عباس محمود العقاد - ذكريات عن المازني

ذكريات مع الذكريات

وأي ذكريات؟ وكم من ذكريات؟ وما أكرمها ذكريات …!
إنها ذكريات الصبا في بواكيره …
إنها ذكريات الأخوة في حماسة الدعوة الأولى إلى الرأي والمذهب.
إنها ذكريات المشاركة في الجهاد الوطني على خلاف أو على لقاء.
إنها ذكريات العطف المتبادل والفكرة المتجاوبة في جميع الحالات.
ومهما يكن من معرفة عامة يعرفها القراء عن أديبهم المازني، ففي مجال تلك الذكريات أحاديث لا تحصى …
لكن هذه «الشخصية» المحبوبة: شخصية إبراهيم الكاتب وشخصية أبي خليل الصديق، تعفيني من كل حيرة في موقف الاختيار بين تلك الذكريات، ولا فرق فيها بين ما يقال: أنه شخصي خاص، وبين ما يقال: إنه ترجمة من حق النقد وحق التاريخ. وهكذا تكون «الشخصيات» التي يقول النقاد: إنها «مطبوعة في الصميم»، كل ما تعمله أو تقوله خاصة يعين الناقد والقارئ على فهمها، وتفسيرها في مجالها الفسيح الذي تتصل فيه بعالم القلم، وعالم التاريخ …
لقد كان المازني الذي يسخر من كل شيء، ويخرج لسانه لعابري الطريق هو المازني الذي يسمي كتبه في أخريات حياته ﺑ «قبض الريح» و«صندوق الدنيا» و«عالماشي» و«حصاد الهشيم»، وهو المازني الذي أعجبه ذلك الشاعر الذي أوصى أن يكتب على قبره هذان البيتان:
أيها الزائرُ قبري اتلُ ما خطَّ أمامك
ها هنا فاعلم عظامي ليتها كانت عظامك
كأنه يخرج لسانه من تحت التراب لزائر القبر الذي يقرأ — وهو غافل — ما يحدثه به الدفين المزور.
في كل ذكرى من تلك الذكريات الشخصية صورة من صور الدعابة، التي لا يفوتها الاحترام والاستخفاف الذي يعرف مواطن الإعجاب والتقديس.
وكان صديقنا المرحوم عبد الرحمن شكري يقول له فيما بيننا بالإنجليزية … حين نسمع تعليقاته على ما نقرأ شعرًا ونثرًا: إن فيك يا أبا خليل لشيئًا ملكيًّا عفريتيًّا بلا افتراق Angelic Impish، وكان هو — طيب الله ثراه — لا يرفض هذا الوصف، ولكنه يجيب عليه تارة إجابة الملائكة، وتارة إجابة العفاريت!
وكان موضع العجب من أمر صديقنا المحبوب المهيب أنه — على دعابته — لم يكن يفقد احترام عارفيه على أوفاه، وأنه مع استخفافه لم يكن يستخف بمواضع التقديس والإعجاب.
كان — رحمه الله — قصير القامة يظلع في مشيته، وكان يدرس التاريخ والترجمة في مدرسة ثانوية اشتهرت بتلاميذها المتمردين؛ لأنها كانت مدرسة أهلية تجمع الذين تجاوزوا السن في المدارس الأميرية، أو طردوا منها لسوء السلوك، ولم يكن أيسر من اجتراء هؤلاء على مدرس شاب قصير القامة يظلع في مشيته ولا يبالي كثيرًا بزيه، ولكنه كان على نقيض ذلك مهيبًا عندهم إلى حد المخافة، وكان لقب «تيمورلنك» هو اللقب الذي اختاروه له من دروسه في التاريخ!
ولعله كسب منهم هذا اللقب بعد امتحان أو امتحانين، ففهموا بعد الامتحان أي رجل هذا الهزيل الضئيل الذي حاولوا — على غير معرفة به — أن يجترئوا عليه؛ لأنهم فهموا أنه رجل يملك زمام نفسه، فلا يستعصي عليه أن يمتلك زمام الآخرين، وأنه رجل كفء لعمله على مثال لم يعهدوه بين عشرات المدرسين.
وبهذه الكفاءة، وتلك الإرادة، أصبح مدرسهم الهزيل «تيمورلنك» زمانه المخيف، والمحبوب.
•••
ولم تكن المدرسة هي الساحة الوحيدة المختارة لهذه الدعابات، بل كانت كل مفارقة يلقاها على ثقة بالجواب السريع لفصل من هذه الفصول.
دخل إلى صيدلية يشتري حامضًا من الحوامض السامة التي تستخدم في المنازل للتطهير، وتقضي التعليمات على الصيادلة أن يسألوا من يشتري المادة السامة عما يستعملها فيه، فسأله الصيدلي حسب التعليمات: لماذا تريدها يا أستاذ؟
فلم يجب الأستاذ، بل نظر إلى الصيدلي ورفع إبهامه إلى فمه متلمظًا كأنه يقول: أشربها.
وكان الصيدلي الظريف كفؤًا لزبونه الساخر، فناوله القارورة وهو يقول: قدحان مرة واحدة كفاية يا أستاذ!
•••
وقد كانت دعابة صديقنا الودود سلاحًا ماضيًا يدفع به الأذى، كما كانت سلاحًا حاضرًا يطرف به الأصدقاء، وكنا جميعًا «المازني وشكري وأنا» عرضة للإساءات السخيفة نتلقاها ممن هب ودب من أنصار القديم، ومنهم من كان يتميز غيظًا من دعوتنا، ويتحرق شوقًا إلى الفرصة التي تهيئ له سببًا من الأسباب للغض من هؤلاء «الطالعين فيها»، كما كانوا يصفوننا في لغو الحديث.
ولقد ثقلت هذه الإساءات على مزاج أحدنا — شكري — فسئم لقاء الناس، وانطوى على نفسه بعيدًا عن المجامع والمجالس، إلا من تدعوه ضرورة العمل إلى لقائه …
أما «أبو خليل» فقد كان بدعابته الحاضرة أمضى سلاحًا من أن يتراجع أمام المسيئين أو أمام الإساءات، ولم يكن أخبر منه بأساليب الانتقام العاجل ممن يخيل إليه أنه سيخنقه بالفصول الباردة: الفصول التي تحرج المقصود بها؛ لأنه لا يدري كيف يحتج عليها ولا كيف يسكت عنها.
•••
خرجنا ذات مساء إلى ضاحية القبة نتنسم هواء الربيع، وكان لنا صديق يسكن في تلك الضاحية، فلما مررنا به وجدناه بين فئة من صحبه وجيرانه على باب داره، فلبينا دعوته، ولما يكد يستقر بنا الجلوس وإذا بواحد من الحاضرين يتصدى لتوزيع السجائر، ويتخطاني ويتخطى المازني عمدًا ليسيء إلينا بهذا الإهمال … وقبل أن أفرغ من سؤال نفسي: ماذا عسى أن يصنع أبو خليل مع هذا الذي خيل إليه أنه يفحمنا بإساءته، وأنه حر في إفحامنا بها؛ لأنه حر في سجائره يحيي بها من يشاء ويهمل من يشاء … إذا بالدعابة الحاضرة — تحت الطلب — تسعف أبا خليل، فيمد يده إلى علبة السجائر، ويذهل صاحبها فيسلمها إليه، ويأخذها أبو خليل فيناولني سيجارة ويتناول أخرى، ويضع اثنتين على المنضدة، ويقول لذلك المخلوق المذهول: هاتان السيجارتان للدورة الآتية … لأننا لا نريد أن نراك مرة أخرى …
ثم يرفع رأسه كأنه تنبه من سهوة عارضة، ويقول في غير اكتراث: لا مؤاخذة! حسبتك خادم الدار، ولولا ذلك لطردك صديقنا الكريم.
