عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

تأملتُ الرفوف هذا الصباح، وهي تصطفّ كجنود في كتيبة الحبر، لكل كتاب منها حكاية، ولكل غلاف وجه يشتهي أن يُرى ؛ لكن شيئا غريبا استوقفني، شرخا صامتا يقع فيه الناشرون والمؤلفون غفلة وسهوا، عيب بسيط لكنه يسلب الكتاب هيبته وهو في عقر داره على الرفّ.
إنها تلك المسألة الدقيقة الغائبة: كعب الكتاب؛ أو عموده الفقري الذي يربط بين ضفتي الغلاف الأمامي والخلفي.
كم هو محزن أن يقف الكتاب شامخا بين أقرانه، يُراد له أن يُعرف من مشيته، فإذا بظهره عار من اسم صاحبه وعنوان روحه!
حين يغيب العنوان واسم المؤلف عن الكعب، يتحول الكتاب على الرف إلى شبح مجهول الهوية، يلوذ بالصمت مجبرا، ولا يبوح بسرّه إلا إذا مددت إليه يدك، وسحبتَه من عزلته لتنظر إلى وجهه الكامل ، هذا السهو التقني الفظيع لا يسيء لجمالية الكتاب فحسب، بل يفرض عليه عزلة بصرية، ويجعل مهمة البحث عنه بين آلاف المراجع في الخزانات ، أشبه بالبحث عن ملامح مألوفة في زحام مدينة ضبابية.
لذا، ومن وراء منصة هذه اليوميات، ومن قلب هذه الحِرفة التي تتنفس الكتب، أوجّه نداء وتنبيهَ محبّ إلى كل كاتب يعقد العزم على معانقة النور بطباعة مؤلفه: احرص كل الحرص، وفتّش في تفاصيل التصميم، ونبّه ناشرك؛ لا تترك كتابك يقف على الرفوف بلا اسم يميّزه، ولا تجعل ظهره الغضّ يخذل القراء المحبين ، اجعل من كعبه منارة صغيرة ترشد أعيننا إليه بمجرد نظرة عابرة، فالتفاصيل الصغيرة هي التي تصنع خلود الأثر، ولتعمّ الفائدة والنور.🤗🤗

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى