محمد بشكار - خسائرنا من الأفْراح تُدِرُّ الأرباح!

الحياة جميلة أيها الأولاد، فلا تفسدوها بالأحقاد، لا تجعلوا القلب ينكفئ على الضغائن، فحتى خسائرنا من الأفراح، قد تدر على البلد بعض الأرباح، كيف لا ونحن شعبٌ إذا فرح لا قدَّر الله لا تُقدَّر خسائره بثمن، لذلك ربما لا يحبُّ الله الفَرِحين، وما أكثر ما نسمع أحدهم يقول إني خسرتُ أمس، وهو يريد بالقول إنه سَكَرَ حتى صار منشورا على البلاط ربَّنا كما خلقتنا، وحين تَعْتَعَتْهُ الثمالة فرح ومرح وقضَّ المضاجع مُروِّعاً نوم الجيران، وسال الدم وحضرت الشرطة وسيارة الإسعاف وهلُمَّ خسائر في الأرواح والأعراض والممتلكات، أو ليس هذا مما يجعلنا نهب استشاطاً من حيث لا نريد نشاطا!

نحن شعب يحبُّ الفرح، وحين نلعب كرة القدم تلعب بعقولنا، فنفقد الرُّشد غيّاً سواء في الهزيمة أو الانتصار، فرحتنا بِكُرة القدم تجعلنا ننسى كل شيء حتى أنفسنا، بالكُرة نشبع بعد جوع، نكتسي بعد عُري، نغتني بعد فقر، نُحقِّق التوازن النفسي بإطلاق العِنان لمكبوتات لا نجد لتفريغها سبيلا، الكُرة ثورتنا التي نشُنُّها ضدَّنا، وثروتهم التي يكسبونها من جيبنا، فقد صارت أجور البث التلفزيوني في ارتفاعها صاروخا، و كذلك أسعار تذاكر المباريات وإيرادات الإعلانات التجارية، أما المبالغ الخيالية التي يوقِّع بموجبها اللاعبون عقودا بفاحش المليارات، فأمرٌ سيجعلك تهرع لأقرب دكان لشراء كرة وتقعد مُسَبِّحاً بحمدها بُكرةً و أصيلا، ومع ذلك نلعب كرة القدم وتَكبُر فرحتنا حين ترفع عاليا راية البلد، نلعبها ولو لعبَتْ بعقولنا، فنحرق الملاعب والحافلات ونهشِّم زجاج السيارات، وتُعلن البلاد حالة الطوارىء في الشوارع بالإنزال الغفير لأساطيل قوات التدخل السريع، فما أوخم العواقب التي قد تترتب عن فرحنا، حذار ففرحُنا خطيرٌ، نموت من الفرح في كرة القدم، فتُزهَقُ الأرواح قرباناً لهذا الطقس الشعائري العظيم، ومن الفرح بِكُرة القدم يُمَزِّقُ أنكرُ الأصوات آذاننا من الوريد للوريد، وكل زلازل العالم على موعد بالمقاهي، والدكاكين لا بيع ولا شراء، والأجساد تخجل من تدافعها حتى الثيران، وتأتي سيارات الإسعاف، تشاركنا بصفارات الإنذار عرسنا الكروي الكبير، زغردي يا أم الشهيد، ذاك هو فرحنا يا سادة، والفرح الذي لم يسل فيه الدم، لا يستحق أن يخلد كالأساطير في قصيدة!

FB_IMG_1782941555930.jpg

نفرحُ يوماً ونؤدِّي ثمن فرحنا لما تبقَّى من أيام الشهر شَظفاً وحزناً، وثمة من الرجال من يشقى حتى إذا تَسلَّم أجره في آخر الشهر، فرح كثيرا بالفلوس وقد ينتحر، لذلك لا يكتفي بالفرح، إنما يبحث له عن تعبير تاريخي في أقرب حانة، فإذا أصبح خاوي الوفاض بخسائر فادحة في القلب والجيب عظُم همُّه و ثقُل جبالا، و كل ذنبه أنه مارس حقَّهُ في الفرح فانقلبتْ أفراحه أتراحاً، لكن هذا النوع من الفرح الذي يجعل صاحبه أشبه بقناة الصَّرف، بقدر ما هو مُدِرٌّ للبول وقد يعود بمنافع تصفية الكليتين على شارب الجعة، بقدر ما يُدِرُّ أرباحا باهظة تصب في خزينة الدولة، كيف لا وقد فطنت كل الحكومات المتعاقبة علينا بعقاباتها المازوشية، أننا شعب حزين جدا، والجميع يبحث عن الفرح في الشراب كما يجري الظمآن خلف السراب!

نحن شعب يحب الفرح، وحتى إذا عظُمت همومنا نفتح في بلِّيتها أفواهنا بالضحك، نبكي في الحزن ومن ذات الأعين نُهرق دموع الفرح، فلا تشربوا أيها الكأسماليون المتوحشون الأنخاب في جماجمنا، لا تسرقوا ما تبقى في بؤسنا من فرح، وتستثمروا في كل ما يجد فيه الشعب متنفسا، سواء كان كرة أو شرابا أو سيجارة، فشتان بين مشاعر صادقة تتخذ من هذه الأشكال التعبيرية، أقنعة لتداري العطب، وبين مشاريع تكنزون من صناعاتها المغشوشة الذهب!


..............................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى