غانية ملحيس - من ميزان القوة إلى ميزان الشرعية: لماذا سيظل السابع من تشرين الأول حدثا مؤسسا بعد ألف يوم؟

بعد ألف يوم، ما يزال السؤال يُطرح بالطريقة نفسها: ماذا حقق السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟
ويأتي الجواب غالبا من خلال ميزان الخسائر والأرباح العسكرية: كم قُتل؟ كم دُمّر؟ من سيطر على الأرض؟ ومن خسرها؟

غير أن هذا السؤال يفترض أن الحروب تُقاس فقط بالنتائج العسكرية المباشرة، بينما يعلمنا التاريخ أن الأحداث المؤسسة تُقاس بما تُحدثه من تحولات في البنى السياسية والفكرية والأخلاقية التي كانت تبدو راسخة.
فلم تُنهِ الثورة الفرنسية الملكية في يومها الأول، ولم ينهِ سقوط الباستيل النظام القديم فورا،
ولم يُسقط استقلال الجزائر الاستعمار الفرنسي في سنواته الأولى.
كما لم ينته نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا بين عشية وضحاها.
لكن هذه الأحداث أصبحت محطات تاريخية مؤسسة، لأنها غيّرت شرعية النظام القائم، قبل أن تغيّر موازين القوة.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الحقيقي: ما الذي غيّره السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟
وليس: من انتصر عسكريا؟

أولاً: أعاد فلسطين إلى التاريخ
قبل السابع من تشرين الأول /أكتوبر، كانت القضية الفلسطينية تُدار باعتبارها قضية إنسانية أو إغاثية أو ملفا مؤجلا. أما بعده فقد عادت لتصبح القضية المركزية في الشرق الأوسط والعالم.
لم يعد ممكنا بناء الإقليم دون فلسطين. ولم تعد اتفاقيات التطبيع قادرة على تجاوزها.

ثانياً: كشف الطبيعة الحقيقية لإسرائيل
السابع من تشرين الأول / أكتوبر لم يخلق إسرائيل الجديدة. بل كشف إسرائيل التي كانت موجودة أصلا. ولم يكشف اسرائيل فقط، بل كشف حدود القدرة التاريخية للقوة على إنتاج الشرعية.
كشف أن إسرائيل ليست مجرد دولة "قومية". بل مشروع استعماري استيطاني إحلالي ووظيفي.
وكشف أن الإبادة ليست استثناء. بل احتمالا كامنا في بنية المشروع الاستيطاني منذ نشأته.

ثالثاً: أسقط الرواية المؤسسة لإسرائيل
لقد قامت إسرائيل على خمس سرديات كبرى:
• الضحية،
• الملاذ الآمن لليهود،
• الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط،
• الجيش الذي لا يُقهر،
• السلام مقابل الإرهاب،
بعد ألف يوم أصبحت هذه السرديات جميعها محل مساءلة. ليس في العالم العربي فقط، ولا بين يهود العالم فحسب، بل داخل حماة إسرائيل في الغرب نفسه، وعلى امتداد العالم.

رابعا: كشف حدود المشروع الصهيوني نفسه
المفارقة أن إسرائيل ربحت معظم معاركها العسكرية.
لكنها خسرت شيئا أكثر أهمية:
• صورتها،
• ورمزيتها،
• وشرعيتها،
• والأساطير التي تأسست عليها،
• وسرديتها في التماهي بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل.
• والأهم وهم إمكانية استمرار مشروع استيطاني مغلق عقديا على اليهود ومفتوح زمنيا.
لقد أصبحت بحاجة إلى الدفاع عن وجودها الأخلاقي، أكثر من دفاعها عن حدودها العسكرية.

خامسا: كشف أزمة النظام الدولي
والأبعد من ذلك أن الإبادة، لم تفضح إسرائيل وحدها، بل:
• كشفت النظام الدولي،
• كشفت حدود القانون الدولي وحياديته،
• وحدود المؤسسات الدولية وفاعليتها التنفيذية،
• وحدود الخطاب الدولي عن العدالة وحقوق الإنسان.
لقد أصبح السؤال: هل القانون الدولي قانون فعلا؟ أم أنه يطبق انتقائيا؟

سادسا: كشف أزمة الحداثة الغربية نفسها.
فالإبادة لم تكشف إسرائيل فقط، بل كشفت أيضا أزمة المنظومة الفكرية التي أسست لادعاءات الحداثة الغربية باعتبارها حاملة لقيم الإنسانية والقانون الدولي وحقوق الإنسان والعدالة، تعاملت مع هذه القيم بوصفها مبادئ كونية في خطابها، لكنها طبقتها بصورة انتقائية في ممارستها، بما كشف حدود ادعائها الكوني.
أي أن السؤال لم يعد: ماذا فعلت إسرائيل؟ بل أصبح: ماذا كشفت إسرائيل عن نظام الحداثة الغربي؟

سابعا: أعاد الفلسطيني من موضوع إلى فاعل.
لسنوات طويلة جرى التعامل مع الفلسطيني باعتباره: لاجئًا، أو ضحية، أو مساعدات إنسانية. أما بعد السابع من تشرين الأول فقد عاد بوصفه فاعلا سياسيا يصنع الأحداث.
قد يختلف العالم معه، لكنه لم يعد يستطيع تجاهله.

ثامنا: غيّر مفهوم القوة
كان الاعتقاد السائد أن القوة العسكرية تستطيع إنتاج السياسة. لكن ألف يوم أثبتت أن القوة تستطيع تدمير المدن، وقتل البشر، وتجويعهم، وتهجيرهم، لكنها لا تستطيع قتل القضية.

تاسعا : أثبت أن الزمن وحده لا يصنع الشرعية
لقد افترض المشروع الصهيوني أن الزمن سيحوّل القوة إلى حق، والوقائع إلى تاريخ، وأن النسيان سيؤدي وظيفة الشرعية.
غير أن ألف يوم أثبتت أن الذاكرة الجمعية للشعوب قد تكون أقوى من الزمن، وأن التاريخ لا يُكتب فقط بما يفرضه المنتصر، بل أيضا بما يرفض المهزوم أن ينساه.
وأعادت ألف يوم من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع والتهجير التذكير بحقيقة تاريخية راسخة: ليست كل الوقائع التي تفرضها القوة تتحول إلى شرعية، ولا كل استعمار ينجح في إنتاج وطن.
وأن نماذج الاستعمار الاستيطاني الاحلالي التي نجحت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا قبل قرون غير قابلة للتكرار في فلسطين، التي تقع في مركز العالم، وتشكل مهبط الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلامية) التي يدين بها أكثر من نصف البشرية، وتتموضع في نقطة الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري للأمة العربية الإسلامية.
لذلك، فما دام أصحاب الأرض يتمسكون ببلوغ حقوقهم الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف، تبقى الشرعية موضع نزاع مهما طال الزمن، ولا يتحول الاحتلال الاستيطاني إلى وطن لمجرد مرور الوقت.
لقد استقر في الوعي، حتى لدى بعض الفلسطينيين، أن الزمن يعمل لصالح إسرائيل. غير أن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر أعاد فتح سؤال ظن كثيرون أنه حسم:
هل تستطيع المشاريع الاستعمارية الاستيطانية العنصرية الإحلالية أن تنتج استقرارا دائما؟ وهو سؤال أصبح مطروحا داخل الغرب نفسه، بل ولدى أعداد متزايدة من يهود العالم بمن فيهم بعض يهود إسرائيل، لا سيما الأجيال الشابة المتعلمة التي بدأت تشهد هجرة عكسية بوتائر غير مسبوقة.

بعد ألف يوم، لا يمكن اختزال السابع من تشرين الأول/أكتوبر في حسابات الربح والخسارة العسكرية، ولا في خرائط السيطرة، أو أعداد الضحايا، على فداحة هذه كلها. فالأحداث المؤسسة في التاريخ لا تُقاس بما تخلّفه في الجغرافيا وحدها، بل بما تخلّفه في التاريخ والوعي.
لقد أعاد السابع من تشرين الأول فلسطين إلى مركز التاريخ، وأسقط يقينيات بدت لعقود غير قابلة للمساءلة. كشف الطبيعة الاستعمارية للمشروع الصهيوني؛ وعرّى حدود القوة العسكرية؛ وكشف عنصرية نظام الحداثة المادي الغربي؛ وفضح التناقض بين القيم التي يدّعيها النظام الدولي وممارساته الفعلية؛ وأعاد الفلسطيني إلى موقع الفاعل التاريخي.

عاشرًا: غيّر لغة العالم ومعجم الصراع
لا تُغيّر الأحداث الكبرى موازين القوى فحسب، بل تُغيّر أيضا اللغة التي يفهم بها الناس العالم. فالكلمات ليست أوصافا محايدة، بل هي أدوات لإنتاج المعنى، وبناء الشرعية، وتحديد موقع الضحية والجلاد في الوعي الجمعي.
لقد نجح المشروع الصهيوني، لعقود طويلة، في فرض معجمه الخاص على العالم. فكانت فلسطين تُقدَّم بوصفها “نزاعا”، والاستعمار الاستيطاني يُختزل في “صراع بين طرفين”، والاحتلال، والتوسع، والأحزمة الأمنيه (الصفراء) يُعاد تعريفها بوصفها “حقا في الدفاع عن النفس”.
فيما كان الفلسطيني، يُختزل غالبا في صورة “اللاجئ” أو “الإرهابي”، لا في صورة شعب يخوض نضالا من أجل التحرر من استعمار استيطاني إحلالي.
لكن السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وما أعقبه من حرب إبادة للإنسان والعمران في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية، أحدث تحولا عميقا في هذا المعجم.
فقد عادت إلى التداول العالمي، في الأوساط الأكاديمية والقانونية والسياسية والإعلامية، مفاهيم كانت لعقود على هامش الخطاب السائد: الإبادة الجماعية، والاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري، والتطهير العرقي، والإفلات من العقاب، والمساءلة الدولية. ولم يعد النقاش يدور فقط حول “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بل أصبح يشمل أيضا حق الفلسطينيين في الوجود والحرية وتقرير المصير، وحدود القوة، ومشروعية استخدامها.
وهذا التحول اللغوي ليس تفصيلا هامشيا، بل هو أحد ميادين الصراع نفسها. فالمعركة على المفاهيم تسبق، في كثير من الأحيان التحولات السياسية، لأن اللغة هي التي تحدد كيف يُفهم الواقع، ولصالح من تُمنح الشرعية.
وربما الإنجاز الأعمق للسابع من تشرين الأول أنه لم يكتف بإعادة فلسطين إلى مركز السياسة الدولية، بل أعادها أيضا إلى مركز المعجم الأخلاقي والسياسي للعالم. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد الكلمات القديمة كافية لوصف ما يجري، كما لم تعد السردية التي هيمنت لعقود قادرة على احتكار تفسير الصراع أو احتواء معانيه.

لقد اعتادت الدراسات الاستراتيجية قياس نتائج الحروب بمؤشرات الأرض والسكان والقدرات العسكرية، غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى تُحدث تحولاتها الأعمق في مجال الشرعية والوعي، قبل أن تظهر في الجغرافيا والسياسة. ولذلك قد تكون النتائج التي تبدو اليوم رمزية، هي نفسها التي ستعيد، بعد سنوات، تشكيل الوقائع المادية.
وإذا كان القرن العشرون هو زمن التفوق العسكري الإسرائيلي، فإن ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 قد يكون بداية قرن مساءلة الشرعية التي قام عليها هذا التفوق.
ذلك أن الشرعية، بخلاف القوة، لا تُفرض بالدبابات، ولا تُنتجها الطائرات، ولا تُستورد من التحالفات. إنها تُبنى على العدالة، وتنهار عندما تنكشف الهوة بين الخطاب والممارسة.

ومع ذلك، فإن هذا الانتقال من القوة إلى الشرعية لا يسير في طريق معبدة، بل يُعمد بصدام مأساوي مع واقع دامي على الأرض، يتسم بكلفة إنسانية هائلة، وتدمير جيو - سياسي غير مسبوق. إنها المفارقة التاريخية الكبرى: أن تدفع الجغرافيا أثمانا باهظة بالدم والدمار لكي يستعيد الوعي شرعيته المسلوبة.
هذا التدافع الحتمي ليس قفزا فوق الواقع المؤلم، بل هو جوهر التحولات التاريخية الكبرى، حيث لا تتغير موازين القوى الكلية من دون أثمان تزلزل الواقع المادي، وحيث يصبح الصمود في وجه فائض القوة هو الجسر الوحيد لعبور القضية من النسيان إلى الخلود.
لقد أثبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر أن الشرعية هي آخر ما تخسره الشعوب، وأول ما تخسره الإمبراطوريات حين يصبح بقاؤها قائما على القوة وحدها.
فالقوة تستطيع أن تفرض الوقائع زمنا، لكنها لا تستطيع أن تحسم التاريخ إذا بقيت الشرعية موضع نزاع.





