بعد ألف يوم، ما يزال السؤال يُطرح بالطريقة نفسها: ماذا حقق السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟
ويأتي الجواب غالبا من خلال ميزان الخسائر والأرباح العسكرية: كم قُتل؟ كم دُمّر؟ من سيطر على الأرض؟ ومن خسرها؟
غير أن هذا السؤال يفترض أن الحروب تُقاس فقط بالنتائج العسكرية المباشرة، بينما يعلمنا التاريخ أن الأحداث المؤسسة تُقاس بما تُحدثه من تحولات في البنى السياسية والفكرية والأخلاقية التي كانت تبدو راسخة.
فلم تُنهِ الثورة الفرنسية الملكية في يومها الأول، ولم ينهِ سقوط الباستيل النظام القديم فورا،
ولم يُسقط استقلال الجزائر الاستعمار الفرنسي في سنواته الأولى.
كما لم ينته نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا بين عشية وضحاها.
لكن هذه الأحداث أصبحت محطات تاريخية مؤسسة، لأنها غيّرت شرعية النظام القائم، قبل أن تغيّر موازين القوة.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الحقيقي: ما الذي غيّره السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟
وليس: من انتصر عسكريا؟
أولاً: أعاد فلسطين إلى التاريخ
قبل السابع من تشرين الأول /أكتوبر، كانت القضية الفلسطينية تُدار باعتبارها قضية إنسانية أو إغاثية أو ملفا مؤجلا. أما بعده فقد عادت لتصبح القضية المركزية في الشرق الأوسط والعالم.
لم يعد ممكنا بناء الإقليم دون فلسطين. ولم تعد اتفاقيات التطبيع قادرة على تجاوزها.
ثانياً: كشف الطبيعة الحقيقية لإسرائيل
السابع من تشرين الأول / أكتوبر لم يخلق إسرائيل الجديدة. بل كشف إسرائيل التي كانت موجودة أصلا. ولم يكشف اسرائيل فقط، بل كشف حدود القدرة التاريخية للقوة على إنتاج الشرعية.
كشف أن إسرائيل ليست مجرد دولة "قومية". بل مشروع استعماري استيطاني إحلالي ووظيفي.
وكشف أن الإبادة ليست استثناء. بل احتمالا كامنا في بنية المشروع الاستيطاني منذ نشأته.
ثالثاً: أسقط الرواية المؤسسة لإسرائيل
لقد قامت إسرائيل على خمس سرديات كبرى:
• الضحية،
• الملاذ الآمن لليهود،
• الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط،
• الجيش الذي لا يُقهر،
• السلام مقابل الإرهاب،
بعد ألف يوم أصبحت هذه السرديات جميعها محل مساءلة. ليس في العالم العربي فقط، ولا بين يهود العالم فحسب، بل داخل حماة إسرائيل في الغرب نفسه، وعلى امتداد العالم.
رابعا: كشف حدود المشروع الصهيوني نفسه
المفارقة أن إسرائيل ربحت معظم معاركها العسكرية.
لكنها خسرت شيئا أكثر أهمية:
• صورتها،
• ورمزيتها،
• وشرعيتها،
• والأساطير التي تأسست عليها،
• وسرديتها في التماهي بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل.
• والأهم وهم إمكانية استمرار مشروع استيطاني مغلق عقديا على اليهود ومفتوح زمنيا.
لقد أصبحت بحاجة إلى الدفاع عن وجودها الأخلاقي، أكثر من دفاعها عن حدودها العسكرية.
خامسا: كشف أزمة النظام الدولي
والأبعد من ذلك أن الإبادة، لم تفضح إسرائيل وحدها، بل:
• كشفت النظام الدولي،
• كشفت حدود القانون الدولي وحياديته،
• وحدود المؤسسات الدولية وفاعليتها التنفيذية،
• وحدود الخطاب الدولي عن العدالة وحقوق الإنسان.
لقد أصبح السؤال: هل القانون الدولي قانون فعلا؟ أم أنه يطبق انتقائيا؟
سادسا: كشف أزمة الحداثة الغربية نفسها.
فالإبادة لم تكشف إسرائيل فقط، بل كشفت أيضا أزمة المنظومة الفكرية التي أسست لادعاءات الحداثة الغربية باعتبارها حاملة لقيم الإنسانية والقانون الدولي وحقوق الإنسان والعدالة، تعاملت مع هذه القيم بوصفها مبادئ كونية في خطابها، لكنها طبقتها بصورة انتقائية في ممارستها، بما كشف حدود ادعائها الكوني.
أي أن السؤال لم يعد: ماذا فعلت إسرائيل؟ بل أصبح: ماذا كشفت إسرائيل عن نظام الحداثة الغربي؟
سابعا: أعاد الفلسطيني من موضوع إلى فاعل.
لسنوات طويلة جرى التعامل مع الفلسطيني باعتباره: لاجئًا، أو ضحية، أو مساعدات إنسانية. أما بعد السابع من تشرين الأول فقد عاد بوصفه فاعلا سياسيا يصنع الأحداث.
قد يختلف العالم معه، لكنه لم يعد يستطيع تجاهله.
ثامنا: غيّر مفهوم القوة
كان الاعتقاد السائد أن القوة العسكرية تستطيع إنتاج السياسة. لكن ألف يوم أثبتت أن القوة تستطيع تدمير المدن، وقتل البشر، وتجويعهم، وتهجيرهم، لكنها لا تستطيع قتل القضية.
تاسعا : أثبت أن الزمن وحده لا يصنع الشرعية
لقد افترض المشروع الصهيوني أن الزمن سيحوّل القوة إلى حق، والوقائع إلى تاريخ، وأن النسيان سيؤدي وظيفة الشرعية.
غير أن ألف يوم أثبتت أن الذاكرة الجمعية للشعوب قد تكون أقوى من الزمن، وأن التاريخ لا يُكتب فقط بما يفرضه المنتصر، بل أيضا بما يرفض المهزوم أن ينساه.
وأعادت ألف يوم من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع والتهجير التذكير بحقيقة تاريخية راسخة: ليست كل الوقائع التي تفرضها القوة تتحول إلى شرعية، ولا كل استعمار ينجح في إنتاج وطن.
وأن نماذج الاستعمار الاستيطاني الاحلالي التي نجحت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا قبل قرون غير قابلة للتكرار في فلسطين، التي تقع في مركز العالم، وتشكل مهبط الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلامية) التي يدين بها أكثر من نصف البشرية، وتتموضع في نقطة الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري للأمة العربية الإسلامية.
لذلك، فما دام أصحاب الأرض يتمسكون ببلوغ حقوقهم الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف، تبقى الشرعية موضع نزاع مهما طال الزمن، ولا يتحول الاحتلال الاستيطاني إلى وطن لمجرد مرور الوقت.
لقد استقر في الوعي، حتى لدى بعض الفلسطينيين، أن الزمن يعمل لصالح إسرائيل. غير أن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر أعاد فتح سؤال ظن كثيرون أنه حسم:
هل تستطيع المشاريع الاستعمارية الاستيطانية العنصرية الإحلالية أن تنتج استقرارا دائما؟ وهو سؤال أصبح مطروحا داخل الغرب نفسه، بل ولدى أعداد متزايدة من يهود العالم بمن فيهم بعض يهود إسرائيل، لا سيما الأجيال الشابة المتعلمة التي بدأت تشهد هجرة عكسية بوتائر غير مسبوقة.
بعد ألف يوم، لا يمكن اختزال السابع من تشرين الأول/أكتوبر في حسابات الربح والخسارة العسكرية، ولا في خرائط السيطرة، أو أعداد الضحايا، على فداحة هذه كلها. فالأحداث المؤسسة في التاريخ لا تُقاس بما تخلّفه في الجغرافيا وحدها، بل بما تخلّفه في التاريخ والوعي.
لقد أعاد السابع من تشرين الأول فلسطين إلى مركز التاريخ، وأسقط يقينيات بدت لعقود غير قابلة للمساءلة. كشف الطبيعة الاستعمارية للمشروع الصهيوني؛ وعرّى حدود القوة العسكرية؛ وكشف عنصرية نظام الحداثة المادي الغربي؛ وفضح التناقض بين القيم التي يدّعيها النظام الدولي وممارساته الفعلية؛ وأعاد الفلسطيني إلى موقع الفاعل التاريخي.
عاشرًا: غيّر لغة العالم ومعجم الصراع
لا تُغيّر الأحداث الكبرى موازين القوى فحسب، بل تُغيّر أيضا اللغة التي يفهم بها الناس العالم. فالكلمات ليست أوصافا محايدة، بل هي أدوات لإنتاج المعنى، وبناء الشرعية، وتحديد موقع الضحية والجلاد في الوعي الجمعي.
لقد نجح المشروع الصهيوني، لعقود طويلة، في فرض معجمه الخاص على العالم. فكانت فلسطين تُقدَّم بوصفها “نزاعا”، والاستعمار الاستيطاني يُختزل في “صراع بين طرفين”، والاحتلال، والتوسع، والأحزمة الأمنيه (الصفراء) يُعاد تعريفها بوصفها “حقا في الدفاع عن النفس”.
فيما كان الفلسطيني، يُختزل غالبا في صورة “اللاجئ” أو “الإرهابي”، لا في صورة شعب يخوض نضالا من أجل التحرر من استعمار استيطاني إحلالي.
لكن السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وما أعقبه من حرب إبادة للإنسان والعمران في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية، أحدث تحولا عميقا في هذا المعجم.
فقد عادت إلى التداول العالمي، في الأوساط الأكاديمية والقانونية والسياسية والإعلامية، مفاهيم كانت لعقود على هامش الخطاب السائد: الإبادة الجماعية، والاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري، والتطهير العرقي، والإفلات من العقاب، والمساءلة الدولية. ولم يعد النقاش يدور فقط حول “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بل أصبح يشمل أيضا حق الفلسطينيين في الوجود والحرية وتقرير المصير، وحدود القوة، ومشروعية استخدامها.
وهذا التحول اللغوي ليس تفصيلا هامشيا، بل هو أحد ميادين الصراع نفسها. فالمعركة على المفاهيم تسبق، في كثير من الأحيان التحولات السياسية، لأن اللغة هي التي تحدد كيف يُفهم الواقع، ولصالح من تُمنح الشرعية.
وربما الإنجاز الأعمق للسابع من تشرين الأول أنه لم يكتف بإعادة فلسطين إلى مركز السياسة الدولية، بل أعادها أيضا إلى مركز المعجم الأخلاقي والسياسي للعالم. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد الكلمات القديمة كافية لوصف ما يجري، كما لم تعد السردية التي هيمنت لعقود قادرة على احتكار تفسير الصراع أو احتواء معانيه.
لقد اعتادت الدراسات الاستراتيجية قياس نتائج الحروب بمؤشرات الأرض والسكان والقدرات العسكرية، غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى تُحدث تحولاتها الأعمق في مجال الشرعية والوعي، قبل أن تظهر في الجغرافيا والسياسة. ولذلك قد تكون النتائج التي تبدو اليوم رمزية، هي نفسها التي ستعيد، بعد سنوات، تشكيل الوقائع المادية.
وإذا كان القرن العشرون هو زمن التفوق العسكري الإسرائيلي، فإن ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 قد يكون بداية قرن مساءلة الشرعية التي قام عليها هذا التفوق.
ذلك أن الشرعية، بخلاف القوة، لا تُفرض بالدبابات، ولا تُنتجها الطائرات، ولا تُستورد من التحالفات. إنها تُبنى على العدالة، وتنهار عندما تنكشف الهوة بين الخطاب والممارسة.
ومع ذلك، فإن هذا الانتقال من القوة إلى الشرعية لا يسير في طريق معبدة، بل يُعمد بصدام مأساوي مع واقع دامي على الأرض، يتسم بكلفة إنسانية هائلة، وتدمير جيو - سياسي غير مسبوق. إنها المفارقة التاريخية الكبرى: أن تدفع الجغرافيا أثمانا باهظة بالدم والدمار لكي يستعيد الوعي شرعيته المسلوبة.
هذا التدافع الحتمي ليس قفزا فوق الواقع المؤلم، بل هو جوهر التحولات التاريخية الكبرى، حيث لا تتغير موازين القوى الكلية من دون أثمان تزلزل الواقع المادي، وحيث يصبح الصمود في وجه فائض القوة هو الجسر الوحيد لعبور القضية من النسيان إلى الخلود.
لقد أثبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر أن الشرعية هي آخر ما تخسره الشعوب، وأول ما تخسره الإمبراطوريات حين يصبح بقاؤها قائما على القوة وحدها.
فالقوة تستطيع أن تفرض الوقائع زمنا، لكنها لا تستطيع أن تحسم التاريخ إذا بقيت الشرعية موضع نزاع.
غانية ملحيس
2/7/2026
ويأتي الجواب غالبا من خلال ميزان الخسائر والأرباح العسكرية: كم قُتل؟ كم دُمّر؟ من سيطر على الأرض؟ ومن خسرها؟
غير أن هذا السؤال يفترض أن الحروب تُقاس فقط بالنتائج العسكرية المباشرة، بينما يعلمنا التاريخ أن الأحداث المؤسسة تُقاس بما تُحدثه من تحولات في البنى السياسية والفكرية والأخلاقية التي كانت تبدو راسخة.
فلم تُنهِ الثورة الفرنسية الملكية في يومها الأول، ولم ينهِ سقوط الباستيل النظام القديم فورا،
ولم يُسقط استقلال الجزائر الاستعمار الفرنسي في سنواته الأولى.
كما لم ينته نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا بين عشية وضحاها.
لكن هذه الأحداث أصبحت محطات تاريخية مؤسسة، لأنها غيّرت شرعية النظام القائم، قبل أن تغيّر موازين القوة.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الحقيقي: ما الذي غيّره السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟
وليس: من انتصر عسكريا؟
أولاً: أعاد فلسطين إلى التاريخ
قبل السابع من تشرين الأول /أكتوبر، كانت القضية الفلسطينية تُدار باعتبارها قضية إنسانية أو إغاثية أو ملفا مؤجلا. أما بعده فقد عادت لتصبح القضية المركزية في الشرق الأوسط والعالم.
لم يعد ممكنا بناء الإقليم دون فلسطين. ولم تعد اتفاقيات التطبيع قادرة على تجاوزها.
ثانياً: كشف الطبيعة الحقيقية لإسرائيل
السابع من تشرين الأول / أكتوبر لم يخلق إسرائيل الجديدة. بل كشف إسرائيل التي كانت موجودة أصلا. ولم يكشف اسرائيل فقط، بل كشف حدود القدرة التاريخية للقوة على إنتاج الشرعية.
كشف أن إسرائيل ليست مجرد دولة "قومية". بل مشروع استعماري استيطاني إحلالي ووظيفي.
وكشف أن الإبادة ليست استثناء. بل احتمالا كامنا في بنية المشروع الاستيطاني منذ نشأته.
ثالثاً: أسقط الرواية المؤسسة لإسرائيل
لقد قامت إسرائيل على خمس سرديات كبرى:
• الضحية،
• الملاذ الآمن لليهود،
• الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط،
• الجيش الذي لا يُقهر،
• السلام مقابل الإرهاب،
بعد ألف يوم أصبحت هذه السرديات جميعها محل مساءلة. ليس في العالم العربي فقط، ولا بين يهود العالم فحسب، بل داخل حماة إسرائيل في الغرب نفسه، وعلى امتداد العالم.
رابعا: كشف حدود المشروع الصهيوني نفسه
المفارقة أن إسرائيل ربحت معظم معاركها العسكرية.
لكنها خسرت شيئا أكثر أهمية:
• صورتها،
• ورمزيتها،
• وشرعيتها،
• والأساطير التي تأسست عليها،
• وسرديتها في التماهي بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل.
• والأهم وهم إمكانية استمرار مشروع استيطاني مغلق عقديا على اليهود ومفتوح زمنيا.
لقد أصبحت بحاجة إلى الدفاع عن وجودها الأخلاقي، أكثر من دفاعها عن حدودها العسكرية.
خامسا: كشف أزمة النظام الدولي
والأبعد من ذلك أن الإبادة، لم تفضح إسرائيل وحدها، بل:
• كشفت النظام الدولي،
• كشفت حدود القانون الدولي وحياديته،
• وحدود المؤسسات الدولية وفاعليتها التنفيذية،
• وحدود الخطاب الدولي عن العدالة وحقوق الإنسان.
لقد أصبح السؤال: هل القانون الدولي قانون فعلا؟ أم أنه يطبق انتقائيا؟
سادسا: كشف أزمة الحداثة الغربية نفسها.
فالإبادة لم تكشف إسرائيل فقط، بل كشفت أيضا أزمة المنظومة الفكرية التي أسست لادعاءات الحداثة الغربية باعتبارها حاملة لقيم الإنسانية والقانون الدولي وحقوق الإنسان والعدالة، تعاملت مع هذه القيم بوصفها مبادئ كونية في خطابها، لكنها طبقتها بصورة انتقائية في ممارستها، بما كشف حدود ادعائها الكوني.
أي أن السؤال لم يعد: ماذا فعلت إسرائيل؟ بل أصبح: ماذا كشفت إسرائيل عن نظام الحداثة الغربي؟
سابعا: أعاد الفلسطيني من موضوع إلى فاعل.
لسنوات طويلة جرى التعامل مع الفلسطيني باعتباره: لاجئًا، أو ضحية، أو مساعدات إنسانية. أما بعد السابع من تشرين الأول فقد عاد بوصفه فاعلا سياسيا يصنع الأحداث.
قد يختلف العالم معه، لكنه لم يعد يستطيع تجاهله.
ثامنا: غيّر مفهوم القوة
كان الاعتقاد السائد أن القوة العسكرية تستطيع إنتاج السياسة. لكن ألف يوم أثبتت أن القوة تستطيع تدمير المدن، وقتل البشر، وتجويعهم، وتهجيرهم، لكنها لا تستطيع قتل القضية.
تاسعا : أثبت أن الزمن وحده لا يصنع الشرعية
لقد افترض المشروع الصهيوني أن الزمن سيحوّل القوة إلى حق، والوقائع إلى تاريخ، وأن النسيان سيؤدي وظيفة الشرعية.
غير أن ألف يوم أثبتت أن الذاكرة الجمعية للشعوب قد تكون أقوى من الزمن، وأن التاريخ لا يُكتب فقط بما يفرضه المنتصر، بل أيضا بما يرفض المهزوم أن ينساه.
وأعادت ألف يوم من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع والتهجير التذكير بحقيقة تاريخية راسخة: ليست كل الوقائع التي تفرضها القوة تتحول إلى شرعية، ولا كل استعمار ينجح في إنتاج وطن.
وأن نماذج الاستعمار الاستيطاني الاحلالي التي نجحت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا قبل قرون غير قابلة للتكرار في فلسطين، التي تقع في مركز العالم، وتشكل مهبط الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلامية) التي يدين بها أكثر من نصف البشرية، وتتموضع في نقطة الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري للأمة العربية الإسلامية.
لذلك، فما دام أصحاب الأرض يتمسكون ببلوغ حقوقهم الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف، تبقى الشرعية موضع نزاع مهما طال الزمن، ولا يتحول الاحتلال الاستيطاني إلى وطن لمجرد مرور الوقت.
لقد استقر في الوعي، حتى لدى بعض الفلسطينيين، أن الزمن يعمل لصالح إسرائيل. غير أن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر أعاد فتح سؤال ظن كثيرون أنه حسم:
هل تستطيع المشاريع الاستعمارية الاستيطانية العنصرية الإحلالية أن تنتج استقرارا دائما؟ وهو سؤال أصبح مطروحا داخل الغرب نفسه، بل ولدى أعداد متزايدة من يهود العالم بمن فيهم بعض يهود إسرائيل، لا سيما الأجيال الشابة المتعلمة التي بدأت تشهد هجرة عكسية بوتائر غير مسبوقة.
بعد ألف يوم، لا يمكن اختزال السابع من تشرين الأول/أكتوبر في حسابات الربح والخسارة العسكرية، ولا في خرائط السيطرة، أو أعداد الضحايا، على فداحة هذه كلها. فالأحداث المؤسسة في التاريخ لا تُقاس بما تخلّفه في الجغرافيا وحدها، بل بما تخلّفه في التاريخ والوعي.
لقد أعاد السابع من تشرين الأول فلسطين إلى مركز التاريخ، وأسقط يقينيات بدت لعقود غير قابلة للمساءلة. كشف الطبيعة الاستعمارية للمشروع الصهيوني؛ وعرّى حدود القوة العسكرية؛ وكشف عنصرية نظام الحداثة المادي الغربي؛ وفضح التناقض بين القيم التي يدّعيها النظام الدولي وممارساته الفعلية؛ وأعاد الفلسطيني إلى موقع الفاعل التاريخي.
عاشرًا: غيّر لغة العالم ومعجم الصراع
لا تُغيّر الأحداث الكبرى موازين القوى فحسب، بل تُغيّر أيضا اللغة التي يفهم بها الناس العالم. فالكلمات ليست أوصافا محايدة، بل هي أدوات لإنتاج المعنى، وبناء الشرعية، وتحديد موقع الضحية والجلاد في الوعي الجمعي.
