجربة لا تكرارها، حيث تنمو الرؤية وتزداد اللغة صفاء وعمقًا.
كما يتميّز أسلوب الشاعر والناقد بخصوصيةٍ جمالية تجمع بين الحسّ الغنائي العميق والبناء الفكري المتماسك، إذ لا تبدو القصيدة عنده مجرد انفعال وجداني عابر، بل صياغة واعية تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع الهمّ الثقافي والإنساني الأوسع.
يقوم أسلوبه على لغةٍ شفيفةٍ مشحونة بالصور المبتكرة، تميل إلى التكثيف والإيحاء أكثر من المباشرة، مع قدرة واضحة على تحويل التفاصيل اليومية إلى رموز شعرية تنفتح على الدلالة والبعد التأملي.
ويمتاز العلاق كذلك بإيقاع داخلي مرن يبتعد عن الصخب الخطابي، ويستثمر موسيقى اللغة بوصفها جزءاً من المعنى لا زينة له، مما يمنح نصوصه طابعاً تأملياً هادئاً يتجاور فيه الحنين مع القلق الوجودي.
كما تتسم تجربته بوعيٍ نقديٍّ حاضر داخل النص الشعري نفسه، إذ يظل الشاعر–الناقد يقظاً في ضبط اللغة وتوجيه الدلالة، ما يجعل قصيدته أقرب إلى بناءٍ فنيٍّ مركّب يجمع بين الشعرية والتفكير في الشعر معاً.
بهذا المعنى، يمكن القول إن شعر العلاق ينهض على توازن دقيق بين العاطفة والعقل، وبين الانسياب الغنائي والرؤية الفكرية، وهو ما منح تجربته حضوراً مميزاً في سياق الشعر العربي الحديث.
وقد تُوّجت هذه المسيرة بحصوله على جائزة العويس الثقافية في الشعر عام 2019، ثم جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2023 عن سيرته الشعرية "إلى أين أيتها القصيدة؟" مما يعكس اعترافًا عربيًا مرموقًا بمكانته كشاعر وناقد وواحد من أبرز الأصوات الحداثية في الشعر العربي.
العلاق هو شاعر التفاصيل التي قد تبدو غير مهمة، ولكنها على يده تصبح شديدة العمق. يلتقط ارتعاشة خيط في قلب خائف، أو انكسار باب في قرية قاحلة، ليحول تلك اللحظات الصغيرة إلى مجرة من التساؤلات.
لم يكتب المشهد، بل جعل المشهد يكتب نفسه. وللمزيد من ذلك، لم يروِ الحكاية، بل أطلق لها العنان لتتفتح مثل عشب بري في طيات اللغة.
ورغم المناصب الثقافية الرفيعة التي شغلها – بدءًا من رئاسة تحرير مجلة "الأقلام"، وتدريسه في بغداد وصنعاء والإمارات – فإن حضوره المؤسسي لم يحجب يومًا حضوره الشعري.
ظل مخلصًا لتلك العزلة الأساسية التي لا يمكن أن تنضج القصيدة إلا في رحابها.
كان يدرك أن المجد الحقيقي لا يأتي مع المناصب، بل يُمنح عبر جملة تبقى نابضة بعد أن يتلاشى كل شيء.
كان العلاق في إنسانيته يعكس روحه الشعرية: هادئ، عميق، ونقياً من ضجيج الحياة. لم يكن من النوع الذي يستمد طاقته من الصخب الثقافي أو يتورط في شائعات وخصومات صغيرة، بل كان دائماً يحتفظ بمسافة تجعله في حالة من الصفاء الداخلي.
اختار العزلة التي تعزز الأفكار بدلاً من تلك التي تتعارض مع الآخرين، وكان يمنح أصدقاءه حباً عميقاً لا يحتاج إلى التصريح.
اعتقد أن الكلمات التي تُقال في غياب صاحبها تفقد معناها، وأن المثقف الحقيقي هو الذي يبتعد عن المشاحنات ويترك بصمته في النص بدلاً من الثرثرة.
لذا، حافظ على نظافة لسانه ويديه، وكان متسامحاً، ومركزاً في عمله، ولديه ذوق رفيع يحميه من كل ما قد يؤثر سلباً على جوهر الثقافة.
تعود ذكرياتي معه إلى أيام وزارة الثقافة والإعلام في عام 1989، حيث كان مدير دائرة الثقافة العامة الأديب الراحل موفق خضر. كنت رئيس تحرير مجلة "فنون" وكان هو في "الأقلام". كنا نتشارك القلق ورغبة السفر لأسباب عدة، من ضمنها الضغط النفسي الذي كان يؤرقنا.
أذكر أن اسمينا كانا واردين في كتابٍ إداريٍّ واحد، رُفع إلى الجهات الرسمية العليا لاستحصال الموافقة؛ سافرت أنا إلى بودابست أولاً في عام 1989، ثم لحق بي بعد أشهر إلى بريطانيا. كان أخاً حقيقياً في المواقف الصعبة، دائماً ما كان مستعداً للمساعدة.
عندما رغبتُ العمل في جامعة صنعاء، وقف بجانبي بسخاء نادر، وعرفني بالشاعر الكبير عبد العزيز المقالح، وكان معنا الدكتور محسن الموسوي. لم أستطع تحمل أجواء اليمن فقررت الرحيل بعد شهر، لكن موقفه أبقى ذكراه عالقة في القلب. ثم تلاقينا في الإمارات: هو في العين، وأنا في الفجيرة. رغم تغير الأماكن، تبقى الأخوة التي نسجتها قصيدتنا وعملنا المشترك ثابتة، مثل شجرة لا تتأثر بتغير اتجاه الرياح.
عندما حصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب عن سيرته الشعرية "إلى أين أيتها القصيدة؟"، بدا وكأن القصيدة نفسها تُكرم صاحبها. لم تكن الجائزة مجرد تتويج لمسيرته، بل كانت اعترافاً بأن هذا الشاعر استمر لخمسة عقود في الكتابة بضمير اللغة وليس بضمير اللحظة.
في تجربته، تتداخل شخصية الشاعر مع الناقد مثل تداخل الماء والنار. هو يعتبر أسرار بنية القصيدة وإيقاعها ومعناها، ولكنه عندما يكتب، يخضع لروح البراءة الأولى. لهذا فإن قصيدته تبدو عميقة من دون ادعاء، حديثة دون قطيعة، ويتمحور اهتمامها حول الجمال وليس الاستعراض.
إنه شاعر يؤمن أن الحداثة ليست صراخاً ضد الماضي، بل هي حوار مستمر معه.
بالنسبة له، التراث ليس حجراً يُحمل، بل ينبوع يُرتشف. والأسطورة ليست قناعاً، بل مرآة تعكس الذات.
ولهذا كانت تجربته مجالاً خصباً للدراسات الأكاديمية، حيث تتعدد قراءاتها مثلما تتكاثر ظلال الشجرة في المساء.
علي جعفر العلاق لا يكتب من أجل إدهاش الآخرين، بل ليطهّر الروح. قصيدته ليست عرضاً للقوة، بل تعبير عن الصدق.
في عالم تتصارع فيه الكلمات من أجل الشهرة، ظل هو معتمداً على النبرة الهادئة، والإيقاع الداخلي، والمعاني التي تتسلل كضوء خافت من ثغرات القلب.
وعندما يسأل: "إلى أين أيتها القصيدة؟"، كان يدرك في أعماقه أن القصيدة تسير نحوه… وأنه، أينما انتقل، سيبقى مقيماً في وطنه الأعمق: اللغة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى