١
غسان كنفاني و ( ثيودور هرتسل ) :
هل قرأ غسان كنفاني رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة- جديدة"؟
وما هو الاختلاف بين ( ثيودور هرتسل ) و ( بنيامين نتنياهو )؟
هل أقول إن ( هرتسل ) يعد تقدميا ل( نتنياهو ) وأكثر انسانية منه ؟ أم تراه خرج من معطفه ؟
هذا السؤال يشغلني الآن وأنا أقرأ رواية ( هرتسل ) .
هل سأكتب عن " الت نوي لاند " كتابا على غرار كتابي " ارض القصيدة .. جدارية محمود درويش وصلتها باشعاره" ؟
ربما تكون المقالات والدراسات التي أكتبها هي ذلك الكتاب .
٢٠١٢
٢
مساء حزين :
هذا المساء كنست الساحة ومسحتها وجلست وحيدا .
ماذا أفعل؟
أتأمل اﻷشجار وأستمتع بالهدوء في ظل اﻷجواء المكهربة.
أخي قال لي آخر اﻷخبار كما عرفها ابنه : دهس اثنين من العمال الفلسطينيين في منطقة طولكرم وقد توفيا .
أخي سألني إن كنت عرفت عن اقتحام المستوطنين منطقتنا السكنية ليلة البارحة ، فأجبته بأنني كنت أظن أن ابنه أمس كان يمزح حين كتب هذا على الفيسبوك .
وحيدا أجلس فيأتي ابن أخي ليجلس وليحدثني عما جرى أمس في منطقتنا السكنية .
المستوطنون جاؤوا ليلا بالبلطات واعتدوا على شاب من دار العديلي . وضعوا محرمة على فمه وبدأوا يضربونه وكسروا رجليه بالبلطة ولم يسعفه من موت محقق سوى الشباب الذين تدفقوا بالمئات ، فهرب المستوطنون .
هل شاهدتم على الفيس شباب نابلس وهم يلاحقون الدوريات التي اقتحمت المدينة ليلة البارحة؟
شباب شجعان ولكن ماذا فعلت الحجارة بالدوريات المصفحة ؟ كأنك تخرمشها .
منذ فترة وأنا أرانا ذاهبين على خطى جنوب افريقيا . مزيد من الدماء والحصار والقتل والرعب ولكن النهاية تسير واثقة من خطاها : دولة فلسطينية على غرار جنوب افريقيا وعلينا أن نعد أنفسنا لثلاثين أربعين سنة دموية .
مساء حزين على بلاد تنام على صرة الله مثل المسدس ، كما كتب محمود درويش .
وأنا أجلس في الحديقة أتأمل اﻷشجار و ..
و ..خلي يتزوج يا بهية ..أقصد نتنياهو تأشوف أنا وللا هية .. تنشوف إحنا وللا همو و ..و .. من هم العابرون في هذه اﻷرض الباقية .
٢٠١٣
٣
ربعي المدهون:السيدة من تل أبيب
ربعي المدهون:السيدة من تل أبيب
(1)
هل يمكن دراسة رواية السيدة من تل أبيب باعتبارها نموذجا من أدب العائدين؟
ربعي نفسه في مقابلة مع محمد قواس علىanb قا ل إن ما كتبه ليس نموذجا من نماذج أدب العائدين فهو زائر بجواز سفر بريطاني وليس عائدا والعائدون هم من عادوا باتفاق سياسي ومع م.ت.ف.
اﻷمر يحتاج إلى مساءلة وأعتقد أن السيدة من تل أبيب رواية خطيرة في باب التطبيع.
لم أتابع كل ما كتب عنها ولكن انقسام النقاد حولها ليس بمستغرب وعلينا ونحن نقرؤها أن نتوقف مطولا أمام شخصية وليد دهمان وما تمثله:إنه الكاتب الفلسطيني الذي استقر في لندن وتزوج من بريطانية وعلينا أن نستحضر مقولة الماركسيين :الموقع وتأثيره على الموقف.
إن وليد دهمان يقيم في لندن لا في مخيمات اللجوء في لبنان ،حتى لو كان لاجئا أقام من قبل في مخيمات اللجوء.
إن السيدة من تل أبيب رواية لافتة ولعلها اﻷكثر إشكالية في اﻷدب الفلسطيني بعد رواية إميل حبيبي المتشائل.
إنني حقا أفكر في أمرها وفي طروحاتها.
(2):
هل يختلف وليد دهمان في طروحاته وموقفه من السلام ،وهو كان شيوعيا عابرا، عن المواقف التي وقفتها حركة فتح وفدا وحزب الشعب ؟
في بدايات اتفاق أوسلو أهدى بعض أبناء حركة فتح الجنود اﻷسرائيليين في الضفة الورود وكان الجنود ما زالوا يحملون السلاح ومثلهم فعل رفاق فدا ولم يقصر هؤلاء وجماعات من حزب الشعب في عقد لقاءات مع الإسرائيليين وتسيير حافلات لعقد لقاءات سلام ،حتى قبل أن ينسحب الإسرائيليون من الضفة ولا أدري كم من علاقة حب نشأت بين شاب فلسطيني وشابة يهودية وتبادلا القبل أو تمازحا باﻷيدي.كان وليد ودانا تمازحا كأنهما صديقان منذ زمن:مدت يدها فمد يده و..و..
وليد مثل أبطال جبرا يحب النساء ولذلك تمنى أن تكون جارته في الطائرة امرأة جميلة وهذا ما كان وهكذا بدأ يقول ويبوح وحجته:ليس لدي ما أخفيه.
في ست أو سبع ساعات باح الإثنان لبعضهما بتفاصيل حياتهما .هل أراد وليد دهمان أن يعزز للمخابرات الإسرائيلية الفكرة المتشكلة لديها عن العرب:أرسلوا للعربي فتاة جميلة وسيبوح بكل ما عنده.؟
عاد وليد إلى غزة بعد غياب 38 عاما لم ير خلالها أمه ،فهل نلومه على عودته؟
يتبنى وليد الرواية الصهيونية في أكثر من موضع فمطار اللد هو مطار بن غوريون.هكذا يردد المفردة غير مرة كأنه أقر بالواقع .
(3)
هل تبتعد الرواية حين تضمنت رواية ثانية عنوانها " ظلان لبيت واحد " عما طرحه محمود درويش في1988حين أثارت قصيدته " عابرون في كلام عابر " ضجة كبيرة أثارت الإسرائيليين وأربكتهم :دولتان في وطن واحد فميز بين الدولة والوطن.
الطريف ثانية أن وليد دهمان الذي اقترح عنوانا آخر للرواية هو " موطن الظلال " يعود ويأخذ بما اقترحته الإسرائيلية دانا ويترك العنوان الذي اقترحه . هل يدعو وليد الذي كرر مرارا الاسم العبري لمطار اللد إلى القبول بالرواية الصهيونية أم أن الجمال اليهودي سحره؟
ليست رواية ربعي الوحيدة في إقرار أبطالها بأن فلسطين ما عادت وطنا للفلسطينيين وعلينا أن نقر بهذا . يبدو أن هذا النهج بدأ يتسيد لدى كتاب المنفى ممن يقيمون في أوروبا. هناك رواية ثانية لا تختلف : " خلسة في كوبنهاجن " لسامية عيسى.
هناك إقرار بالهزيمة وتسليم بالواقع.فماذا سيفرز الربيع العربي؟
(4):
هل نتعاطف مع السيده دانا-السيدة من تل أبيب؟
هل رفضت الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة في العام 1967؟
هل رفضت أي نوع من الخدمة في الجيش الإسرائيلي؟
كل قراءة هي إساءة قراءة ولعلني وقعت في سوء القراءة.
في ص136 تتحدث دانا عن رفضها الخدمة في الجيش إلا في الشؤون المدنية
. في ص158 نقرأ:وأخذها طيف وليد العابر إلى زمن خدمتها العسكرية في معسكر للجيش في قطاع غزة.
هل جاء قرارها بالخدمة المدنية بعد خدمتها العسكرية؟
أليس هناك خلل ما أم أنني أسأت القراءة؟
ربما!
(5)
وانا اقرا في السيدة من تل ابيب تذكرت قصة سميح القاسم الطويلة " الصورة الاخيرة في الألبوم " 1978 وكتاب محمود شقير " ظل اخر للمدينة " 1998 . يصطحب أمير بطل قصة سميح روتي ابنة الضابط الاشكنازي إلى قريته ،فترحب بها أمه،وتعقب :أهلا وسهلا،مش كل أصابعك مثل بعض أو مش كل الناس زي بعض أو مش كل اليهود زي بعض _ شيء من هذا _، وعلينا ألا ننسى أن أمير من سكان فلسطين المحتلة في العام 1948،مثله مثل المؤلف سميح القاسم.
وأما محمود شقير الذي يأتي على علاقته بيهود كان عرفهم قبل إبعاده،ومحاولتهم زيارته بعد عودته،فإنه يقطع علاقته بهم،ويفضل ألا يزوروه في بيته.لماذا؟إنه يتساءل :ماذا أقول لوالدة الشهيد وهي تراني أستقبل إسرائيليين في بيتي ؟
وليد دهمان في رواية ربعي المدهون كان يفكر في اصطحاب يهودية بريطانية معه لتزور أهله برفقته.يتساءل وليد:ترى هل توافق أمي على استقبالها،فاليهود ما زالوا يمعنون في قتل أهل غزة،أم ترى أن أمه سترحب بالفتاة اليهودية البريطانية ،وستقول :أهلا وسهلا يما فيك وفي ضيفتك؟
الحكاية تكاد تتشابه.
(6)
هل تختلف طروحات وليد دهمان فيم يخص الصراع العربي الإسرائيلي/الفلسطيني الإسرائيلي عن طروحات سميح القاسم في " إلى الجحيم أيها الليلك " و" الصورة الأخيرة في الالبوم " (1977/1978) ،وتتلخص في :لا بد من حل دولتين،لا لي فقط ولا لك فقط،وإنما لنا معا كل في دولته.
والسؤال هو:لماذا كان طرح سميح وإميل يتقبل في حينه،فيم ينظر إلى حل وليد دهمان في السيدة من تل أبيب على أنه تطبيع ، ألأن سميحا واميل من سكان الأرض المحتلة؟
حين أمعن النظر في طروحات وليد دهمان لا أراها تختلف كثيرا عن طروحات أمير في الصورة الأخيرة في الالبوم أو إلى الجحيم أيها الليلك،اللهم إلا أن وليد دهمان ما عاد يفكر كثيرا بقضية عودة اللاجئين إلى فلسطين ،وهو منهم.
طبعا راحت على لاجئي لبنان ومن بقي في مخيمات اللجوء في العالم العربي.حظي وليد دهمان بجواز سفر بريطاني ،وهذا ما لم يتيسر لكثيرين من اللاجئين،وحتى الذين هاجروا إلى الدول الاسكندنافية ،يعانون في رواية سامية عيسى " خلسة في كوبنهاجن" 2013
الأمرين وحياتهم جحيم.
(7)
اللافت في السيدة من تل أبيب أنها لا تخلو من شخصيات يهودية لها نصيبها من المحرقة النازية.إنها مثل " إلى الجحيم أيها الليلك" لسميح القاسم ومثل أسطر محمود درويش في " مديح الظل العالي " و " حالة حصار " .
لم تعد الكتابة عن المحرقة مقتصرة على الكتاب اليهود والصهيونيين والمتعاطفين من العالم الغربي مع اليهود . لقد أخذ الكتاب الفلسطينيون أيضا يخوضون في هذا الشأن كأنما أرادوا أن يقولوا لليهود:لا ننكر ما حدث لكم وها نحن ندلي بدلونا في اﻷمر.
هل كان غسان كنفاني أول من فعل هذا أم أنه ناصر الدين النشاشيبي؟
كأن الدفاع عن الحق الفلسطيني ما عاد يجوز أو يصح أو يكتمل إلا حين نكتب عن المحرقة وندافع عن اليهود وقد زرت شخصيا (داخاو ).
في السيدة من تل أبيب كتابة عن المحرقة وفي رواية سامية عيسى كتابة عن المحرقة وفي رواية غسان زقطان" عربة قديمة بستائر" استحضار لرواية كاتبتها يهودية هي ( امرة كيرتسه ) ،وفيها استحضار للمحرقة.
ترى هل تحفل اﻷدبيات اﻷسرائيلية بكتابة عن مأساة الفلسطينيين التي تتجدد مثل طائر العنقاء أم ترانا نكتب عن المحرقة نوعا من التقرب من الآخر و...ولا أريد أن أكتب المفردة.
ما عليكم إن أردتم أن تعرفوا مقدار ابتذالنا ﻷنفسنا في هذا الجانب إلا أن تقرؤوا سربية سميح القاسم " أنا متأسف " (2009).
(
هل ما قيل عن لعة رواية ربعي المدهون يبدو مقنعا؟
بعض من قرؤوا الرواية أشادوا بالتنوع اللغوي فيها،قاصدين أن مؤلفها استخدم أكثر من لغة؛العربية الفصيحة واللهجة والعبرية والإنجليزية،وبما أن الرواية تضم شخصيات عربية ويهودية ،فقد ترك الكاتب ،حسب بعض القراءات ومنها قراءة جميل السلحوت ، لشخوصه أن يعبروا عن ذاتهم بلغتهم،واعتبر النقاد هذا ميزة للروائي تفوق فيها على الكتاب الإسرائيليين.
هل ما سبق صحيح؟
إن الشخصيات اليهودية في الرواية لم تنطق بالعبرية إلا بمقدار محدد جدا،وأكثر كلامها أسلبه المؤلف ،بعد أن ترجمه ،وهذه لعبة،ولا أظن أنه أنطقها بلغتها إلا بمقدار ما يعرف تقريبا من العبرية،بدليل أنه قال إنه استشار بعض عارفي العبرية بضبط الكلمات.
خذ الحوار بين دانا والمراة اليهودية في تل أبيب.لم تتحاور هاتان بالعبرية.لقد وردت بعض مفردات عبرية على لسانيهما،وأما أكثر الحوار فقد جرى بعربية فصيحة هي لغة الكاتب نفسه،وعلى رأي (ميخائيل باختين) فقد أدخل الروائي أكثر لغة شخوصه في مياه نهر ليثي.
هل كان الحوار الذي دار بين وليد دهمان في لندن وبين اليهودي المتدين تم بالعربية أو بالعبرية؟لقد تم ،بالتأكيد ،بلغة ثالثة ،ولكن المؤلف أورده بلغته الفصيحة،العربية طبعا.
أعتقد أن ما كتب عن لغة الرواية بحاجة إلى إعادة نظر.
٢٠١٥
٢٠١٥
٤
رائحة الفسيخ :
يودعون رمضان بالفسيخ ويفسخون علاقتهم به .
رائحة الفسيخ عطر فرنسي يذكر برواية ( باتريك سوسكيند ) " العطر ".
من رائحة السمك والفسيخ ، حيث كانت أمه تبيع ، غدا بطل الرواية أشهر صانع عطر .
كل عام ونحن بحالة أفضل .
لو أن أهل العراق وسورية يفسخون الحرب يأكل الفسيخ .
رائحة الفسيخ .
6 /7/ 2016
٥
مأساة المخيمات والضمير اليهودي :
للتو عدت من المخيم . زرت هذا الصباح مخيمين من مخيمات نابلس ، ومع أن الوضع فيها أفضل مما هو عليه في مخيمات لبنان ، وأفضل مما عليه ، الآن ، في مخيم اليرموك ، إلا أن واقع المخيمات يقول شيئا آخر ، وعلى القيادات الفلسطينية ، بمن فيها الرئيس محمود عباس ، أن يزوروا المخيم مرة في الشهر ، وأن يتجولوا في ازقته ، بل وأن يدخلوا إلى بيوته ، ودون هذا لن يفهم أحد ، على الإطلاق ، مأساة اللاجئين الفلسطينيين .
أعتقد أن المخيمات قنبلة قابلة للانفجار في أية لحظة ، وإذا ما انفجرت فلن يسلم منها أحد .
إنني ، بعد أن زرت اليوم مخيمين ، أدق ناقوس الخطر .
الحياة في المخيمات لا تطاق وهي كارثة انسانية بكل معنى الكلمة .
ثمة طبقات فوق طبقات ، وإذا كان الوضع في البلدة القديمة في نابلس يشبه ، إلى حد ما ، ما شاهدت ، فإن الفرق يكمن في آن بيوت البلدة القديمة أغلبها مهجورة .
الأوضاع غير محتملة حقا ، وليس في هذا مبالغة .
الضمير اليهودي ، منذ تأسست دولة اسرائيل ، بل ومن قبل تأسيسها ، في إجازة طويلة الأمد . هل حقا هؤلاء اليهود هم ورثة جيل (البوغروم ) و ( الهولوكست ) ؟
إنني أشك في هذا ، ومثلما يصر اليهود على الذاكرة ، فإن ذاكرتهم لن تكتمل إلا بذاكرتنا ، بل إن ذاكرتهم ستكون بلا جدوى ، وبلا أهمية ، ما لم يقيموا لسنوات في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ، هنا وفي لبنان أيضا .
قد تجد الحرب في سورية حلا ما ، ذات يوم ، وقد يعود السوريون والعراقيون إلى ديارهم ، طالت الحرب أم قصرت ، ولكن مأساة الفلسطينيين أعمق مما يتصور وأخطر ، وما لم يوجد حل لأهالي المخيمات ، فإن الحلول كلها غير مجدية ، لا حل الدولتين ، ولا حل الدولة الواحدة .
من يزعم إنني أبالغ فما عليه إلا أن يزور المخيمات ، وأن يقيم فيها لمدة عام .نعم عام واحد فقط ، وسيرى العجب العجاب ؛ الأزقة الضيقة والزواريب والشبابيك والطوابق الأرضية التي لا حياة فيها ، وتداخل البنايات ، والنفايات التي في الشوارع .
أتمنى أن يزور المسؤولون المخيمات ، لا لكي يشربوا قهوة فيها ، لمدة نصف ساعة ، مع عدسات التلفازات ، وإنما أن يزوروها لفترة طويلة وأن يبيتوا فيها لفترة .
حقا أوضاع المخيمات جد خطيرة ، وأخطر مما تتوقعون .
6 /7 /2016
٦
في مخيم بلاطة ، كما في البلدة القديمة من نابلس :
رحم الله الشاعر علي الخليلي .
عندما عاد أبو سري من بيروت في نهاية 70 ق 20 تقريبا ( ربما في 1977 أو في 1978 ) زار البلدة القديمة ، حيث فرن أهله ( فرن الخليلي ) وتجول في حارات المدينة ، وكتب قصائد جمعها في ديوان عنوانه " الضحك من رجوم الدمامة " ، وكنت شاهدا على ولادته .
يومها قرأت قصائد الديوان وكتبت مقالة طويلة جدا عنوانها " علي الخليلي ، شاعر الأزقة والفقراء " ونشرتها في جريدة " الفجر " ، في صفحات الفجر الأدبي التي أخذ علي يشرف عليها .
كان علي يكتب عن أزقة البلدة القديمة وحياة الفقراء الباقين فيها ، ولم تكن البلدة على ما هي عليه الآن ، حيث تسوء المباني ، ولا تجد من يهتم بها .
خذ مثلا بيت خالتي أم عارف الذي تربيت فيه تقريبا . كان بيت خالتي مازال مسكونا ، حتى منتصف 80 ق 20 ، وكنت أزوره في تلك الفترة ، ومن وحيه كتبت بعض القصص ، ومنها قصة عن أم فارس مسروجة وغياب أبنائها عنها ، بل إنني كتبت لها رسائل لهم ، وأنا في بيت خالتي .
كانت أم فارس تملي ، وأنا أكتب .
بيت خالتي ، منذ عشرين عاما وأكثر ، غدا مهجورا ، لا يقيم فيه أنيس ، وربما تصفر فيه الرياح ، ومؤخرا مررت به وأنعمت النظر في الدرج وما آلت إليه بعض الجدران . مبان لا أنيس فيها ولا عيس ، على الرغم من أن بعض المباني القريبة منه رممت .
قرأت الفاتحة على روح خالتي وواصلت طريقي .
كثير من مباني البلدة القديمة مغلقة أبوابها ونوافذها ، وتبلى مع الأيام ، ومع أن أهل علي الخليلي رمموا الفرن واعادوا العمل فيه ، إلا أن محاولتهم لم تنجح ، وسرعان ما أغلقوه .
و أنا أتجول في البلدة القديمة أتحسر على هذا التراث الحضاري ، لمدينة تاريخية عريقة .
*******************************
اليوم لاحظت مباني المخيم التي أقيمت في 50 + 60 ق 20 .
يومها كانت مباني تسطع فيها الشمس ، ولا أظن أن بيتا منها خلا من حديقة وشجرة ليمون أو شجرة تين أو توت ، وبعض البيوت كانت تزرع فيها الدوالي والورود والياسمين .
منذ بداية 80 ق 20 أخذ أهالي المخيم يبنون طابقا أولا فثانيا فثالثا ، لحل مشكلة أبنائهم الذين ولدوا في المخيم ، وأرادوا غرفا جديدة للعرسان الجدد ، وأهمل الأهالي الطوابق الأرضية ، ويبدو أن قسما منهم أهملوها ، بل إن قسما منهم اشتروا أراضي خارج المخيم ، ومنهم أنا وعائلتي ، وتركوا بيوتهم في المخيم مهجورة تسكنها الصراصير والفئران وربما الجرذان ، وأخذت جدرانها تتداعى .
اليوم ، في المخيم ، شاهدت جدران تلك البيوت ، ولاحظت الشباك على النوافذ ، وشاهدت أبوابا مقفلة بالاقفال ، كما لو أنني في البلدة القديمة في نابلس .
اليوم صعدت أدراجا نحيفة من شدة الفقر وضيق المساحة . والمساحة التي كانت مخصصة لرجل غدت الآن ميراثا لأبنائه الثمانية أو التسعة . بيوت داخل بيوت ، وأزقة أكياس النفايات فيها تزكم رائحتها الأنوف ، وأعتقد ...
أعتقد أنه لا بد ، حقا ، من النظر في أوضاع المخيمات ، وبدلا من أن تذهب النقود لوزراء يتقاضون راتبين أو ثلاثة أو أربعة ، يجب أن تذهب لإعمار هذه المخيمات ، وبدلا من أن يحتفظ أخونا أبو فادي ( محمد دحلان ) بمليارات في البنوك ، ومثله غيره ، يجب أن ينظر بعين ابن المخيم إلى مخيمه ، بل ويجب أن تؤخذ ضرائب من الرواتب المرتفعة ، لإعمار هذه المناطق ، ولن أعترض شخصيا ،على خصم مبلغ من راتبي لهذا الأمر الذي يجب أن يحل بجهد جماعي ، لا بطريقة فردية .
******
" البلاد إذا سمنت وارمة " ( مظفر النواب ) .
6 /7/ 2016
٧
يجب اعتذار اسماعيل هنية ومحمد دحلان إلى أهل غزة وعليهما الانصراف وما يمثلان :
هل يجب على اسماعيل هنية ومحمد دحلان الاعتذار إلى أهل غزة وعليهما الانصراف ، وما يمثلان ، عن قيادة غزة ؟
تحدث اسماعيل هنية في خطابه عن لقاءات فلسطينية - فلسطينية في القاهرة أدت إلى تفاهمات بين الجهتين لصالح الشعب الفلسطيني .
ترى لصالح من اقتتلت الطائفتان قبل 10 سنوات ؟
أليس لصالح الشعب الفلسطيني؟
وماذا جرت سياسة دحلان وزلمه وسياسة حماس وزلمها على أهل غزة؟
كان ابراهيم طوقان هاجم الزعامة الفلسطينية التي كانت تقتتل فيما بينها وأدت سياستها إلى ضياع فلسطين ، وبعد أن هجاهم بما يشبه المديح أنهى قصيدته بقوله :
" في يدينا بقية من بلاد
فاستريحوا كي لا تطير البقية " .
والله أعلم أن ما تبقى من بلاد - إن تبقى منها شيء - فهو في طريقه إلى الضياع .
