المستشار بهاء المري - من القضية إلى الرمز صناعة البطل القضائي في المجال العام

لا يكتفي الرأي العام بصناعة الروايات والتفسيرات حول الأحداث الكبرى، بل يمتلك قدرة أخرى لا تقل تأثيرًا تتمثل في إعادة تشكيل صورة الأشخاص المرتبطين بالأحداث العامة.

وتبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحًا في القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام. فينشغل المجتمع بالبحث عن شخصيات قادرة على تجسيد القيم التي يشعر بأنها مهددة أو غائبة. وحين يجدها، تتجاوز صورتها حدود الدور الذي قامت به، لتصبح رمزًا لمعانٍ أوسع بكثير من الواقعة الأصلية.

ولعل ما حدث عقب كلمة المحكمة في قضية نيرة أشرف يقدم نموذجًا واضحًا لهذه الظاهرة. فالتفاعل الجماهيري الواسع مع الكلمة لم يتوقف عند حدود ما تضمنته من رسائل أخلاقية واجتماعية، بل امتد إلى شخصية القاضي الذي ألقاها. وسرعان ما انتقل الاهتمام من القضية ذاتها إلى الخطاب الذي قيل عنها، ثم من الخطاب إلى صاحبه.

في البداية كان الحديث يدور حول الجريمة والمحاكمة والحكم. لكن مع اتساع تداول الكلمة أخذت بوصلة النقاش العام تنحرف تدريجيًا نحو شخص القاضي نفسه. ولم يعد السؤال: ماذا حدث في القضية؟ بل أصبح: مَن هو هذا القاضي؟

وهنا بدأت عملية التحول من الشخص إلى الرمز. فقد رأى كثير من الكُتاب والصحفيين والمثقفين في الكلمة ما يتجاوز حدود خطاب قضائي عابر، فوصفها بعضهم بأنها "روشتة علاج للمجتمع"، ورأى فيها آخرون رسالة أخلاقية موجهة إلى الأمة بأسرها، بينما دعا فريق ثالث إلى تدريسها للأجيال الجديدة بوصفها نموذجًا لغويًا وتربويًا وأخلاقيًا.

ولم يتوقف الأمر عند الإشادة بالكلمة، بل امتد إلى بناء صورة رمزية متكاملة حول صاحبها.

فقد كتب بعض الصحفيين عن "الأدب القضائي" باعتباره لونًا متميزًا من الخطاب العام، وربطوا بين الكلمة وبين التكوين الثقافي والأدبي لصاحبها.

أما الشاعر فاروق جويدة فقرأ الكلمة باعتبارها تشخيصًا لحال المجتمع أكثر منها تعليقًا على جريمة بعينها، ورأى فيها دعوة لاستعادة منظومة القيم والأخلاق التي أصابها التآكل في السنوات الأخيرة.

وفي السياق الإعلامي العربي، تجاوزت بعض التغطيات حدود القضية المحلية، وقدمت الكلمة بوصفها رسالة إنسانية تستدعي التاريخ والهوية والقيم المشتركة.

لكن المثير للاهتمام هنا ليس مضمون هذه المواقف بقدر ما يكشفه تراكمها من آلية اجتماعية أعمق؛ فالمجتمع لم يعد يتعامل مع الشخص باعتباره قاضيًا أدى وظيفة محددة في قضية معينة، وإنما بدأ يعيد إنتاجه في صورة رمز تتجمع حوله معانٍ متعددة.

وهنا يصبح الرمز أكبر من الواقعة التي ولد منها. فالقاضي في نهاية الأمر مارس وظيفة قضائية داخل إطار قانوني معلوم، لكن الخيال الجمعي أعاد بناء هذه الصورة في إطار أوسع بكثير.

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الكلمة أو إنكار أثرها الإيجابي، كما لا يعني التشكيك في مشروعية التقدير الذي حظيت به. فالمجتمعات تحتاج بطبيعتها إلى النماذج الملهمة والرموز الإيجابية، والاحتفاء بالكلمة الرفيعة أو الموقف النبيل.

غير أن التحليل الاجتماعي ينظر إلى ما هو أبعد من الإعجاب ذاته، فيحاول فهم الكيفية التي يتحول بها شخص واقعي إلى رمز جماعي. فحين تتراكم مشاعر الإعجاب والتقدير والتداول حول صورة معينة، يبدأ الرمز في الانفصال تدريجيًا عن الحدث الأصلي الذي أوجده، ويكتسب حياة مستقلة داخل الوعي العام.

وهذه ليست ظاهرة جديدة، الجديد فقط أن وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي جعلت هذه العملية أسرع من أي وقت مضى.
ومن ثم فإن ما تكشفه قضية نيرة أشرف لا يقتصر على تفاصيل جريمة أو محاكمة أو حكم، بل يكشف أيضًا عن واحدة من أعمق آليات عمل الرأي العام: قدرته المستمرة على تحويل الأشخاص إلى رموز، وتحويل الوقائع إلى معانٍ، ثم إعادة إنتاج الجميع داخل سردية اجتماعية أكبر من الحدث ذاته.

وهكذا ينتقل المجتمع من متابعة القضية إلى صناعة الرمز، ومن الاهتمام بالفعل إلى الاحتفاء بصاحبه، ومن الواقعة المحددة إلى الصورة التي تبقى بعدها طويلًا في الذاكرة الجمعية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى