خالد صالح عطية - حين يتغير المشروع… ويبقى الفلسطيني أسير مرحلته

ليست أخطر اللحظات في تاريخ المشاريع السياسية تلك التي تتغير فيها سياساتها، بل تلك التي تتغير فيها حاجتها إلى الأقنعة. فكل مشروع تاريخي يحمل دائماً وجهين؛ وجهًا يمارس القوة، ووجهًا يبررها. وحين يشعر أن القوة وحدها أصبحت كافية، يبدأ بالتخلي تدريجياً عن اللغة التي كانت تمنحه الشرعية، لا لأنه أصبح أكثر شراسة، بل لأنه لم يعد يرى ضرورة للاختباء خلفها. ومن هنا، لا تبدو التحولات الجارية داخل إسرائيل مجرد صعود لحكومة أكثر تطرفاً، ولا مجرد أزمة بين السلطة التنفيذية والمحكمة العليا، ولا حتى انتقالاً من الديمقراطية إلى الفاشية، كما يذهب كثير من التحليل السياسي. فالمشروع الصهيوني، بوصفه مشروعاً استعمارياً استيطانياً إحلالياً، لم يكن ديمقراطياً تجاه الشعب الفلسطيني في أي مرحلة من تاريخه، لكن الجديد أن القيود التي كانت تضبط هذا المشروع داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه بدأت تتآكل، وكأن إسرائيل لم تعد تحتاج إلى الصورة التي صنعتها لنفسها طوال عقود. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: لماذا الآن؟ ولماذا لم تصل إسرائيل إلى هذه المرحلة قبل ثلاثة عقود؟ وهل كان السابع من تشرين الأول/أكتوبر لحظة التحول، أم أنه كشف تحولاً كان يتشكل بصمت منذ سنوات؟ والسؤال الأكثر إلحاحاً فلسطينياً: إذا كان المشروع الصهيوني يعيد تعريف نفسه بهذه السرعة، فلماذا ما يزال الفلسطيني الرسمي يتحرك بعقل المرحلة التي انتهت؟

إن ما يجري داخل إسرائيل ليس انقلاباً سياسياً عابراً، بل انتقالاً من مرحلة تاريخية إلى أخرى. فمنذ قيام الدولة احتاج المشروع الصهيوني إلى معادلة دقيقة تجمع بين عنصرين متلازمين: التفوق العسكري من جهة، والشرعية الليبرالية الغربية من جهة أخرى. كانت القوة ضرورية للاستيطان، لكن الشرعية كانت ضرورية لاستمراره. ولهذا احتفظت إسرائيل بقضاء مستقل نسبياً، وصحافة أكثر حرية، وتعددية حزبية، لأنها كانت جزءاً من صورتها أمام الغرب، لا لأنها كانت خارج منطقها الاستيطاني. لقد أدت هذه المؤسسات وظيفة مزدوجة؛ تنظيم التنافس داخل المجتمع الإسرائيلي، وتقديم إسرائيل للعالم باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، بينما بقي الفلسطيني خارج هذا التعريف منذ البداية.

لكن البيئة التي أنتجت هذه المعادلة لم تعد قائمة. فقد انتهى أولاً وهم التسوية. لم تعد النخب الإسرائيلية، بما فيها قطاعات واسعة من الوسط واليمين، تتحدث عن إنهاء الصراع، بل عن إدارته أو حسمه. ومع تراجع فكرة التسوية، فقدت المؤسسات الليبرالية جانباً من وظيفتها السياسية التي كانت تمنح المشروع الاستيطاني غطاءً أخلاقياً أمام العالم.

وفي الوقت نفسه، تغير المجتمع الإسرائيلي نفسه. لم تعد النخبة الأشكنازية العلمانية التي أسست الدولة هي القوة الاجتماعية المهيمنة، بل صعدت كتلة اجتماعية جديدة تتكون من المستوطنين، والتيار الديني القومي، والأحزاب العقائدية، وأجيال نشأت في ظل الاحتلال ولم تعرف غيره. وبذلك لم يعد اليمين مجرد أغلبية انتخابية قابلة للتبدل، بل أصبح تعبيراً عن تحول بنيوي في المجتمع والدولة معاً.

إلى جانب ذلك، اصطدم المشروع الصهيوني بحقيقته الأساسية؛ فبعد أكثر من قرن من الاستيطان والاقتلاع والحروب، ما يزال الفلسطيني موجوداً، بل أكثر حضوراً سياسياً وأخلاقياً. وما كان يُراد له أن يتحول إلى ملف منتهي عاد ليصبح مركزاً للصراع الإقليمي، وموضوعاً للنقاش العالمي. وهنا بدأ المشروع يفقد الثقة بقدرته على إنتاج النتيجة التي قام من أجلها.