الله المستعان به
6 /7 /2017
٨
غداء والكاتب هاشم غرايبة غرايبة :
في عمان 2 / 7 دعاني د . نزار قبيلات إلى الغداء . أخبرني أن الروائي هاشم غرايبة سيكون معنا ، إذ كان د . نزار استضافه ليحاور الطلاب في رواية له . هذه ثاني مرة ألتقي بهاشم فقد التقينا معا في 2009 على هامش مؤتمر جامعة البتراء الذي عقد لتكريم الروائي يوسف زيدان و الكاتب عزمي بشارة.
الحديث كان ذا شجون وهاشم في ال64 تقريبا .
أهم ما سمعته منه أنه الآن يبتعد عن كل ما يزعج وما يسبب له المرض . إنه يريد أن يستمتع بوقته المتبقي . هل كان يتحدث بلساني ؟
هاشم كان ، للأمانة ، مهذبا ، فلم يكن مثل كثيرين ممن يتكلمون بلسانهم وبأيديهم .
الأجواء حارة وكثيرون ، ممن يتكلمون ، يرفسون . الله المستعان به.
6 / 7 / 2018
٩
روائيون أصدقاء :
ثمة أصدقاء روائيون تحترمهم ولكنك لا تعجب برواياتهم .
ثمة أصدقاء شعراء تحترمهم ولا تحب أشعارهم .
وثمة قصاصون أصدقاء تحترمهم ولا تتذوق قصصهم .
ماذا تفعل؟
ربما القضية تتعلق بذائقتي الروائية والشعرية والقصصية . ربما !
ولسوف أستعير من محمود درويش سطره في " لاعب النرد " :
"من أنا لأقول لكم ما أقول لكم/
أنا مثلكم
أو أقل قليلا ".
اعذروني إن لم أكتب عن أعمالكم .
إنها الذائقة .
6 /7/ 2018
١٠
ميرامار نجيب محفوظ في الرواية الفلسطينية :
وأنت تقرأ رواية زياد عبد الفتاح Ziad Abdelfattah " الرتنو " سرعان ما تتذكر رواية الكاتب نجيب محفوظ "ميرامار " ١٩٦٦ . وحتى لو لم تخطر الرواية ببالك فإن سارد الرواية أبو شهد الديراوي - ومن ورائه زياد عبد الفتاح - يذكرك ب " ميرامار " ، بل ويذكرك برواية الكاتب الروسي ( دوستوفسكي ) " المقامر " وفندق العمة العجوز ، وهو ما يرد في الصفحة ٥٣ .
يتخذ زياد عبد الفتاح من فندق " الرتنو " في رام الله مكانا لعالمه الروائي ، وليست هذه هي الرواية الأولى له التي يكون الفندق مسرحا لأحداثها ، فأبو شهد يذكر رواية زياد عبد الفتاح " ما علينا " و موتل " فولوس " .
وأنت تقرأ " الرتنو " لا تتذكر " ميرامار " لأنها تجعل الفندق مكان عالم شخوصها ، وإنما تتذكرها لأن طريقة قص زياد هي طريقة محفوظية تماما .
ببساطة فإن رواية " الرتنو " يمكن أن تقرأ مع رواية " ميرامار " في غير جانب ، وهي تأتي على رام الله في زمن السلطة الفلسطينية وتحديدا في عهد الرئيس " أبو مازن " الذي يلمح إليه ولا يذكر على الأقل في أول ١٢٠ صفحة .
من يرغب في قراءة " ميرامار " في الرواية الفلسطينية فعليه أن يقرأ " الرتنو " !
٦ تموز ٢٠١٩
١١
الست كورونا : الحجر الصحي من جديد ( ١٣ )
اليوم ينقضي اليوم الخامس من إعلان محافظ مدينة نابلس الحجر الصحي لمدة خمسة أيام .
مر حزيران كاملا ولم يحجر علينا إلا يومين فتمتعنا بعادة التسوق والمشي في شوارع المدينة والجلوس أحيانا في مقهى " خان الوكالة " - كان الخان قديما للتجار وخيولهم وربما حميرهم ، وصار فندقا عاما ومقهى ومطعما ومسرحا يحتفل فيه بأيام ثقافية غالبا في نيسان من كل عام إلا العام ٢٠٢٠ وربما العام السابق ، وسبحان مغير الأحوال وتارك النسوان يدخن النارجيلة في المقاهي العامة .
إن صح ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي فإن الحجر سيمدد لأسبوعين ولكن بعد رفعه لمدة يومين هما الأربعاء والخميس - أي ٨ و ٩ تموز - وهذا يعني أن صيف العام الحالي سيكون صيف تقاعد للجميع ، وسيحجر على الشعب كله صحيا - الحمد لله أنه حجر صحي لا حجر عقلي ، علما بأن أكثر من ٧٠ بالمائة منا يحتاجون إلى أطباء نفسانيين وقد يحتاج الأخيرون إلى ما يحتاج إليه ال ٧٠ بالمائة . قد يحتاجون إلى ( سيجموند فرويد ) و ( كارل يونج ) و ( ادلر ) و إلى آخره .. إلى آخره .
انشغلت بأيام الححر الصحي الأربعة الأخيرة بالوقوف مع عمال الزفزاف ، وأكلنا من صحن الفول نفسه وصحن الحمص نفسه وأكلنا معا المعجنات وشربنا القهوة والشاي وتابعت الأيدي العاملة وهي تعمل وفي اليوم الأخير لعمل العمال - أي أمس - أخذت أشرح لهم عن الطبقة العاملة واستغلال رؤوس الأموال لطبقتهم ، فأعدت على مسامعهم أمثلة كنت أقصها على طلاب الجامعة وأنا أشرح لهم المنهج الاجتماعي الماركسي ، وتحديدا وأنا أشرح لهم عن شعور العمال في المجتمع الرأسمالي بالاغتراب لأن جهدهم يذهب إلى جيب أصحاب العمل .
إن كان أحدنا متكورنا فإننا جميعا سنتكورن مثله ، وإن كنت أحرص على شرب الماء الساخن وأتبع بعض التعليمات بخصوص الوقاية .
" العمل عبادة " يقول آباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا والجيل الجديد يريد " رغيف مقرص من دقن معرس " و " المتسولون يتسوقون كالملوك " والأخيرون مثل الأولين يتسولون أحيانا لشعوبهم ثم يهبشون قطعة اللحم الكبرى ، واتعب " يا مشكاح لأخوك المرتاح " .
أنا أستاذ جامعي متقاعد وعشت مع العمال يوميا لساعات ، وفي مراهقتي بعت الاسكيمو والتمرية وعملت " كونترول " باص وفي منجرة إسرائيلية ، وإذا كان الطفل أبو الرجل ، كما قال ( وردزوورث ) فمعنى ذلك أنني في الجائحة عشت شبابي ثانية .
الشعب كله والحمد لله سيعيش الحجر ثانية ؛ الحجر الصحي وأظن أنه - إن استمرت الحالة لمدة طويلة - سيحتاج إلى مصحات نفسية لا إلى مضخات تنفس ومشاف ومراكز عناية صحية فقط .
٦ تموز ٢٠٢٠
١٢
لا جديد في المدينة :
لا جديد أمس في المدينة ، أو أنني لم أتجول بما فيه الكفاية ولم أصغ إلى الناس كما يجب .
في الحافلة مساء تحدث أحد الركاب ، في هاتفه الخلوي ، مع صديق له ، عن يومه الذي أنفقه في القدس وهرتسيلية ، وقال إن الأوضاع في الدولة الإسرائيلية عادية ، فلا تشديد على الكمامة ، منذ يومين ، في الأماكن المغلقة أو الأماكن المفتوحة .
وأنا في مقهى خان الوكالة شاهدت الحاضرين والحاضرات يؤرجلون بفرح غير عابئين بتأثير الدخان على طبقة الأوزون ، فتذكرت ما كتبه الكاتب السوري محمد الماغوط ، ساخرا ، عن لوم الآخرين له ، لتدخينه السجائر حرصا على سلامة البيئة وعلى صحته .
قبل ١٩٨٧ انتشرت في بيوت نابلس ظاهرة الاستقبالات وكانت الأرجلة شائعة . الآن صار الاستقبال يتم في المقاهي .
كم طنا من القنابل ألقي على غزة في الحرب الأخيرة ؟ وما تأثير ما يجري في القدس وحي الشيخ جراح وبيتا على صحة أجسادنا ؟ وإلى أين تسير الأمور في مناطق السلطة الفلسطينية ؟ وما هو حال الناس الآن في قطاع غزة ، فلا تعمير ولا أموال ولا ... .
غزة الآن تعيش زمن اللاسلم واللاحرب . هل ودعت الحرب والسلم معا ؟ وكان محمود درويش اختار بعد حرب ١٩٧٣ عبارة " وداعا أيها السلم ... وداعا أيتها الحرب " عنوانا لأحد كتبه النثرية ، وفي قصيدة " خلاف ، غير لغوي ، مع امريء القيس " / ياسر عرفات " كتب :
" لم يكن دمنا يتكلم في الميكروفونات في
ذلك اليوم ، يوم اتكأنا على لغة
بعثرت قلبها عندما غيرت دربها ، لم
يقل أحد لامريء القيس : ماذا صنعت
بنا وبنفسك ؟ فاذهب على درب
قيصر ، خلف دخان يطل من
الوقت أسود ، واذهب على درب
قيصر ، وحدك ، وحدك
وأترك لنا ، ههنا ، لغتك !" .
هل كان محمود درويش يكتب عن العام ١٩٩٥ أم عن العام ٢٠٢١ .
هل قصد الشاعر أن الثورة الفلسطينية بعثرت قلبها عندما غيرت دربها ؟
ما أكثر الكتابات في هذه الأيام عن فتح في بداياتها وفتح فيما هي عليه الآن !
أحد الروائيين الفتحاويين ممن أفادوا من أوسلو وأثروا ، ومثله بعض الشعراء أيضا ، يبكون في كتاباتهم الزمن الجميل ويشتمون زمننا وينعتونه بالزمن الوغد و ... أي والله !!
في روايته " الشوك والقرنفل " ٢٠٠٤ يكتب السيد يحيى السنوار عن تفشي ظاهرة العملاء ، بين أبناء الشعب الفلسطيني ، إبان الانتفاضة الأولى ، ويأتي على ملاحقتهم وتصفيتهم ، لأنهم كانوا يكتبون تقارير عن المنتفضين ، وفي فمي ماء ... .
٦ تموز ٢٠٢١ .
١٣
فتاة نابلس ١٤ :
مكالمات الهاتف لدراسة أحوال أسرة فلسطينية وكتابة رواية عن عوالمها الداخلية :
ماذا لو اشتغل كاتب روائي عامل سنترال أو موظفا في جوال ، وماذا إن كان رجل مخابرات إسرائيلية يتقن العربية يعمل في شركة الاتصالات الإسرائيلية أو إن رصدت المخابرات الإسرائيلية حياتنا من خلال مكالمات عائلاتنا ؟!
أعتقد أن كثيرين من شباب المقاومة قضوا بعد أن رصد الاحتلال تحركاتهم من خلال محادثاتهم الهاتفية ، وليس اعتقادي هذا بدعة أو اكتشافا فهو يتردد على السنة كثيرين ومنهم رجال مخابرات في الأمن الوقائي الفلسطيني .
وماذا لو درس عالم اجتماع المجتمع الفلسطيني بأسره اعتمادا على محتوى المحادثات الهاتفية ؟ ما النتيجة التي سيصل إليها عن هذا المجتمع ؟
في الطبعة الموسعة من كتابه " المجتمع العربي المعاصر " درس المرحوم حليم بركات المتوفى في ٢٣ حزيران ٢٠٢٣ الرواية العربية واتجاهاتها . اتكأ على الرواية لتقديم صورة للمجتمع العربي ، وكان الاستشراق الإسرائيلي قبل ١٩٦٧ درس كتابات نوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس لاستخراج صورة للشخصية المصرية التي هو في حالة صراع وحرب معها ، ويقال إنه فهم نفسية عدوه من أدبه .
كتبت من قبل مرتين عن مصدر DEAN DILLEY في تكوين صورة عن شخوصه ، وعن اندهاش أمير من معرفة الأمريكي عن حياته ومصدر معلوماته عنها .
بعد عودة أمير من زيارته القصيرة إلى دبي حيث أجرى مقابلة عمل ينزوي في بيته ، ونلم بوصف دقيق لما يمارسه أفراد العائلة ؛ الأب والكتاب الذي يقرأ فيه : مذكرات الرئيس الأمريكي نيكسون ، وعودة سارة الأخت إلى البيت ومحادثتها عبر الهاتف مع صديقة لها ، وجلوس الأم في المطبخ بعد عودتها من العمل واحتسائها الويسكي وحوارها مع ابنها .
لنر هذا الوصف لمحادثة سارة على الهاتف وهو ما قد يعطي انطباعا عن كثير من محادثاتنا على الهواتف وكيف ينظر إليها السارد :
" Amir heard Sara open the front door downstairs , followed by the usual storm of carelessly dropped possessions , one side of a loud gossipy telephone conversation....
"
والسطر المهم لي هنا هو ؛
One side of a loud gossipy conversation..
(بصوت عال جانب من محادثة نميمية / من محادثة ثرثرة كلام )
قدمت روايات نجيب محفوظ صورة للحارة والعائلة المصرية ، وقدمت سحر خليفة صورة لنابلس والعائلة النابلسية ، وقد ترجمت أهم نتاجات الأول إلى اللغات العالمية وترجمت نتاجات الثانية كلها إلى العديد من اللغات ، ومن خلال رواياتهما وروايات آخرين شكل المهتمون بالعالم العربي صورة عن مجتمعاته . الآن في هذه الرواية نقرأ صورة للعائلة النابلسية والمجتمغ النابلسي أيضا .
هذا باب للدراسات الأدبية المقارنة .
6 / 7 / 2023
١٤
غزة ( ٢٧٤ ) :
أن تقضي العمر لاجئا
شريط الفيديو اللافت الذي أدرجته على صفحتي قبل يومين لرجل سبعيني في مثل عمري ذكرني بأسطر شعرية للشاعر العراقي سعدي يوسف طالما كتبتها في هذا الفضاء :
" أن تقضي العمر مغتربا
حرفة ترتضيها ولا ترتضيها
ولكنك اليوم تملك بين اغترابك والنخل
خطوتك الملكية معناك .. "
ويصح أن نستبدل مفردة نازح أو لاجيء بمفردة مغترب ، علما بأن الفلسطيني منذ ١٩٤٨ يعيش نازحا لاجئا مغتربا فقيرا معدما مشتتا .
يحمل الرجل السبعيني فراشه على ظهره ويسير في الشارع على غير هدى يسأل :
- أين نذهب بعد اللجوء الرابع الخامس ؟
ويضيف :
- والله سأموت وأنا في الشارع أمشي وأمشي .
وافقت حماس على المقترحات ولن يوافق رئيس الوزراء الإسرائيلي . والعامل الغزي الذي صور شريطا يخاطب فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن ينهي الحرب ليعيش الفلسطينيون والإسرائيليون معا كما كانوا قبل العام ١٩٨٧ يأكلون من صحن واحد ، فلا غنى لطرف عن الآخر ، العامل الغزي مثلي بسيط وساذج ، وكنت في بداية الحرب طلبت من ( أبو يائير ) أن يكون ( غورباتشوف ) القرن الحادي والعشرين - يا لي من ساذج !
هل نسيت قصة الكاتب التشيكي اليهودي ( فرانز كافكا ) " بنات آوى وعرب " التي يذهب فيها إلى أن العداوة بينهما في الدم .
كل الحق على الفكر الماركسي الذي جعلني لا آخذ برابطة الدم التي يؤمن بها ( أبو يائير ) ووزيراه ( سموتريتش ) و ( بن غفير ) .
الكاتب القصصي يسري الغول يكتب عن حالة أهل شمال غزة :
" نحن نجوع في مدينة غزة وشمالها " .
والأوضاع في الضفة الغربية كانت في اليومين الماضيين دموية ، فقد ارتقى تسعة شهداء ، وبعض أهل غزة سرقوا أثاث المستشفى الأوروبي ، ما ذكرني بما جرى في معسكر الجيش الأردني قرب مخيم عسكر القديم في عقب هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، وما ذكرني أيضا بما جرى في مدن أمريكية في السنوات الأخيرة . في لحظات ما تدب الفوضى فيخرج قليل من السيء في الإنسان .
في صفحة صفحة مخيم النصيرات كتب أسامة أبو عاصي Osama Abu Asi عن المفاوضات " ردينا على ردكم اللي رديتو فيه على ردنا اللي ردينا في على ردكم اللي رديتو في على تعديلاتنا على ردكم ... "
عندنا أمثال شعبية عديدة تصور الحالة :
- رب وزيت وزيت ورب
- ينفخ في قربة مثقوبة
ولن ننسى أسطورة سيزيف وطائر العنقاء ومسرحية غسان كنفاني " الباب " و ... و ... ومنذ وعينا ونحن نسمع عن مبادرات ومفاوضات وآخرها جهود المصالحة بين فتح وحماس .. سبعة عشر عاما ولا نتيجة .
٦ / ٧ / ٢٠٢٤ .
١٥
هواجس من وحي ما يجري في غزة :
تلاميذ غزة وأطفالها
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
في انتفاضة ١٩٨٧ كتب نزار قباني قصيدته " يا تلاميذ غزة " وطلب منهم فيها أن يعلموا العرب بعض ما عندهم من رجولة ، فالرجال في العالم العربي صاروا عجينا ، وأن يعلموهم كيف الحجارة تغدو ، بين أيديهم ، ماسا ثمينا وأن يعلموهم :
" كيف تغدو دراجة الطفل لغما وشريط الحرير كمينا ، وكيف تحولت مصاصة الحليب سكينا .
وألا يبالوا بإذاعات العرب وألا يسمعوها .
وبإيجاز مدح الشاعر تلاميذ غزة ووسمهم بالبطولة وواصل جلد الذات القومية ، فالعرب يتسمون بالحساب والجمع والطرح . إنهم الهاربون من خدمة الجيش ، لهذا يستحقون الشنق . إنهم موتى لا يملكون ضريحا ، ويتامى لا يملكون عيونا ، لزموا جحورهم وطلبوا من تلاميذ غزة أن يقاتلوا التنينا . لقد صغروا أمام تلاميذ غزة ألف قرن :
" لا تعودوا إلى كتاباتنا ولا تقرأونا
نحن آباؤكم فلا تشبهونا
نحن أصنامكم فلا تعبدونا
نتعاطى القات السياسي والقمع
ونبني مقابرا أو سجونا
حررونا من عقدة الخوف فينا
واطردوا من رؤوسنا الأفيونا "
.. الخ الخ
نقرأ نثرا قريبا في نغمته من شعر نزار في كتابة الأردني عبد الهادي راجي المجالي ، فقد خاطب في غير مقال غزة وسكانها ومقاتليها ، وآخر مقال له عنوانه " المذهب التفجيري " ، وفيه يطلب من الشاب المقاتل الغزي الذي فجر دبابة أن يعلمه مذهبه الذي سماه المذهب التفجيري " أنا على مذهبك يا شيخي .. فاعقد درسك من اليوم على بقايا دباباتهم وعلمنا أن نكتب تعاليمك على عبوات ( ال شو اظ ) ووصاياك يا إمامي وشيخي سندونها ( بال ي ا سين 105 ) .. " .
ثمة صورة أسطورية تبرزها القصيدة والمقالة ، وهي صورة ليست بعيدة عن المخيلة الشعبية الفلسطينية والعربية ؛ صورة يسمعها المرء حين يكون في حافلة عامة .
قبل شهرين صعدت حافلة عمومية أقلت معلمة حكومية اشترت سجادة ، وتمكنت من ذلك لاستلامها جزءا من راتبها . كانت الموظفة تتجاذب والسائق أطراف الحديث ، وقد أتت على مهنتها معلمة للغة الإنجليزية وما تفعله مع تلاميذ غزة . ثمنت قدرتهم على الاستيعاب عاليا وقللت من قدرة تلاميذ مدرستها . قالت إنها تعلم ألفي تلميذ غزاوي تعليما إلكترونيا وكلهم يتفاعلون معها . لقد أبرزت لهم صورة أسطورية يحذرنا منها بعض كتاب غزة ، بل إننا حين نشاهد بعض أشرطة الفيديو التي يظهر فيها الأطفال جائعين منهكين باكين آباءهم أو أمهاتهم الذين قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي نعرف أن أطفال غزة أطفال عاديون يفرحون ويحزنون ويتأثرون بالظروف التي يمرون بها ؛ سلبا أوإيجابا . إن جاعوا صرخوا يريدون الرغيف وإن عطشوا بكوا يسألون عن الماء ، وإن فقدوا آباءهم أو أمهاتهم جلسوا قرب الجسد المسجى يذرفون الدموع ويناشدون الأب أو الأم بأن يعودوا لهم ، فهم لا يقوون على مواجهة الحياة بلا والدين . حقا ان الطفل فيصل الخالدي الذي قتل الجنود أمه الحامل وأباه ، داخل بيتهم أمام عينه ، بدا طفلا أسطورة ، فتكلم عما شاهد برباطة جأش ، فأذهل كل من شاهده وأصغى إليه ، لكنه لم يكن صورة لأطفال غزة كلهم ، فهناك العشرات غيره لم يظهروا ، حين فقدوا أحد والديهم ، متماسكين مثله . لقد بكوا ، بل وأجهشوا بالبكاء ، وحين جاعوا صرخوا : " بدي خبز. بدي آكل " ، ولم تفلح أمهاتهم بالضحك عليهم تصبرهم وهي تطبخ لهم اللاشيء كتمثيلية عساهم ينامون .
من أبرز الصور صورة طفلة برجل واحدة تقف وبيدها عكاز على شاطيء البحر . هذه الطفلة سألت الطبيب ببراءة :
- دكتور متى ستنبت لي قدمي ؟
وكما أن الأطفال ليسوا أسطوريين فإن آباءهم وأمهاتهم لم يكونوا أيضا كذلك . لقد بكوا أبناءهم وبناتهم وعبروا عن حسرتهم جراء الفقد . هل ننسى صرخة والدة الطفل يوسف أبو شعر كيرلي ؟ هل ننسى عبارة والد حسن الذي غنى " اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت " :
- كسرت ظهري يا حسن .
حقا ان الذاكرة تحفل بقصص مشابهة ، مثل قصة الطفلة هدى أبو غالية ، التي فقدت أسرتها على شط البحر بالكامل ، وفيها كتب محمود درويش " الفتاة / الصرخة " ، وفي الحرب هذه سنقرأ عن " الطفلة هلا أبو دهليز ( ١٢ عاما ) التي كانت تتأرجح قرب خيمة نزوحها ، حين باغتتها غارة إسرائيلية دمرت ما تبقى من طفولتها . سقطت الأرجوحة فوقها ، فمزقت فروة رأسها بالكامل ، واقتلعت شعرها من الجذور تاركة جراحا لا تشفى في الجسد وفي الروح . في إحدى الصور تمسك بخصلة شعرها ، كأنها تتمسك بما تبقى من ماضيها ، وفي أخرى تنظر بحزن إلى صورتها قبل الإصابة ، وثمة صورة لها بعد الإصابة ، ولا تزال رهينة الحصار ، عاجزة عن مغادرة غزة لتلقي العلاج ( عن صفحة أحمد نصر ).
و في صفحة سماح نصار تدرج صورة أحمد الحناوي مع طفلتيه وتكتب " عائلة شهيدة . شاب في بداية الثلاثينيات من عمره وطفلتان بملابس أنيقة والصحة بادية عليهما ... جمال لافت .
في صفحة أحمد نصر شريط فيديو لغزاوي ارتقى وهو يبحث عن طحين . حول جثته طفله ابن السابعة يبكيه : بابا بابا .. يا عمي وين بابا .. أمانة .. .
وماذا عن تلاميذ غزة الآن ؟
إنهم منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ بلا مدارس يهيمون في الشوارع أو يقتلون وهم في الخيام .
حالة تعبانة .
( السبت ١٢ / ٧ / ٢٠٢٥ )
( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١٣ / ٧ / ٢٠٢٥ ) .
غسان كنفاني و ( ثيودور هرتسل ) :
هل قرأ غسان كنفاني رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة- جديدة"؟
وما هو الاختلاف بين ( ثيودور هرتسل ) و ( بنيامين نتنياهو )؟
هل أقول إن ( هرتسل ) يعد تقدميا ل( نتنياهو ) وأكثر انسانية منه ؟ أم تراه خرج من معطفه ؟
هذا السؤال يشغلني الآن وأنا أقرأ رواية ( هرتسل ) .
هل سأكتب عن " الت نوي لاند " كتابا على غرار كتابي " ارض القصيدة .. جدارية محمود درويش وصلتها باشعاره" ؟
ربما تكون المقالات والدراسات التي أكتبها هي ذلك الكتاب .
٢٠١٢
٢
مساء حزين :
هذا المساء كنست الساحة ومسحتها وجلست وحيدا .
ماذا أفعل؟
أتأمل اﻷشجار وأستمتع بالهدوء في ظل اﻷجواء المكهربة.
أخي قال لي آخر اﻷخبار كما عرفها ابنه : دهس اثنين من العمال الفلسطينيين في منطقة طولكرم وقد توفيا .
أخي سألني إن كنت عرفت عن اقتحام المستوطنين منطقتنا السكنية ليلة البارحة ، فأجبته بأنني كنت أظن أن ابنه أمس كان يمزح حين كتب هذا على الفيسبوك .
وحيدا أجلس فيأتي ابن أخي ليجلس وليحدثني عما جرى أمس في منطقتنا السكنية .
المستوطنون جاؤوا ليلا بالبلطات واعتدوا على شاب من دار العديلي . وضعوا محرمة على فمه وبدأوا يضربونه وكسروا رجليه بالبلطة ولم يسعفه من موت محقق سوى الشباب الذين تدفقوا بالمئات ، فهرب المستوطنون .
هل شاهدتم على الفيس شباب نابلس وهم يلاحقون الدوريات التي اقتحمت المدينة ليلة البارحة؟
شباب شجعان ولكن ماذا فعلت الحجارة بالدوريات المصفحة ؟ كأنك تخرمشها .
منذ فترة وأنا أرانا ذاهبين على خطى جنوب افريقيا . مزيد من الدماء والحصار والقتل والرعب ولكن النهاية تسير واثقة من خطاها : دولة فلسطينية على غرار جنوب افريقيا وعلينا أن نعد أنفسنا لثلاثين أربعين سنة دموية .
مساء حزين على بلاد تنام على صرة الله مثل المسدس ، كما كتب محمود درويش .
وأنا أجلس في الحديقة أتأمل اﻷشجار و ..
و ..خلي يتزوج يا بهية ..أقصد نتنياهو تأشوف أنا وللا هية .. تنشوف إحنا وللا همو و ..و .. من هم العابرون في هذه اﻷرض الباقية .
٢٠١٣
٣
ربعي المدهون:السيدة من تل أبيب
ربعي المدهون:السيدة من تل أبيب
(1)
هل يمكن دراسة رواية السيدة من تل أبيب باعتبارها نموذجا من أدب العائدين؟
ربعي نفسه في مقابلة مع محمد قواس علىanb قا ل إن ما كتبه ليس نموذجا من نماذج أدب العائدين فهو زائر بجواز سفر بريطاني وليس عائدا والعائدون هم من عادوا باتفاق سياسي ومع م.ت.ف.
اﻷمر يحتاج إلى مساءلة وأعتقد أن السيدة من تل أبيب رواية خطيرة في باب التطبيع.
لم أتابع كل ما كتب عنها ولكن انقسام النقاد حولها ليس بمستغرب وعلينا ونحن نقرؤها أن نتوقف مطولا أمام شخصية وليد دهمان وما تمثله:إنه الكاتب الفلسطيني الذي استقر في لندن وتزوج من بريطانية وعلينا أن نستحضر مقولة الماركسيين :الموقع وتأثيره على الموقف.
إن وليد دهمان يقيم في لندن لا في مخيمات اللجوء في لبنان ،حتى لو كان لاجئا أقام من قبل في مخيمات اللجوء.
إن السيدة من تل أبيب رواية لافتة ولعلها اﻷكثر إشكالية في اﻷدب الفلسطيني بعد رواية إميل حبيبي المتشائل.
إنني حقا أفكر في أمرها وفي طروحاتها.
(2):
هل يختلف وليد دهمان في طروحاته وموقفه من السلام ،وهو كان شيوعيا عابرا، عن المواقف التي وقفتها حركة فتح وفدا وحزب الشعب ؟
في بدايات اتفاق أوسلو أهدى بعض أبناء حركة فتح الجنود اﻷسرائيليين في الضفة الورود وكان الجنود ما زالوا يحملون السلاح ومثلهم فعل رفاق فدا ولم يقصر هؤلاء وجماعات من حزب الشعب في عقد لقاءات مع الإسرائيليين وتسيير حافلات لعقد لقاءات سلام ،حتى قبل أن ينسحب الإسرائيليون من الضفة ولا أدري كم من علاقة حب نشأت بين شاب فلسطيني وشابة يهودية وتبادلا القبل أو تمازحا باﻷيدي.كان وليد ودانا تمازحا كأنهما صديقان منذ زمن:مدت يدها فمد يده و..و..
وليد مثل أبطال جبرا يحب النساء ولذلك تمنى أن تكون جارته في الطائرة امرأة جميلة وهذا ما كان وهكذا بدأ يقول ويبوح وحجته:ليس لدي ما أخفيه.
في ست أو سبع ساعات باح الإثنان لبعضهما بتفاصيل حياتهما .هل أراد وليد دهمان أن يعزز للمخابرات الإسرائيلية الفكرة المتشكلة لديها عن العرب:أرسلوا للعربي فتاة جميلة وسيبوح بكل ما عنده.؟
عاد وليد إلى غزة بعد غياب 38 عاما لم ير خلالها أمه ،فهل نلومه على عودته؟
يتبنى وليد الرواية الصهيونية في أكثر من موضع فمطار اللد هو مطار بن غوريون.هكذا يردد المفردة غير مرة كأنه أقر بالواقع .
(3)
هل تبتعد الرواية حين تضمنت رواية ثانية عنوانها " ظلان لبيت واحد " عما طرحه محمود درويش في1988حين أثارت قصيدته " عابرون في كلام عابر " ضجة كبيرة أثارت الإسرائيليين وأربكتهم :دولتان في وطن واحد فميز بين الدولة والوطن.
الطريف ثانية أن وليد دهمان الذي اقترح عنوانا آخر للرواية هو " موطن الظلال " يعود ويأخذ بما اقترحته الإسرائيلية دانا ويترك العنوان الذي اقترحه . هل يدعو وليد الذي كرر مرارا الاسم العبري لمطار اللد إلى القبول بالرواية الصهيونية أم أن الجمال اليهودي سحره؟
ليست رواية ربعي الوحيدة في إقرار أبطالها بأن فلسطين ما عادت وطنا للفلسطينيين وعلينا أن نقر بهذا . يبدو أن هذا النهج بدأ يتسيد لدى كتاب المنفى ممن يقيمون في أوروبا. هناك رواية ثانية لا تختلف : " خلسة في كوبنهاجن " لسامية عيسى.
هناك إقرار بالهزيمة وتسليم بالواقع.فماذا سيفرز الربيع العربي؟
(4):
هل نتعاطف مع السيده دانا-السيدة من تل أبيب؟
هل رفضت الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة في العام 1967؟
هل رفضت أي نوع من الخدمة في الجيش الإسرائيلي؟
كل قراءة هي إساءة قراءة ولعلني وقعت في سوء القراءة.
في ص136 تتحدث دانا عن رفضها الخدمة في الجيش إلا في الشؤون المدنية
. في ص158 نقرأ:وأخذها طيف وليد العابر إلى زمن خدمتها العسكرية في معسكر للجيش في قطاع غزة.
هل جاء قرارها بالخدمة المدنية بعد خدمتها العسكرية؟
أليس هناك خلل ما أم أنني أسأت القراءة؟
ربما!
(5)
وانا اقرا في السيدة من تل ابيب تذكرت قصة سميح القاسم الطويلة " الصورة الاخيرة في الألبوم " 1978 وكتاب محمود شقير " ظل اخر للمدينة " 1998 . يصطحب أمير بطل قصة سميح روتي ابنة الضابط الاشكنازي إلى قريته ،فترحب بها أمه،وتعقب :أهلا وسهلا،مش كل أصابعك مثل بعض أو مش كل الناس زي بعض أو مش كل اليهود زي بعض _ شيء من هذا _، وعلينا ألا ننسى أن أمير من سكان فلسطين المحتلة في العام 1948،مثله مثل المؤلف سميح القاسم.
وأما محمود شقير الذي يأتي على علاقته بيهود كان عرفهم قبل إبعاده،ومحاولتهم زيارته بعد عودته،فإنه يقطع علاقته بهم،ويفضل ألا يزوروه في بيته.لماذا؟إنه يتساءل :ماذا أقول لوالدة الشهيد وهي تراني أستقبل إسرائيليين في بيتي ؟
وليد دهمان في رواية ربعي المدهون كان يفكر في اصطحاب يهودية بريطانية معه لتزور أهله برفقته.يتساءل وليد:ترى هل توافق أمي على استقبالها،فاليهود ما زالوا يمعنون في قتل أهل غزة،أم ترى أن أمه سترحب بالفتاة اليهودية البريطانية ،وستقول :أهلا وسهلا يما فيك وفي ضيفتك؟
الحكاية تكاد تتشابه.
(6)
هل تختلف طروحات وليد دهمان فيم يخص الصراع العربي الإسرائيلي/الفلسطيني الإسرائيلي عن طروحات سميح القاسم في " إلى الجحيم أيها الليلك " و" الصورة الأخيرة في الالبوم " (1977/1978) ،وتتلخص في :لا بد من حل دولتين،لا لي فقط ولا لك فقط،وإنما لنا معا كل في دولته.
والسؤال هو:لماذا كان طرح سميح وإميل يتقبل في حينه،فيم ينظر إلى حل وليد دهمان في السيدة من تل أبيب على أنه تطبيع ، ألأن سميحا واميل من سكان الأرض المحتلة؟
حين أمعن النظر في طروحات وليد دهمان لا أراها تختلف كثيرا عن طروحات أمير في الصورة الأخيرة في الالبوم أو إلى الجحيم أيها الليلك،اللهم إلا أن وليد دهمان ما عاد يفكر كثيرا بقضية عودة اللاجئين إلى فلسطين ،وهو منهم.
طبعا راحت على لاجئي لبنان ومن بقي في مخيمات اللجوء في العالم العربي.حظي وليد دهمان بجواز سفر بريطاني ،وهذا ما لم يتيسر لكثيرين من اللاجئين،وحتى الذين هاجروا إلى الدول الاسكندنافية ،يعانون في رواية سامية عيسى " خلسة في كوبنهاجن" 2013
الأمرين وحياتهم جحيم.
(7)
اللافت في السيدة من تل أبيب أنها لا تخلو من شخصيات يهودية لها نصيبها من المحرقة النازية.إنها مثل " إلى الجحيم أيها الليلك" لسميح القاسم ومثل أسطر محمود درويش في " مديح الظل العالي " و " حالة حصار " .
لم تعد الكتابة عن المحرقة مقتصرة على الكتاب اليهود والصهيونيين والمتعاطفين من العالم الغربي مع اليهود . لقد أخذ الكتاب الفلسطينيون أيضا يخوضون في هذا الشأن كأنما أرادوا أن يقولوا لليهود:لا ننكر ما حدث لكم وها نحن ندلي بدلونا في اﻷمر.
هل كان غسان كنفاني أول من فعل هذا أم أنه ناصر الدين النشاشيبي؟
كأن الدفاع عن الحق الفلسطيني ما عاد يجوز أو يصح أو يكتمل إلا حين نكتب عن المحرقة وندافع عن اليهود وقد زرت شخصيا (داخاو ).
في السيدة من تل أبيب كتابة عن المحرقة وفي رواية سامية عيسى كتابة عن المحرقة وفي رواية غسان زقطان" عربة قديمة بستائر" استحضار لرواية كاتبتها يهودية هي ( امرة كيرتسه ) ،وفيها استحضار للمحرقة.
ترى هل تحفل اﻷدبيات اﻷسرائيلية بكتابة عن مأساة الفلسطينيين التي تتجدد مثل طائر العنقاء أم ترانا نكتب عن المحرقة نوعا من التقرب من الآخر و...ولا أريد أن أكتب المفردة.
ما عليكم إن أردتم أن تعرفوا مقدار ابتذالنا ﻷنفسنا في هذا الجانب إلا أن تقرؤوا سربية سميح القاسم " أنا متأسف " (2009).
(
هل ما قيل عن لعة رواية ربعي المدهون يبدو مقنعا؟
بعض من قرؤوا الرواية أشادوا بالتنوع اللغوي فيها،قاصدين أن مؤلفها استخدم أكثر من لغة؛العربية الفصيحة واللهجة والعبرية والإنجليزية،وبما أن الرواية تضم شخصيات عربية ويهودية ،فقد ترك الكاتب ،حسب بعض القراءات ومنها قراءة جميل السلحوت ، لشخوصه أن يعبروا عن ذاتهم بلغتهم،واعتبر النقاد هذا ميزة للروائي تفوق فيها على الكتاب الإسرائيليين.
هل ما سبق صحيح؟
إن الشخصيات اليهودية في الرواية لم تنطق بالعبرية إلا بمقدار محدد جدا،وأكثر كلامها أسلبه المؤلف ،بعد أن ترجمه ،وهذه لعبة،ولا أظن أنه أنطقها بلغتها إلا بمقدار ما يعرف تقريبا من العبرية،بدليل أنه قال إنه استشار بعض عارفي العبرية بضبط الكلمات.
خذ الحوار بين دانا والمراة اليهودية في تل أبيب.لم تتحاور هاتان بالعبرية.لقد وردت بعض مفردات عبرية على لسانيهما،وأما أكثر الحوار فقد جرى بعربية فصيحة هي لغة الكاتب نفسه،وعلى رأي (ميخائيل باختين) فقد أدخل الروائي أكثر لغة شخوصه في مياه نهر ليثي.
هل كان الحوار الذي دار بين وليد دهمان في لندن وبين اليهودي المتدين تم بالعربية أو بالعبرية؟لقد تم ،بالتأكيد ،بلغة ثالثة ،ولكن المؤلف أورده بلغته الفصيحة،العربية طبعا.
أعتقد أن ما كتب عن لغة الرواية بحاجة إلى إعادة نظر.
٢٠١٥
٢٠١٥
٤
رائحة الفسيخ :
يودعون رمضان بالفسيخ ويفسخون علاقتهم به .
رائحة الفسيخ عطر فرنسي يذكر برواية ( باتريك سوسكيند ) " العطر ".
من رائحة السمك والفسيخ ، حيث كانت أمه تبيع ، غدا بطل الرواية أشهر صانع عطر .
كل عام ونحن بحالة أفضل .
لو أن أهل العراق وسورية يفسخون الحرب يأكل الفسيخ .
رائحة الفسيخ .
6 /7/ 2016
٥
مأساة المخيمات والضمير اليهودي :
للتو عدت من المخيم . زرت هذا الصباح مخيمين من مخيمات نابلس ، ومع أن الوضع فيها أفضل مما هو عليه في مخيمات لبنان ، وأفضل مما عليه ، الآن ، في مخيم اليرموك ، إلا أن واقع المخيمات يقول شيئا آخر ، وعلى القيادات الفلسطينية ، بمن فيها الرئيس محمود عباس ، أن يزوروا المخيم مرة في الشهر ، وأن يتجولوا في ازقته ، بل وأن يدخلوا إلى بيوته ، ودون هذا لن يفهم أحد ، على الإطلاق ، مأساة اللاجئين الفلسطينيين .
أعتقد أن المخيمات قنبلة قابلة للانفجار في أية لحظة ، وإذا ما انفجرت فلن يسلم منها أحد .
إنني ، بعد أن زرت اليوم مخيمين ، أدق ناقوس الخطر .
الحياة في المخيمات لا تطاق وهي كارثة انسانية بكل معنى الكلمة .
ثمة طبقات فوق طبقات ، وإذا كان الوضع في البلدة القديمة في نابلس يشبه ، إلى حد ما ، ما شاهدت ، فإن الفرق يكمن في آن بيوت البلدة القديمة أغلبها مهجورة .
الأوضاع غير محتملة حقا ، وليس في هذا مبالغة .
الضمير اليهودي ، منذ تأسست دولة اسرائيل ، بل ومن قبل تأسيسها ، في إجازة طويلة الأمد . هل حقا هؤلاء اليهود هم ورثة جيل (البوغروم ) و ( الهولوكست ) ؟
إنني أشك في هذا ، ومثلما يصر اليهود على الذاكرة ، فإن ذاكرتهم لن تكتمل إلا بذاكرتنا ، بل إن ذاكرتهم ستكون بلا جدوى ، وبلا أهمية ، ما لم يقيموا لسنوات في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ، هنا وفي لبنان أيضا .
قد تجد الحرب في سورية حلا ما ، ذات يوم ، وقد يعود السوريون والعراقيون إلى ديارهم ، طالت الحرب أم قصرت ، ولكن مأساة الفلسطينيين أعمق مما يتصور وأخطر ، وما لم يوجد حل لأهالي المخيمات ، فإن الحلول كلها غير مجدية ، لا حل الدولتين ، ولا حل الدولة الواحدة .
من يزعم إنني أبالغ فما عليه إلا أن يزور المخيمات ، وأن يقيم فيها لمدة عام .نعم عام واحد فقط ، وسيرى العجب العجاب ؛ الأزقة الضيقة والزواريب والشبابيك والطوابق الأرضية التي لا حياة فيها ، وتداخل البنايات ، والنفايات التي في الشوارع .
أتمنى أن يزور المسؤولون المخيمات ، لا لكي يشربوا قهوة فيها ، لمدة نصف ساعة ، مع عدسات التلفازات ، وإنما أن يزوروها لفترة طويلة وأن يبيتوا فيها لفترة .
حقا أوضاع المخيمات جد خطيرة ، وأخطر مما تتوقعون .
6 /7 /2016
٦
في مخيم بلاطة ، كما في البلدة القديمة من نابلس :
رحم الله الشاعر علي الخليلي .
عندما عاد أبو سري من بيروت في نهاية 70 ق 20 تقريبا ( ربما في 1977 أو في 1978 ) زار البلدة القديمة ، حيث فرن أهله ( فرن الخليلي ) وتجول في حارات المدينة ، وكتب قصائد جمعها في ديوان عنوانه " الضحك من رجوم الدمامة " ، وكنت شاهدا على ولادته .
يومها قرأت قصائد الديوان وكتبت مقالة طويلة جدا عنوانها " علي الخليلي ، شاعر الأزقة والفقراء " ونشرتها في جريدة " الفجر " ، في صفحات الفجر الأدبي التي أخذ علي يشرف عليها .
كان علي يكتب عن أزقة البلدة القديمة وحياة الفقراء الباقين فيها ، ولم تكن البلدة على ما هي عليه الآن ، حيث تسوء المباني ، ولا تجد من يهتم بها .
خذ مثلا بيت خالتي أم عارف الذي تربيت فيه تقريبا . كان بيت خالتي مازال مسكونا ، حتى منتصف 80 ق 20 ، وكنت أزوره في تلك الفترة ، ومن وحيه كتبت بعض القصص ، ومنها قصة عن أم فارس مسروجة وغياب أبنائها عنها ، بل إنني كتبت لها رسائل لهم ، وأنا في بيت خالتي .
كانت أم فارس تملي ، وأنا أكتب .
بيت خالتي ، منذ عشرين عاما وأكثر ، غدا مهجورا ، لا يقيم فيه أنيس ، وربما تصفر فيه الرياح ، ومؤخرا مررت به وأنعمت النظر في الدرج وما آلت إليه بعض الجدران . مبان لا أنيس فيها ولا عيس ، على الرغم من أن بعض المباني القريبة منه رممت .
قرأت الفاتحة على روح خالتي وواصلت طريقي .
كثير من مباني البلدة القديمة مغلقة أبوابها ونوافذها ، وتبلى مع الأيام ، ومع أن أهل علي الخليلي رمموا الفرن واعادوا العمل فيه ، إلا أن محاولتهم لم تنجح ، وسرعان ما أغلقوه .
و أنا أتجول في البلدة القديمة أتحسر على هذا التراث الحضاري ، لمدينة تاريخية عريقة .
*******************************
اليوم لاحظت مباني المخيم التي أقيمت في 50 + 60 ق 20 .
يومها كانت مباني تسطع فيها الشمس ، ولا أظن أن بيتا منها خلا من حديقة وشجرة ليمون أو شجرة تين أو توت ، وبعض البيوت كانت تزرع فيها الدوالي والورود والياسمين .
منذ بداية 80 ق 20 أخذ أهالي المخيم يبنون طابقا أولا فثانيا فثالثا ، لحل مشكلة أبنائهم الذين ولدوا في المخيم ، وأرادوا غرفا جديدة للعرسان الجدد ، وأهمل الأهالي الطوابق الأرضية ، ويبدو أن قسما منهم أهملوها ، بل إن قسما منهم اشتروا أراضي خارج المخيم ، ومنهم أنا وعائلتي ، وتركوا بيوتهم في المخيم مهجورة تسكنها الصراصير والفئران وربما الجرذان ، وأخذت جدرانها تتداعى .
اليوم ، في المخيم ، شاهدت جدران تلك البيوت ، ولاحظت الشباك على النوافذ ، وشاهدت أبوابا مقفلة بالاقفال ، كما لو أنني في البلدة القديمة في نابلس .
اليوم صعدت أدراجا نحيفة من شدة الفقر وضيق المساحة . والمساحة التي كانت مخصصة لرجل غدت الآن ميراثا لأبنائه الثمانية أو التسعة . بيوت داخل بيوت ، وأزقة أكياس النفايات فيها تزكم رائحتها الأنوف ، وأعتقد ...
أعتقد أنه لا بد ، حقا ، من النظر في أوضاع المخيمات ، وبدلا من أن تذهب النقود لوزراء يتقاضون راتبين أو ثلاثة أو أربعة ، يجب أن تذهب لإعمار هذه المخيمات ، وبدلا من أن يحتفظ أخونا أبو فادي ( محمد دحلان ) بمليارات في البنوك ، ومثله غيره ، يجب أن ينظر بعين ابن المخيم إلى مخيمه ، بل ويجب أن تؤخذ ضرائب من الرواتب المرتفعة ، لإعمار هذه المناطق ، ولن أعترض شخصيا ،على خصم مبلغ من راتبي لهذا الأمر الذي يجب أن يحل بجهد جماعي ، لا بطريقة فردية .
******
" البلاد إذا سمنت وارمة " ( مظفر النواب ) .
6 /7/ 2016
٧
يجب اعتذار اسماعيل هنية ومحمد دحلان إلى أهل غزة وعليهما الانصراف وما يمثلان :
هل يجب على اسماعيل هنية ومحمد دحلان الاعتذار إلى أهل غزة وعليهما الانصراف ، وما يمثلان ، عن قيادة غزة ؟
تحدث اسماعيل هنية في خطابه عن لقاءات فلسطينية - فلسطينية في القاهرة أدت إلى تفاهمات بين الجهتين لصالح الشعب الفلسطيني .
ترى لصالح من اقتتلت الطائفتان قبل 10 سنوات ؟
أليس لصالح الشعب الفلسطيني؟
وماذا جرت سياسة دحلان وزلمه وسياسة حماس وزلمها على أهل غزة؟
كان ابراهيم طوقان هاجم الزعامة الفلسطينية التي كانت تقتتل فيما بينها وأدت سياستها إلى ضياع فلسطين ، وبعد أن هجاهم بما يشبه المديح أنهى قصيدته بقوله :
" في يدينا بقية من بلاد
فاستريحوا كي لا تطير البقية " .
والله أعلم أن ما تبقى من بلاد - إن تبقى منها شيء - فهو في طريقه إلى الضياع .
الله المستعان به
6 /7 /2017
٨
غداء والكاتب هاشم غرايبة غرايبة :
في عمان 2 / 7 دعاني د . نزار قبيلات إلى الغداء . أخبرني أن الروائي هاشم غرايبة سيكون معنا ، إذ كان د . نزار استضافه ليحاور الطلاب في رواية له . هذه ثاني مرة ألتقي بهاشم فقد التقينا معا في 2009 على هامش مؤتمر جامعة البتراء الذي عقد لتكريم الروائي يوسف زيدان و الكاتب عزمي بشارة.
الحديث كان ذا شجون وهاشم في ال64 تقريبا .
أهم ما سمعته منه أنه الآن يبتعد عن كل ما يزعج وما يسبب له المرض . إنه يريد أن يستمتع بوقته المتبقي . هل كان يتحدث بلساني ؟
هاشم كان ، للأمانة ، مهذبا ، فلم يكن مثل كثيرين ممن يتكلمون بلسانهم وبأيديهم .
الأجواء حارة وكثيرون ، ممن يتكلمون ، يرفسون . الله المستعان به.
6 / 7 / 2018
٩
روائيون أصدقاء :
ثمة أصدقاء روائيون تحترمهم ولكنك لا تعجب برواياتهم .
ثمة أصدقاء شعراء تحترمهم ولا تحب أشعارهم .
وثمة قصاصون أصدقاء تحترمهم ولا تتذوق قصصهم .
ماذا تفعل؟
ربما القضية تتعلق بذائقتي الروائية والشعرية والقصصية . ربما !
ولسوف أستعير من محمود درويش سطره في " لاعب النرد " :
"من أنا لأقول لكم ما أقول لكم/
أنا مثلكم
أو أقل قليلا ".
اعذروني إن لم أكتب عن أعمالكم .
إنها الذائقة .
6 /7/ 2018
١٠
ميرامار نجيب محفوظ في الرواية الفلسطينية :
وأنت تقرأ رواية زياد عبد الفتاح Ziad Abdelfattah " الرتنو " سرعان ما تتذكر رواية الكاتب نجيب محفوظ "ميرامار " ١٩٦٦ . وحتى لو لم تخطر الرواية ببالك فإن سارد الرواية أبو شهد الديراوي - ومن ورائه زياد عبد الفتاح - يذكرك ب " ميرامار " ، بل ويذكرك برواية الكاتب الروسي ( دوستوفسكي ) " المقامر " وفندق العمة العجوز ، وهو ما يرد في الصفحة ٥٣ .
يتخذ زياد عبد الفتاح من فندق " الرتنو " في رام الله مكانا لعالمه الروائي ، وليست هذه هي الرواية الأولى له التي يكون الفندق مسرحا لأحداثها ، فأبو شهد يذكر رواية زياد عبد الفتاح " ما علينا " و موتل " فولوس " .
وأنت تقرأ " الرتنو " لا تتذكر " ميرامار " لأنها تجعل الفندق مكان عالم شخوصها ، وإنما تتذكرها لأن طريقة قص زياد هي طريقة محفوظية تماما .
ببساطة فإن رواية " الرتنو " يمكن أن تقرأ مع رواية " ميرامار " في غير جانب ، وهي تأتي على رام الله في زمن السلطة الفلسطينية وتحديدا في عهد الرئيس " أبو مازن " الذي يلمح إليه ولا يذكر على الأقل في أول ١٢٠ صفحة .
من يرغب في قراءة " ميرامار " في الرواية الفلسطينية فعليه أن يقرأ " الرتنو " !
٦ تموز ٢٠١٩
١١
الست كورونا : الحجر الصحي من جديد ( ١٣ )
اليوم ينقضي اليوم الخامس من إعلان محافظ مدينة نابلس الحجر الصحي لمدة خمسة أيام .
مر حزيران كاملا ولم يحجر علينا إلا يومين فتمتعنا بعادة التسوق والمشي في شوارع المدينة والجلوس أحيانا في مقهى " خان الوكالة " - كان الخان قديما للتجار وخيولهم وربما حميرهم ، وصار فندقا عاما ومقهى ومطعما ومسرحا يحتفل فيه بأيام ثقافية غالبا في نيسان من كل عام إلا العام ٢٠٢٠ وربما العام السابق ، وسبحان مغير الأحوال وتارك النسوان يدخن النارجيلة في المقاهي العامة .
إن صح ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي فإن الحجر سيمدد لأسبوعين ولكن بعد رفعه لمدة يومين هما الأربعاء والخميس - أي ٨ و ٩ تموز - وهذا يعني أن صيف العام الحالي سيكون صيف تقاعد للجميع ، وسيحجر على الشعب كله صحيا - الحمد لله أنه حجر صحي لا حجر عقلي ، علما بأن أكثر من ٧٠ بالمائة منا يحتاجون إلى أطباء نفسانيين وقد يحتاج الأخيرون إلى ما يحتاج إليه ال ٧٠ بالمائة . قد يحتاجون إلى ( سيجموند فرويد ) و ( كارل يونج ) و ( ادلر ) و إلى آخره .. إلى آخره .
انشغلت بأيام الححر الصحي الأربعة الأخيرة بالوقوف مع عمال الزفزاف ، وأكلنا من صحن الفول نفسه وصحن الحمص نفسه وأكلنا معا المعجنات وشربنا القهوة والشاي وتابعت الأيدي العاملة وهي تعمل وفي اليوم الأخير لعمل العمال - أي أمس - أخذت أشرح لهم عن الطبقة العاملة واستغلال رؤوس الأموال لطبقتهم ، فأعدت على مسامعهم أمثلة كنت أقصها على طلاب الجامعة وأنا أشرح لهم المنهج الاجتماعي الماركسي ، وتحديدا وأنا أشرح لهم عن شعور العمال في المجتمع الرأسمالي بالاغتراب لأن جهدهم يذهب إلى جيب أصحاب العمل .
إن كان أحدنا متكورنا فإننا جميعا سنتكورن مثله ، وإن كنت أحرص على شرب الماء الساخن وأتبع بعض التعليمات بخصوص الوقاية .
" العمل عبادة " يقول آباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا والجيل الجديد يريد " رغيف مقرص من دقن معرس " و " المتسولون يتسوقون كالملوك " والأخيرون مثل الأولين يتسولون أحيانا لشعوبهم ثم يهبشون قطعة اللحم الكبرى ، واتعب " يا مشكاح لأخوك المرتاح " .
أنا أستاذ جامعي متقاعد وعشت مع العمال يوميا لساعات ، وفي مراهقتي بعت الاسكيمو والتمرية وعملت " كونترول " باص وفي منجرة إسرائيلية ، وإذا كان الطفل أبو الرجل ، كما قال ( وردزوورث ) فمعنى ذلك أنني في الجائحة عشت شبابي ثانية .
الشعب كله والحمد لله سيعيش الحجر ثانية ؛ الحجر الصحي وأظن أنه - إن استمرت الحالة لمدة طويلة - سيحتاج إلى مصحات نفسية لا إلى مضخات تنفس ومشاف ومراكز عناية صحية فقط .
٦ تموز ٢٠٢٠
١٢
لا جديد في المدينة :
لا جديد أمس في المدينة ، أو أنني لم أتجول بما فيه الكفاية ولم أصغ إلى الناس كما يجب .
في الحافلة مساء تحدث أحد الركاب ، في هاتفه الخلوي ، مع صديق له ، عن يومه الذي أنفقه في القدس وهرتسيلية ، وقال إن الأوضاع في الدولة الإسرائيلية عادية ، فلا تشديد على الكمامة ، منذ يومين ، في الأماكن المغلقة أو الأماكن المفتوحة .
وأنا في مقهى خان الوكالة شاهدت الحاضرين والحاضرات يؤرجلون بفرح غير عابئين بتأثير الدخان على طبقة الأوزون ، فتذكرت ما كتبه الكاتب السوري محمد الماغوط ، ساخرا ، عن لوم الآخرين له ، لتدخينه السجائر حرصا على سلامة البيئة وعلى صحته .
قبل ١٩٨٧ انتشرت في بيوت نابلس ظاهرة الاستقبالات وكانت الأرجلة شائعة . الآن صار الاستقبال يتم في المقاهي .
كم طنا من القنابل ألقي على غزة في الحرب الأخيرة ؟ وما تأثير ما يجري في القدس وحي الشيخ جراح وبيتا على صحة أجسادنا ؟ وإلى أين تسير الأمور في مناطق السلطة الفلسطينية ؟ وما هو حال الناس الآن في قطاع غزة ، فلا تعمير ولا أموال ولا ... .
غزة الآن تعيش زمن اللاسلم واللاحرب . هل ودعت الحرب والسلم معا ؟ وكان محمود درويش اختار بعد حرب ١٩٧٣ عبارة " وداعا أيها السلم ... وداعا أيتها الحرب " عنوانا لأحد كتبه النثرية ، وفي قصيدة " خلاف ، غير لغوي ، مع امريء القيس " / ياسر عرفات " كتب :
" لم يكن دمنا يتكلم في الميكروفونات في
ذلك اليوم ، يوم اتكأنا على لغة
بعثرت قلبها عندما غيرت دربها ، لم
يقل أحد لامريء القيس : ماذا صنعت
بنا وبنفسك ؟ فاذهب على درب
قيصر ، خلف دخان يطل من
الوقت أسود ، واذهب على درب
قيصر ، وحدك ، وحدك
وأترك لنا ، ههنا ، لغتك !" .
هل كان محمود درويش يكتب عن العام ١٩٩٥ أم عن العام ٢٠٢١ .
هل قصد الشاعر أن الثورة الفلسطينية بعثرت قلبها عندما غيرت دربها ؟
ما أكثر الكتابات في هذه الأيام عن فتح في بداياتها وفتح فيما هي عليه الآن !
أحد الروائيين الفتحاويين ممن أفادوا من أوسلو وأثروا ، ومثله بعض الشعراء أيضا ، يبكون في كتاباتهم الزمن الجميل ويشتمون زمننا وينعتونه بالزمن الوغد و ... أي والله !!
في روايته " الشوك والقرنفل " ٢٠٠٤ يكتب السيد يحيى السنوار عن تفشي ظاهرة العملاء ، بين أبناء الشعب الفلسطيني ، إبان الانتفاضة الأولى ، ويأتي على ملاحقتهم وتصفيتهم ، لأنهم كانوا يكتبون تقارير عن المنتفضين ، وفي فمي ماء ... .
٦ تموز ٢٠٢١ .
١٣
فتاة نابلس ١٤ :
مكالمات الهاتف لدراسة أحوال أسرة فلسطينية وكتابة رواية عن عوالمها الداخلية :
ماذا لو اشتغل كاتب روائي عامل سنترال أو موظفا في جوال ، وماذا إن كان رجل مخابرات إسرائيلية يتقن العربية يعمل في شركة الاتصالات الإسرائيلية أو إن رصدت المخابرات الإسرائيلية حياتنا من خلال مكالمات عائلاتنا ؟!
أعتقد أن كثيرين من شباب المقاومة قضوا بعد أن رصد الاحتلال تحركاتهم من خلال محادثاتهم الهاتفية ، وليس اعتقادي هذا بدعة أو اكتشافا فهو يتردد على السنة كثيرين ومنهم رجال مخابرات في الأمن الوقائي الفلسطيني .
وماذا لو درس عالم اجتماع المجتمع الفلسطيني بأسره اعتمادا على محتوى المحادثات الهاتفية ؟ ما النتيجة التي سيصل إليها عن هذا المجتمع ؟
في الطبعة الموسعة من كتابه " المجتمع العربي المعاصر " درس المرحوم حليم بركات المتوفى في ٢٣ حزيران ٢٠٢٣ الرواية العربية واتجاهاتها . اتكأ على الرواية لتقديم صورة للمجتمع العربي ، وكان الاستشراق الإسرائيلي قبل ١٩٦٧ درس كتابات نوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس لاستخراج صورة للشخصية المصرية التي هو في حالة صراع وحرب معها ، ويقال إنه فهم نفسية عدوه من أدبه .
كتبت من قبل مرتين عن مصدر DEAN DILLEY في تكوين صورة عن شخوصه ، وعن اندهاش أمير من معرفة الأمريكي عن حياته ومصدر معلوماته عنها .
بعد عودة أمير من زيارته القصيرة إلى دبي حيث أجرى مقابلة عمل ينزوي في بيته ، ونلم بوصف دقيق لما يمارسه أفراد العائلة ؛ الأب والكتاب الذي يقرأ فيه : مذكرات الرئيس الأمريكي نيكسون ، وعودة سارة الأخت إلى البيت ومحادثتها عبر الهاتف مع صديقة لها ، وجلوس الأم في المطبخ بعد عودتها من العمل واحتسائها الويسكي وحوارها مع ابنها .
لنر هذا الوصف لمحادثة سارة على الهاتف وهو ما قد يعطي انطباعا عن كثير من محادثاتنا على الهواتف وكيف ينظر إليها السارد :
" Amir heard Sara open the front door downstairs , followed by the usual storm of carelessly dropped possessions , one side of a loud gossipy telephone conversation....
"
والسطر المهم لي هنا هو ؛
One side of a loud gossipy conversation..
(بصوت عال جانب من محادثة نميمية / من محادثة ثرثرة كلام )
قدمت روايات نجيب محفوظ صورة للحارة والعائلة المصرية ، وقدمت سحر خليفة صورة لنابلس والعائلة النابلسية ، وقد ترجمت أهم نتاجات الأول إلى اللغات العالمية وترجمت نتاجات الثانية كلها إلى العديد من اللغات ، ومن خلال رواياتهما وروايات آخرين شكل المهتمون بالعالم العربي صورة عن مجتمعاته . الآن في هذه الرواية نقرأ صورة للعائلة النابلسية والمجتمغ النابلسي أيضا .
هذا باب للدراسات الأدبية المقارنة .
6 / 7 / 2023
١٤
غزة ( ٢٧٤ ) :
أن تقضي العمر لاجئا
شريط الفيديو اللافت الذي أدرجته على صفحتي قبل يومين لرجل سبعيني في مثل عمري ذكرني بأسطر شعرية للشاعر العراقي سعدي يوسف طالما كتبتها في هذا الفضاء :
" أن تقضي العمر مغتربا
حرفة ترتضيها ولا ترتضيها
ولكنك اليوم تملك بين اغترابك والنخل
خطوتك الملكية معناك .. "
ويصح أن نستبدل مفردة نازح أو لاجيء بمفردة مغترب ، علما بأن الفلسطيني منذ ١٩٤٨ يعيش نازحا لاجئا مغتربا فقيرا معدما مشتتا .
يحمل الرجل السبعيني فراشه على ظهره ويسير في الشارع على غير هدى يسأل :
- أين نذهب بعد اللجوء الرابع الخامس ؟
ويضيف :
- والله سأموت وأنا في الشارع أمشي وأمشي .
وافقت حماس على المقترحات ولن يوافق رئيس الوزراء الإسرائيلي . والعامل الغزي الذي صور شريطا يخاطب فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن ينهي الحرب ليعيش الفلسطينيون والإسرائيليون معا كما كانوا قبل العام ١٩٨٧ يأكلون من صحن واحد ، فلا غنى لطرف عن الآخر ، العامل الغزي مثلي بسيط وساذج ، وكنت في بداية الحرب طلبت من ( أبو يائير ) أن يكون ( غورباتشوف ) القرن الحادي والعشرين - يا لي من ساذج !
هل نسيت قصة الكاتب التشيكي اليهودي ( فرانز كافكا ) " بنات آوى وعرب " التي يذهب فيها إلى أن العداوة بينهما في الدم .
كل الحق على الفكر الماركسي الذي جعلني لا آخذ برابطة الدم التي يؤمن بها ( أبو يائير ) ووزيراه ( سموتريتش ) و ( بن غفير ) .
الكاتب القصصي يسري الغول يكتب عن حالة أهل شمال غزة :
" نحن نجوع في مدينة غزة وشمالها " .
والأوضاع في الضفة الغربية كانت في اليومين الماضيين دموية ، فقد ارتقى تسعة شهداء ، وبعض أهل غزة سرقوا أثاث المستشفى الأوروبي ، ما ذكرني بما جرى في معسكر الجيش الأردني قرب مخيم عسكر القديم في عقب هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، وما ذكرني أيضا بما جرى في مدن أمريكية في السنوات الأخيرة . في لحظات ما تدب الفوضى فيخرج قليل من السيء في الإنسان .
في صفحة صفحة مخيم النصيرات كتب أسامة أبو عاصي Osama Abu Asi عن المفاوضات " ردينا على ردكم اللي رديتو فيه على ردنا اللي ردينا في على ردكم اللي رديتو في على تعديلاتنا على ردكم ... "
عندنا أمثال شعبية عديدة تصور الحالة :
- رب وزيت وزيت ورب
- ينفخ في قربة مثقوبة
ولن ننسى أسطورة سيزيف وطائر العنقاء ومسرحية غسان كنفاني " الباب " و ... و ... ومنذ وعينا ونحن نسمع عن مبادرات ومفاوضات وآخرها جهود المصالحة بين فتح وحماس .. سبعة عشر عاما ولا نتيجة .
٦ / ٧ / ٢٠٢٤ .
١٥
هواجس من وحي ما يجري في غزة :
تلاميذ غزة وأطفالها
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
في انتفاضة ١٩٨٧ كتب نزار قباني قصيدته " يا تلاميذ غزة " وطلب منهم فيها أن يعلموا العرب بعض ما عندهم من رجولة ، فالرجال في العالم العربي صاروا عجينا ، وأن يعلموهم كيف الحجارة تغدو ، بين أيديهم ، ماسا ثمينا وأن يعلموهم :
" كيف تغدو دراجة الطفل لغما وشريط الحرير كمينا ، وكيف تحولت مصاصة الحليب سكينا .
وألا يبالوا بإذاعات العرب وألا يسمعوها .
وبإيجاز مدح الشاعر تلاميذ غزة ووسمهم بالبطولة وواصل جلد الذات القومية ، فالعرب يتسمون بالحساب والجمع والطرح . إنهم الهاربون من خدمة الجيش ، لهذا يستحقون الشنق . إنهم موتى لا يملكون ضريحا ، ويتامى لا يملكون عيونا ، لزموا جحورهم وطلبوا من تلاميذ غزة أن يقاتلوا التنينا . لقد صغروا أمام تلاميذ غزة ألف قرن :
" لا تعودوا إلى كتاباتنا ولا تقرأونا
نحن آباؤكم فلا تشبهونا
نحن أصنامكم فلا تعبدونا
نتعاطى القات السياسي والقمع
ونبني مقابرا أو سجونا
حررونا من عقدة الخوف فينا
واطردوا من رؤوسنا الأفيونا "
.. الخ الخ
نقرأ نثرا قريبا في نغمته من شعر نزار في كتابة الأردني عبد الهادي راجي المجالي ، فقد خاطب في غير مقال غزة وسكانها ومقاتليها ، وآخر مقال له عنوانه " المذهب التفجيري " ، وفيه يطلب من الشاب المقاتل الغزي الذي فجر دبابة أن يعلمه مذهبه الذي سماه المذهب التفجيري " أنا على مذهبك يا شيخي .. فاعقد درسك من اليوم على بقايا دباباتهم وعلمنا أن نكتب تعاليمك على عبوات ( ال شو اظ ) ووصاياك يا إمامي وشيخي سندونها ( بال ي ا سين 105 ) .. " .
ثمة صورة أسطورية تبرزها القصيدة والمقالة ، وهي صورة ليست بعيدة عن المخيلة الشعبية الفلسطينية والعربية ؛ صورة يسمعها المرء حين يكون في حافلة عامة .
قبل شهرين صعدت حافلة عمومية أقلت معلمة حكومية اشترت سجادة ، وتمكنت من ذلك لاستلامها جزءا من راتبها . كانت الموظفة تتجاذب والسائق أطراف الحديث ، وقد أتت على مهنتها معلمة للغة الإنجليزية وما تفعله مع تلاميذ غزة . ثمنت قدرتهم على الاستيعاب عاليا وقللت من قدرة تلاميذ مدرستها . قالت إنها تعلم ألفي تلميذ غزاوي تعليما إلكترونيا وكلهم يتفاعلون معها . لقد أبرزت لهم صورة أسطورية يحذرنا منها بعض كتاب غزة ، بل إننا حين نشاهد بعض أشرطة الفيديو التي يظهر فيها الأطفال جائعين منهكين باكين آباءهم أو أمهاتهم الذين قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي نعرف أن أطفال غزة أطفال عاديون يفرحون ويحزنون ويتأثرون بالظروف التي يمرون بها ؛ سلبا أوإيجابا . إن جاعوا صرخوا يريدون الرغيف وإن عطشوا بكوا يسألون عن الماء ، وإن فقدوا آباءهم أو أمهاتهم جلسوا قرب الجسد المسجى يذرفون الدموع ويناشدون الأب أو الأم بأن يعودوا لهم ، فهم لا يقوون على مواجهة الحياة بلا والدين . حقا ان الطفل فيصل الخالدي الذي قتل الجنود أمه الحامل وأباه ، داخل بيتهم أمام عينه ، بدا طفلا أسطورة ، فتكلم عما شاهد برباطة جأش ، فأذهل كل من شاهده وأصغى إليه ، لكنه لم يكن صورة لأطفال غزة كلهم ، فهناك العشرات غيره لم يظهروا ، حين فقدوا أحد والديهم ، متماسكين مثله . لقد بكوا ، بل وأجهشوا بالبكاء ، وحين جاعوا صرخوا : " بدي خبز. بدي آكل " ، ولم تفلح أمهاتهم بالضحك عليهم تصبرهم وهي تطبخ لهم اللاشيء كتمثيلية عساهم ينامون .
من أبرز الصور صورة طفلة برجل واحدة تقف وبيدها عكاز على شاطيء البحر . هذه الطفلة سألت الطبيب ببراءة :
- دكتور متى ستنبت لي قدمي ؟
وكما أن الأطفال ليسوا أسطوريين فإن آباءهم وأمهاتهم لم يكونوا أيضا كذلك . لقد بكوا أبناءهم وبناتهم وعبروا عن حسرتهم جراء الفقد . هل ننسى صرخة والدة الطفل يوسف أبو شعر كيرلي ؟ هل ننسى عبارة والد حسن الذي غنى " اشهد يا عالم علينا وهدموا بيوت " :
- كسرت ظهري يا حسن .
حقا ان الذاكرة تحفل بقصص مشابهة ، مثل قصة الطفلة هدى أبو غالية ، التي فقدت أسرتها على شط البحر بالكامل ، وفيها كتب محمود درويش " الفتاة / الصرخة " ، وفي الحرب هذه سنقرأ عن " الطفلة هلا أبو دهليز ( ١٢ عاما ) التي كانت تتأرجح قرب خيمة نزوحها ، حين باغتتها غارة إسرائيلية دمرت ما تبقى من طفولتها . سقطت الأرجوحة فوقها ، فمزقت فروة رأسها بالكامل ، واقتلعت شعرها من الجذور تاركة جراحا لا تشفى في الجسد وفي الروح . في إحدى الصور تمسك بخصلة شعرها ، كأنها تتمسك بما تبقى من ماضيها ، وفي أخرى تنظر بحزن إلى صورتها قبل الإصابة ، وثمة صورة لها بعد الإصابة ، ولا تزال رهينة الحصار ، عاجزة عن مغادرة غزة لتلقي العلاج ( عن صفحة أحمد نصر ).
و في صفحة سماح نصار تدرج صورة أحمد الحناوي مع طفلتيه وتكتب " عائلة شهيدة . شاب في بداية الثلاثينيات من عمره وطفلتان بملابس أنيقة والصحة بادية عليهما ... جمال لافت .
في صفحة أحمد نصر شريط فيديو لغزاوي ارتقى وهو يبحث عن طحين . حول جثته طفله ابن السابعة يبكيه : بابا بابا .. يا عمي وين بابا .. أمانة .. .
وماذا عن تلاميذ غزة الآن ؟
إنهم منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ بلا مدارس يهيمون في الشوارع أو يقتلون وهم في الخيام .
حالة تعبانة .
( السبت ١٢ / ٧ / ٢٠٢٥ )
( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ١٣ / ٧ / ٢٠٢٥ ) .