لقد نجح المشروع الصهيوني، لعقود طويلة، في فرض معجمه الخاص على العالم. فكانت فلسطين تُقدَّم بوصفها “نزاعا”، والاستعمار الاستيطاني يُختزل في “صراع بين طرفين”، والاحتلال، والتوسع، والأحزمة الأمنيه (الصفراء) يُعاد تعريفها بوصفها “حقا في الدفاع عن النفس”.
فيما كان الفلسطيني، يُختزل غالبا في صورة “اللاجئ” أو “الإرهابي”، لا في صورة شعب يخوض نضالا من أجل التحرر من استعمار استيطاني إحلالي.
لكن السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وما أعقبه من حرب إبادة للإنسان والعمران في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية، أحدث تحولا عميقا في هذا المعجم.
فقد عادت إلى التداول العالمي، في الأوساط الأكاديمية والقانونية والسياسية والإعلامية، مفاهيم كانت لعقود على هامش الخطاب السائد: الإبادة الجماعية، والاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري، والتطهير العرقي، والإفلات من العقاب، والمساءلة الدولية. ولم يعد النقاش يدور فقط حول “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بل أصبح يشمل أيضا حق الفلسطينيين في الوجود والحرية وتقرير المصير، وحدود القوة، ومشروعية استخدامها.
وهذا التحول اللغوي ليس تفصيلا هامشيا، بل هو أحد ميادين الصراع نفسها. فالمعركة على المفاهيم تسبق، في كثير من الأحيان التحولات السياسية، لأن اللغة هي التي تحدد كيف يُفهم الواقع، ولصالح من تُمنح الشرعية.
وربما الإنجاز الأعمق للسابع من تشرين الأول أنه لم يكتف بإعادة فلسطين إلى مركز السياسة الدولية، بل أعادها أيضا إلى مركز المعجم الأخلاقي والسياسي للعالم. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد الكلمات القديمة كافية لوصف ما يجري، كما لم تعد السردية التي هيمنت لعقود قادرة على احتكار تفسير الصراع أو احتواء معانيه.
لقد اعتادت الدراسات الاستراتيجية قياس نتائج الحروب بمؤشرات الأرض والسكان والقدرات العسكرية، غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى تُحدث تحولاتها الأعمق في مجال الشرعية والوعي، قبل أن تظهر في الجغرافيا والسياسة. ولذلك قد تكون النتائج التي تبدو اليوم رمزية، هي نفسها التي ستعيد، بعد سنوات، تشكيل الوقائع المادية.
وإذا كان القرن العشرون هو زمن التفوق العسكري الإسرائيلي، فإن ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 قد يكون بداية قرن مساءلة الشرعية التي قام عليها هذا التفوق.
ذلك أن الشرعية، بخلاف القوة، لا تُفرض بالدبابات، ولا تُنتجها الطائرات، ولا تُستورد من التحالفات. إنها تُبنى على العدالة، وتنهار عندما تنكشف الهوة بين الخطاب والممارسة.
ومع ذلك، فإن هذا الانتقال من القوة إلى الشرعية لا يسير في طريق معبدة، بل يُعمد بصدام مأساوي مع واقع دامي على الأرض، يتسم بكلفة إنسانية هائلة، وتدمير جيو - سياسي غير مسبوق. إنها المفارقة التاريخية الكبرى: أن تدفع الجغرافيا أثمانا باهظة بالدم والدمار لكي يستعيد الوعي شرعيته المسلوبة.
هذا التدافع الحتمي ليس قفزا فوق الواقع المؤلم، بل هو جوهر التحولات التاريخية الكبرى، حيث لا تتغير موازين القوى الكلية من دون أثمان تزلزل الواقع المادي، وحيث يصبح الصمود في وجه فائض القوة هو الجسر الوحيد لعبور القضية من النسيان إلى الخلود.
لقد أثبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر أن الشرعية هي آخر ما تخسره الشعوب، وأول ما تخسره الإمبراطوريات حين يصبح بقاؤها قائما على القوة وحدها.
فالقوة تستطيع أن تفرض الوقائع زمنا، لكنها لا تستطيع أن تحسم التاريخ إذا بقيت الشرعية موضع نزاع.
غانية ملحيس
2/7/2026