•••
ولقد شهد هذه الفصول المازنية كثيرون من صحبه الأقربين، وممن لا يعرفهم بغير تحية المزاملة في العمل أو تحية الطريق، فلم يعرضه فصل من هذه الفصول قط لفقدان الاحترام، ولم يعرضه هو — بينه وبين نفسه — لفقدان الشعور بالاحترام، وكان له قدره المرعي في كل بيئة نزل فيها، ولو نزول الطارئ الراحل، وقد كانت لهذا المستخف الساخر غضبته التي لا يغضبها الكثيرون من الجادين الذين لا يعرفون السخرية والاستخفاف، فإذا مست كرامته فلا مزاح ولا هوادة، وقد استقال من وظيفته الحكومية يوم كانت الاستقالة من «خدمة الميري» شبيهة بالانتحار؛ لأنه لم يعط حقه من التقدير بين قرنائه في الديوان.
وفهم هذا الازدواج المحكم في طبيعته بين فلسفة الاستخفاف وشعور الاحترام ليس بالأمر العسير الذي عرفوه وعاشروه، إن «اللا مبالاة» عنده لم تكن نقصًا في الشعور، ولم تكن وليدة النظرة السلبية إلى الحياة، ولكنها كانت عنده وليدةً للشعور المفرط، وللنظرة الموجبة إلى العاطفة الإنسانية في شعابها التي لا تحصى، كان ملء النفس عطفًا على الأم، وعلى الابن وعلى الأخ، وعلى الزوجة، وعلى الصديق، كان امتلاء نفسه شعورًا بالواقع هو سر هذا الضيق بالجد المتصل في حالة بعد حالة، وإحساس بعد إحساس، وكانت نظرته المثالية إلى غير الواقع المتكرر هي التي جعلته يعطي ما لله لله وما لقيصر لقيصر، كما قال السيد المسيح، أو هي التي جعلته يعطي للواقع ما للواقع، وللمثل الأعلى ما للمثل الأعلى دون أن يمزج بينهما في كل حادث وكل يوم، فإذا جاء دور المقارنة بين الواقع الإنساني وبين الكمال المنشود، فهناك تتفتح الأبواب للسخرية بجميع مصاريعها، ولكنها سخرية عاطفة كسخرية الأب الذي هو أعطف الناس على ضعف وليده، وأوسعهم رجاءً له في الكمال.
بهذه النظرة المطبوعة إلى الواقع وإلى المثل الأعلى استطاع أن يعرف السخرية بالواقع في حينه، وأن يعرف الغضب للقداسة التي نرفعها إلى سماء المثل العليا في كل حين.
فمن غضباته التي نذكرها تلك الغضبة التي أشرت إليها في معرض الكلام على تأليف العبقريات، وأولها «عبقرية محمد» صلوات الله عليه.
•••
كنا نزور ساحة المولد النبوي على مقربة من مسكني بالعباسية، في جولة من جولاتنا التي كنا نسميها بالتفتيش الفني على أحياء المدينة، فذكرنا مقال البطولة النبوية، وكتاب الأبطال للفيلسوف الأيقوسي توماس كارليل، كان يعرف إعجابي بما يكتب ذلك الفيلسوف، فقال: ولم لا تكتب أنت ذلك المقال من جديد، ونحن أولى بهذا الواجب من كتاب الغرب، مهما يكن من إخلاصهم في تقدير البطولة المحمدية؟
وكان في الجماعة فتى متحذلق يحسب أن حرية الفكر إنما تقاس بمقدار التطاول على المقدسات الموقرة، وعلى مقدساتنا نحن دون سائر العالمين … ففاه بكلام هازل يشير به إلى السيف وإلى الزوجات الكثيرات … وما راعنا إلا المازني الوديع الساخر ينتفض غضبًا كأنما لمسته لفحة من وقود مضطرم، وإلا حركة يوشك أن يتبعها عمل وهو يقول تعقيبًا على صيحتي في وجه ذلك الدعي المتحذلق: كلا، كلا، إن هذا الهجر لا يثبت الحاجة إلى الضرب بالسيف في نشر الدعوات، إنه ليثبت الحاجة إلى ما هو أصلح من ذلك لداء البذاءة والقحة … إنه الضرب بالحذاء توفيرًا للسيف عن مثل هذا المقام …!
على أن الزمن قد كان يصنع صنيعه في هذا المزاج الذي وفق هذا التوفيق العجيب بين الجد والقداسة، وبين السخرية و«اللا مبالاة» في عالم الأدب الخالد، وفي عالم المعيشة العارضة من يوم إلى يوم، فكان من صنيع الزمن أنه لم يزل يوسع المسافة بين الواقع والمثل الأعلى عامًا بعد عام، حتى كاد أن ينتهي بها إلى الطرفين المتقابلين، فلم يكن للواقع عنده في أخريات أيامه نصيب غير التحدي والسخرية والاستخفاف، ولم يكن فيه غير باطل الأباطيل، وغير النظرة «عالماشي» وغير التفويت والإغضاء … ولم يكن في أكثر الأحايين أهلًا للمصالحة بينه وبين المثل الأعلى فوق عرشه الرفيع من وراء المنظور والمأمول.
•••
وسكنت في طويته قوة النضال حتى عاد بشيء من الندم إلى نضاله القديم، وحتى استكثر الرد على من ينكرون حقه ويجحدون فضله، حيث هو أحق وأجدر بالاعتراف، وأحق وأجدر بالفضل والتفضيل.
فما كان إنكاره لشعره — فيما أعلم وأعتقد — إلا تحديًا منه للإعجاب والاستحسان، ممن يظنون أنهم ينعمون عليه بإعجابهم واستحسانهم، ويسلبونه نعمة يتكالب عليها بما ينكرونه عليه، أو يبخسونه، مؤمنين ومكابرين متعنتين …
وفي هذه الفترة كان يقول ما يقوله وهو لا يبالي أن يحسب جوابه من الجد، أو يحسب من المزاح: إنني في مصنع النجارة الفني أعطيكم ما تطلبون، وما بالي أعطيكم كرسي الصالون وأنتم تطلبون كرسي المطبخ؟! أو أسومكم ثمن الدولاب وأنتم تبذلون ثمن الصندوق الصغير؟! وخدعته قبل أن تخدع غيره سهولة الكتابة عليه، فنسي أن السهل الممتنع هو الذي يستطيعه مثله بلا مبالاة … ويطلبه سواه، بكل ما في وسعه من مبالاة، فلا يقدر عليه.
•••
كان يجلس إلى المرقم «التايبرايتر» ليكتب القصة أو المقال المطلوب، ساعة الطلب بغير تحضير … وكان يكتبه في جلسة واحدة ويختمه مع ختام الورقة الأخيرة، فيحس القارئ أنه لم يقل كل ما عنده، ولكنه يحس كذلك أن الذي قرأه كافٍ، وافٍ، أو يزيد على الكفاية والوفاء.
وهنا — أيضًا — نعلم الفارق بين «اللا مبالاة» السالبة و«اللا مبالاة» الموجبة التي تغنيها القدرة عن جهد المبالاة …
ربما كانت سهولة الكتابة على المازني تقنعه هو نفسه بأنه غير مكترث بما يكتب، ولكنه ينسى أن هذا الذي يكتبه بغير اكتراث يحاوله المكترثون جهدهم فلا ينتهون إليه، وأحسب أنني قرأت له المقال الذي كان يكتبه في نصف ساعة، وقرأت له من قبل ذلك مقالات كان يكتبها ويعود إليها في ساعات، فكان أجود ما كتبه من ثمرات السرعة البالغة، سرعة الكاتب الذي يقول: إنه «لا يبالي»، ولكنه يبلغ غاية الشوط من «مبالاة» الآخرين …
وهذه هي عبقرية المازني التي لا تجارى، عبقرية تعطي وقائع اليوم حقها، ولا تنسى حقوق المثل العليا في سماواتها، وهي على هذا تعطينا نموذجًا منها في النكتة مع التلميذ والصاحب وعابر الطريق، كما تعطينا نموذجًا منها في ثمرات الفن والأدب، وتشعر وهي تستخف وتسخر كما تشعر وهي تقدس وتجد؛ لأنها فيما «تباليه» وما «لا تباليه» إنما تصدر عن فرط شعور وعن تمييز بين مواطن النقص ومواطن الكمال.


(*) مجلة الهلال نوفمبر 1962م.
أعلى