غانية ملحيس
2/7/2026

تعليقات

غسان جابر

من يربح التاريخ؟
قراءة في أطروحة الأستاذة غانية ملحيس حول السابع من تشرين الأول
ليست كل المقالات السياسية تستحق التوقف عندها، لكن بعضها ينجح في نقل القارئ من متابعة الحدث إلى التفكير في معناه. وهذا ما لمسته في مقال الأستاذة غانية ملحيس: "من ميزان القوة إلى ميزان الشرعية: لماذا سيظل السابع من تشرين الأول حدثًا مؤسسًا بعد ألف يوم؟".
تكمن أهمية المقال في أنه يجرؤ على مغادرة السؤال الذي سيطر على النقاش منذ السابع من تشرين الأول: من انتصر عسكريًا؟، ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا حدث لشرعية الروايات التي تحكم هذا الصراع؟ وهذا، في تقديري، هو جوهر أي قراءة تاريخية تتجاوز ضجيج اللحظة.
لقد بنت الكاتبة أطروحتها على فكرة أن الأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بما تغيّره في الجغرافيا، بل بما تُحدثه في الوعي، وفي صورة الأطراف، وفي شرعية المشاريع السياسية. وهي فكرة تجد لها شواهد عديدة في التاريخ؛ إذ لم تسقط أنظمة استعمارية لأنها هُزمت عسكريًا فقط، بل لأنها فقدت قدرتها على إقناع العالم بعدالة بقائها.
غير أن هذه الأطروحة، على قوتها، تدفعنا إلى سؤال آخر: هل يكفي تآكل الشرعية لإعادة كتابة التاريخ؟
أعتقد أن الإجابة أكثر تعقيدًا.
فالشرعية ليست نهاية الصراع، بل بدايته. إنها تمنح الشعوب قوة أخلاقية وقانونية، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى إنجاز سياسي. فالعلاقات الدولية لا تُدار بالقيم وحدها، بل تتداخل فيها المصالح، وموازين القوة، والقدرة على بناء التحالفات، وحسن إدارة اللحظات التاريخية.
لقد شهد العالم عبر تاريخه قضايا عادلة بقيت عقودًا طويلة تبحث عن طريقها إلى الحرية، لا لأن عدالتها كانت محل شك، بل لأن تحويل الشرعية إلى واقع يحتاج إلى مشروع سياسي، ومؤسسات قوية، ووحدة وطنية، ورؤية بعيدة المدى.
ومن هنا، فإن التحول الذي تشير إليه الأستاذة غانية، إذا كان قد حدث بالفعل في الوعي العالمي، ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه نهاية الطريق، بل باعتباره فرصة تاريخية تستوجب حسن استثمارها. فالشرعية، مهما بلغت قوتها، لا تعمل وحدها، بل تحتاج إلى عقل سياسي قادر على ترجمتها إلى إنجازات دبلوماسية وقانونية وتنموية.
ومن أكثر الأفكار إثارة في المقال حديثه عن تغير لغة العالم. فالمفاهيم ليست مجرد ألفاظ، بل هي أدوات تصوغ الإدراك وتؤثر في صناعة القرار. وعندما تدخل مصطلحات مثل "الاستعمار الاستيطاني" و"المساءلة" و"الإبادة الجماعية" إلى النقاشات الأكاديمية والقانونية والإعلامية، فإن ذلك يعكس تحولًا في طريقة فهم القضية الفلسطينية، حتى وإن لم ينعكس بعد بالقدر نفسه على مواقف الحكومات.
إن المقال لا يدعونا إلى الاحتفاء بتحول الخطاب فحسب، بل يدفعنا، من حيث لا يقصد ربما، إلى التفكير في مسؤوليتنا نحن الفلسطينيين. فالعالم قد يعيد النظر في مواقفه، لكن ذلك لن يغني عن ضرورة بناء مشروع وطني قادر على تحويل التعاطف إلى إنجاز، والشرعية إلى سياسات، والرواية إلى مستقبل.
وربما كان أعظم ما يفعله المفكرون أنهم يغيّرون الأسئلة قبل أن يغيّر السياسيون الواقع. وهذا ما حاولت الأستاذة غانية ملحيس أن تفعله؛ إذ دعتنا إلى مغادرة سؤال: من ربح الحرب؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: من يربح التاريخ؟
وبين السؤالين تكمن مسؤولية الفلسطينيين في المرحلة المقبلة. فالتاريخ لا يصنعه ميزان القوة وحده، ولا ميزان الشرعية وحده، بل تصنعه الشعوب التي تمتلك عدالة قضيتها، وتحسن في الوقت ذاته بناء مؤسساتها، ووحدتها، ورؤيتها للمستقبل. وعندها فقط، تصبح الشرعية قوةً قادرة على تغيير الوقائع، لا مجرد حجة أخلاقية في مواجهة الظلم.
غسان جابر


******


غانية ملحيس


الصديق العزيز غسان جابر
أشكرك على هذه القراءة العميقة والمتأنية، فقد أسعدني أنك تعاملت مع المقال بوصفه أطروحة تستحق الحوار، وليس مجرد موقف سياسي.
وأتفق معك تماما في أن الشرعية، بذاتها، لا تتحول تلقائيا إلى إنجاز سياسي، وأنها تحتاج إلى مشروع وطني، ومؤسسات، ووحدة، وعقل سياسي قادر على استثمار التحولات التاريخية. وأرى أن هذه الإضافة تثري الفكرة التي انطلق منها المقال وتستكملها.
ما سعى المقال إلى التأكيد عليه هو أن الإنجاز الأهم للسابع من تشرين الأول يتمثل في إحداث تحول عميق في مجال الشرعية والوعي، وهو تحول يسبق، تاريخيا، آثاره في الجغرافيا والسياسة، وقد تتأخر هذه الآثار قبل أن تتجسد في وقائع مادية. فالتحول في الشرعية يفتح الإمكان التاريخي، لكنه لا ينجز التحول السياسي من تلقاء نفسه. إنه شرط ضروري، لكنه غير كاف ما لم يقترن بالإرادة السياسية والعمل الوطني المنظم.
فالشرعية ليست بديلا عن القوة السياسية، لكنها الشرط الذي يجعل أي مشروع سياسي قابلا للحياة والاستمرار. وقد تفرض القوة وقائع على الأرض، لكن هذه الوقائع تظل قابلة للطعن والمراجعة ما دامت شرعيتها موضع نزاع.
ومن هنا، كان اهتمام المقال أيضًا بمواجهة ثقافة الهزيمة التي تطغى كلما ارتفعت الكلفة البشرية والمادية، فتدفع باتجاه الاستسلام تحت عنوان “الواقعية السياسية”. إذ حاول تسليط الضوء على لحظة التحول غير المسبوقة، منذ بدء الصراع العربي - الصهيوني ومركزه الفلسطيني - الإسرائيلي، في بنية الشرعية، بوصفها المقدمة التي تسبق التحولات السياسية ولا تغني عنها.
وأحسب أن سؤالك: “هل يكفي تآكل الشرعية لإعادة كتابة التاريخ؟”هو بالفعل السؤال الذي ينبغي أن يفتح النقاش الفلسطيني في المرحلة المقبلة. والإجابة، في تقديري، هي: لا، لا يكفي وحده، لكنه غالبا ما يكون البداية التي تجعل إعادة كتابة التاريخ ممكنة.
ومن هنا، فإن شروط استثمار هذا التحول تستوجب، في تقديري، مراجعات بنيوية عميقة في الفكر السياسي، وفي الوعي بطبيعة الصراع وطول أمده، وفي بناء عناصر المناعة الوطنية والقومية. وهذا يقتضي مراجعة السياسات والممارسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، إلى جانب تطوير المؤسسات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وصياغة رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وأعتقد أن هذه القضايا هي ما ينبغي أن يستأثر بالاهتمام المركزي في النقاش الفلسطيني والعربي، لأن السؤال لم يعد فقط: ماذا تغيّر في العالم؟ بل أيضا: كيف نحسن نحن استثمار هذا التغير؟
كل الشكر والتقدير لهذه المداخلة الثرية التي تدفعبالحوارإلى الأمام.

غانية ملحيس
 
نزهة الرملاوي


من المنظور العقلاني، مقال مثير للتفكر واعادة في طرح أسئلة واقعية بعد السابع من تشرين أول.. هل تحققت الأهداف الحربية والسياسية والاستراتيجية خلال فترة الحرب؟
هل الأساليب الابادية التي مورست على مليوني ونصف من أبناء الشعب الفلسطيني غيرت مسار القضية؟
ما الآثار التي نتجت بعد ألف يوم من الإبادة؟
دمت تميزا وتفكرا دكتورة
نزهة الرملاوي


*****


غانية ملحيس


الأستاذة العزيزة نزهة الرملاوي
جزيل الشكر على هذه القراءة المتأنية. ما حاول المقال أن يدعو إليه هو عدمالاكتفاء بطرح سؤال: ماذاحدثفيالحرب؟ إلى سؤال أعمق: ماذاأحدثتالحربفيبنيةالصراعنفسه؟ فقياس النتائج لا يقتصر على موازين القوة والخسائر المباشرة، وإنما يشمل أيضا ما أحدثته من تحولات في الشرعية، والوعي، واللغة، وصورة الأطراف، وهي تحولات قد تسبق بسنوات تجلياتها في الجغرافيا والسياسة.
ويبقى السؤال الأهم، بعد إدراك هذه التحولات: كيف نحسن، نحن الفلسطينيين، استثمارها في بناء مشروع وطني قادر على تحويل الشرعية المتعاظمة إلى إنجاز سياسي وتاريخي؟ أعتقد أن هذا هو التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة.
كل الشكر والتقدير لإثارتك هذه الأسئلة التي تمضي بالنقاش إلى جوهره
غانية ملحيس
 
نهى بدوي


بوركت وبورك فكرك الواسعاالعميق اليقظ، تجيبين بالأمثلة والشواهد التاريخية العالمية والعربية عن السؤال الملحعالمياعامة،وعلينا كفلسطينيين خاصة:
(لماذا سيظل السابع من تشرين الأول حدثا مؤسسا بعد ألف يوم؟)
بالتأكيد ان الحروب لا تُقاس فقط بالنتائج العسكرية المباشرة،رغم فداحتها
وقسوتها على فريق بسبب طغيان وجبروتولاأخلاقيةالفريق مدعي النصر،صحيح فقد علمنا التاريخ أن الأحداث المؤسسة تُقاس بما تُحدثه من تحولات في البنى السياسية والفكرية والأخلاقية التي كانت تبدو راسخة.
ولا ثبات في الحياةغير التغير، لذا تنقلب الأمور ولا يدوم من توهمواأنهم باقون وإلى الأبد بجبروتهمطغيانهموشيطنتهم،
وتسترد الضحايا حقوقها مهماطالالزمان،ومن لا يعونذلك فإنهم إماغافلون، او جاهلون، او عالمون متخلون وتلك هي الكارثة والتي لا بد سترتدوبالا عليهم
شكرا جزيلا د. غانية لهذا المقال القيمالجليولما سبقه ولما سيتبعه، تضيئينالحقيقةولا عذر لمن يشيح ببصره او فقد البصيرة.
نهى بدوي


*****


غانية ملحيس


الأستاذة العزيزة نهى بدوي
جزيل الشكر على هذا التفاعل الكريم والقراءة العميقة التي تجاوزت اللحظة الآنية إلى محاولة استشراف ما وراءها.
لقد حاول المقال تسليط الضوء على التحولات الاستراتيجية التي أحدثها السابع من تشرين الأول في بنية الصراع نفسه: في الشرعية، والوعي، واللغة، وفي مفهوم القوة، دون القفز عن فداحة الخسائر البشرية والمادية والثمن الباهظ الذي دفعه شعبنا لإحداث هذه التحولات. كما سعى إلى توسيع مفهوم موازين القوة، بحيث لا يُختزل في التفوق العسكري وحده.
فالتاريخ، كما يعلمنا، لا يتحرك بخط مستقيم، ولا يحسمه عامل واحد، بل تتداخل في صناعته عناصر متعددة، بعضها بطيء التراكم وبعضها سريع الانفجار.
ومن هنا، فإن أهمية السؤال: لماذا يُعد السابع من تشرين الأول حدثا مؤسسا؟ لا تكمن في إطلاق أحكام نهائية، بل في فتح نقاش حول طبيعة التحولات التي قد تمتد آثارها لسنوات طويلة، سواء على مستوى الصراع نفسه، أو على مستوى إدراك العالم له. وهي تحولات قد تتيح، إذا أُحسن استثمارها، فرصة لتصويب اعوجاجٍ تاريخي طال أمده في المسارات الفلسطينية،والعربية،والإقليمية، والدولية.
وفي هذا السياق، تبقى الحقيقة الأساسية أن أي تحول في الوعي أو الشرعية، مهما بلغ عمقه، لا يترجم تلقائيا إلى نتائج سياسية، بل يحتاج إلى إرادة سياسية، وفعل وطني منظم، ومشروع قادر على تحويل الإمكان التاريخي إلى واقع.
لذلك، أرى أن القيمة الأهم لهذا النوع من النقاشات تكمن في توسيع زاوية النظر، وإبقاء الأسئلة الكبرى مفتوحة، لأن فهم التحولات التاريخية هو الخطوة الأولى نحو حسن استثمارها.
كل الشكر والتقدير لإسهامك في إثراء هذا الحوار
غانية ملحيس
 
عبد الكريم جنيدي


الفعل المضاد للأنظمة العربية التابعة
وقد وصفت بدقة ما كشفه السابع من أكتوبر في مجال الشرعية الدولية والوعي الجمعي. لكن المقال توقف عند حدود "الكشف"، ولم يتتبع ما فعلته القوى المحلية التابعة ردا على هذا الكشف. وهنا يكمن الجزء الأخطر من الصورة.
أولا: (النادي المحلي) "الوكيل" يشد قبضته قبل أن تتسع الشقوق في جسدالمزرعةالمحليةالتي يديرها بالوكالة
الأنظمة العربية ليست "دول حقيقية ". بل هي نوادي ثروة وسلطة محلية تابعة للنادي العالمي الحاكم.. وعندما يهتز مركز النادي، لا تستريح الأطراف. بل تتصرف بمنطق الريبة المضاعفة: الخوف من فقدان الشرعية الداخلية، والخوف من فقدان التفويض الخارجي.
وهذا يفسر التصاعد الحاد في القمع بعد السابع من أكتوبر، لكنه لا يختزل فيه. فالسبب ليس "الحرب على غزة" وحسب، بل تراكب ثلاثة مصادر للخوف:
ذاكرة الربيع العربي (2011): الأنظمة لم تنسَ أن شعار بسيط ("الشعب يريد") يكفي لإسقاط عقود من الترسانة الأمنية. والآن، بعد ألف يوم من أكتوبر، تخشى أن يتحول التضامن مع فلسطين إلى شرارة جديدة.
السابع من أكتوبر نفسه: الذي أثبت أن "الشعوب" قادرة على الإفلات من السيطرة، وأن التاريخ لا يدار بالقمع فقط.
الفضائح الإبستينية المنتظرة: ثلاثة ملايين وثيقة على الأقل لم تعلن بعد. والنادي المركزي يعرف أن كل وثيقة جديدة تهز شرعية النظام الدولي أكثر. والأنظمة التابعة تخشى أن تكون التالية: فإذا كانت "النخبة" في واشنطن ولندن تدار بهذه الآلية، فما الذي يضمن أن "النخبة" في الرباط أو القاهرة أو الرياض ليست على ذات النموذج؟
هذا التراكب يجعل القمع ليس رداً على حدث، بل استباقاً لاحتمالات متعددة. الأنظمة لا تنتظر "الخطر" لتحاربه. بل تصعد من مستوى القمع كتأمين ذاتي ضد كل الإحتمالات.
ثانيا:الإنتقال من تحت الطاولة إلى فوقها ...التحالف المكشوف
تحدثت في المقالعن "كشف إسرائيل" و"أزمة النظام الدولي". لكن ما كشفه السابع من أكتوبروما عمقه بعد 1000 يوم هو أن التحالف بين إسرائيل والأنظمة العربية لم يعد يحتاج إلى التستر..
في الأردن: تجريم رفع العلم الفلسطينيواعتقال متعاطفين والحكم عليهم بسنين طويييييييلة في السجن.
في دول الخليج: اعتقال من يرتدي الكوفية أو يتضامن علنا وأحكام وصلت إلى 15 عاما سجن لبعضهم.
في مصر: إحكام إغلاق معبر رفح بشكل شبه دائم، وتجريم أي أنشطةشعبية.
في المغرب: تطبيع علني مع إسرائيل، مع قمع الإحتجاجات ضده وسجن المتظاهرين.
هذا هو منطق النادي المحلي (الوكيل): (إذا سقط النادي العالمي سيسقطونحتما)هم يعرفون ذلك كما يعرفون أبنائهم وأسمائهم ...حين يهتز مركز النادي، تتصرف الأطراف كما لو أن بقاءها مرتبط بإثبات الولاء بصورة علنية. التحالف الذي كان يدار بالتلميح أصبح يدار بالصراحة.
ثالثاً: السلطة الفلسطينيةالنادي المحلي الأكثر تطرفا
هنا يجب التوقف عند حالة خاصة: السلطة الفلسطينية. فهي ليست مجرد "نظام عربي تابع"، بل هي نادي ثروة وسلطة محليداخل إدارة المحتل نفسه.
التطوراتبعد السابع من أكتوبر تفوق الوصف:
أجهزة الأمن الفلسطينية (حوالي 80,000 مجند) تتصرف كقوة محلية تحت إمرة الجيش الإسرائيلي.
التنسيق الأمني لم يعد "تنسيقاً"، بل تحول إلى تبعية تشغيلية مباشرة وعلى عينك يا تاجر.
القمع الداخلي للمعارضة الفلسطينيةحتى السلمية يتم بمنطق "حماية السلطة" من "الفوضى".
هذا ليس "تفاوضاً" أو " واقعية سياسية". بل هو النادي المحلي وهويعمل جاهدا لحماية مشغله وبالتالي الحفاظ على إستمراريته و يثبت قدرتهعلى القمع أكثر من المحتل نفسه، لأن مصدر شرعيته الوحيد أصبح الولاء للمركز، لا للشعب الذي يفترض أنه يمثله.
رابعاً: القمع كإعادة إنتاج للنادي، لا كانهيار له
ما أحاول إضافته إلى تحليلك هو أن القمع المتصاعد في الأنظمة العربية ليس دليل "ضعف" أو "انهيار". بل هوبمنطق النادي... هوعملية إعادة لإنتاج ناجحة للهيمنة.
النادي لا ينهار حين يكثف القمع. بل يعيد تركيب نفسه:
في المركز (إسرائيل وأمريكا): انشقاقات داخلية (كارلسون، غرين) تعكس محاولة لاستعادة السيطرة من السلالة الحاكمة للنادي العالمي ...
في الأطراف هسئة الناديأعضاءالنادي (الغرب): قمع متصاعد لحرية التعبير، مع الحفاظ على "الوجه الديمقراطي".
في الأطراف التابعة (أملاك النادي وموجوداته (العالم العربي): قمع مفتوح، لأن "الوجه الديمقراطي" لم يكن يوما ضرورة استراتيجية.....
هذا التفاوت ليس تناقضاً كما يبدو . بل هو توزيع وظيفي للقمع: المركز يحتاج إلى "شرعية"، فتكون آلياته أكثر رقة. عند الأطراف التابعة (الوكلاء) لا حاجةإلا إلى "استقرار"، فتكون آلياتها أكثر وحشية.
في النهاية: يبقى السؤال المفتوح
وصفتِ السابع من أكتوبر بأنه "إعاد فلسطين إلى التاريخ". وهذا صحيح. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد ألف يوم هو: كيف سيتصرف التاريخ عندما تعاد إليه فلسطين؟ القمع يمنع الناس من التحدث عنه؟
الكشف حدث. لكن الترجمة إلى حراك سياسي يواجه بجدار من القمع: في الغرب (باسم "مكافحة الإرهاب")، وفي الشرق (باسم "حماية البلاد ومكافحة الإرهاب")، وفي فلسطين نفسها (باسم "التنسيق الأمني").
وهذا يعيدنا إلى سؤالك الختامي، لكن بصيغة أخرى: إذا كانت السياسة صراعاً على تعريف "الشعب"، فماذا يعني أن يُعاد "الشعب" إلى التاريخ، بينما الأنظمة التابعةتعمل على تجريم كل من يجرؤ على الكلام خارج سياق النادي؟
عبد الكريمجنيدي


*********

غانية ملحيس


الأستاذ عبد الكريم جنيدي
أشكرك على هذه المداخلة الثرية التي لا تكتفي بالتعليق على المقال، بل تفتح محورا تحليليا آخر يستحق النقاش.
صحيح أن المقال توقف عند التحولات التي أحدثها السابع من تشرين الأول في بنية الشرعية والوعي، ولم يتناول بصورة مفصلة أنماط استجابة السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية لهذه التحولات. ولم يكن ذلك إغفالا، بقدر ما كان اختيارا منهجيا، إذ انصب اهتمامه على تحليل الحدث في مستواه التاريخي والاستراتيجي، لا على تتبع جميع تفاعلاته السياسيةالمحلية والإقليمية.
وأتفق معك في أن ردود أفعال الأنظمة، بدرجاتها المختلفة، تستحق دراسة مستقلة، لأنها تشكل جزءا من محاولة احتواء التحولات التي أفرزها الحدث، ومنع انتقالها من مستوى الوعي إلى مستوى الفعل السياسي.
غير أنني أتحفظ على تفسير هذه الظواهر من خلال نموذج تفسيري واحد، لأن الواقع أكثر تعقيدا، وتتداخل فيه اعتبارات داخلية وإقليمية ودولية تختلف من حالة إلى أخرى.
ولعل السؤال الذي ختمت به مداخلتك هو الأهم: كيف تتحول التحولات التي أصابت الشرعية والوعي إلى فعل سياسي وتاريخي قادر على إعادة تشكيل الواقع؟ في تقديري، هذه هي القضية المركزية في المرحلة المقبلة. فالكشف، مهما بلغ عمقه، لا يكفي بذاته، وإنما يفتح إمكانا تاريخيا يحتاج إلى مشروع وطني، وإرادة سياسية، وقدرة على الصمود والبناء، حتى يتحول من تحول في الوعي إلى تحول في موازين التاريخ.
أشكرك مرة أخرى على هذا الحوار الجاد، الذي يؤكد أن المقال حقق غايته الأساسية: فتح باب النقاش حول الأسئلة الكبرى، لا الادعاء بأنه قال الكلمة الأخيرة فيها.
غانية ملحيس
 
أعلى