في هذا السياق جاء السابع من تشرين الأول/أكتوبر. لكنه، في تقديري، لم يصنع التحول، بل كشفه وسرّع إيقاعه. فقد أسقط ثلاث مسلمات تأسست عليها العقيدة الإسرائيلية طوال العقود الماضية: أن الردع العسكري كافٍ لضبط الفلسطينيين، وأن الفلسطيني يمكن احتواؤه داخل منظومات السيطرة، وأن الزمن يعمل تلقائياً لمصلحة المشروع الصهيوني. ومع انهيار هذه المسلمات، انتقلت إسرائيل من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه، ومن احتواء الفلسطيني إلى محاولة إعادة تشكيله ديموغرافياً وجغرافياً، ومن الحرص على صورتها الدولية إلى الاكتفاء بمنطق القوة المجردة.

غير أن هذه النقلة نفسها أفرزت مفارقة عميقة. فكلما ازداد استخدام القوة، تراجعت الشرعية الدولية. وكلما اتسعت الحرب، ازداد انكشاف الطبيعة الاستعمارية للمشروع الصهيوني أمام الرأي العام العالمي. وكلما حاولت إسرائيل فرض وقائع نهائية، اتسعت عزلتها الأخلاقية والسياسية. وهكذا تحولت القوة ذاتها إلى مصدر أزمة بنيوية، لأنها لم تعد تنتج شرعية، بل باتت تستهلك ما تبقى منها.

لم تعد المواجهة اليوم بين مشروع تحرري ومشروع استعماري بالصيغة التي عرفها القرن العشرون، بل بين مشروع استعماري يحاول إنقاذ نفسه عبر مزيد من العنف، وشعب استطاع أن يهزم أهم ما كان يملكه هذا المشروع: شرعيته الأخلاقية والسياسية. ولذلك لم يعد ميزان القوة يُقاس بالدبابات وحدها، بل بالقدرة على إنتاج الشرعية أيضاً. فكلما توسعت إسرائيل في استخدام القوة، تراجعت قدرتها على تبريرها، وكلما اتسعت عزلتها، ازدادت حاجتها إلى مزيد من القوة، لتدخل في حلقة بنيوية يصعب الخروج منها.

لكن إذا كانت إسرائيل تعيش تحوّلها البنيوي، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بالفلسطيني. فالمفارقة أن المشروع الصهيوني يعيد تعريف أدواته، بينما ما يزال الفلسطيني الرسمي يتحرك ضمن بنية سياسية صيغت لمرحلة تاريخية انتهت. فالسلطة التي أنشئت لإدارة مرحلة انتقالية مؤقتة تحولت إلى إطار دائم لإدارة الواقع، ومنظمة التحرير التي وُجدت لقيادة مشروع تحرري لم تستعد دورها التأسيسي، والفصائل، بدرجات متفاوتة، انشغلت بإعادة إنتاج ذواتها التنظيمية أكثر من انشغالها بإعادة إنتاج المشروع الوطني. ولذلك لم تعد الأزمة أزمة أشخاص، ولا أزمة حكومة أو فصيل، بل أزمة الحامل السياسي الفلسطيني نفسه.

والسبب في ذلك أن الحامل السياسي الفلسطيني الحالي وُلد داخل مرحلة التسوية، ولذلك ما زال يقرأ العالم بمنطق ميزان القوى الذي نشأ بعد أوسلو، بينما العالم نفسه بدأ يتحرك إلى مرحلة مختلفة، تتراجع فيها مركزية القوة العسكرية لصالح الشرعية،والرأيالعام، والقانون الدولي،
والفاعلين المجتمعيين. أي أن الأزمة ليست أزمة قيادة فقط، بل أزمة بنية سياسية ما زالت تنتمي إلى نظام دولي يتفكك أمامها.

وهنا تظهر مفارقة تاريخية نادرة؛ فالشعب الفلسطيني اليوم يمتلك حضوراً أخلاقياً وسياسياً عالمياً غير مسبوق، وتتعاظم مكانة قضيته في الجامعات، والإعلام، والثقافة، والرأي العام الدولي، بينما يفتقر في المقابل إلى بنية سياسية قادرة على تحويل هذا الرصيد إلى قوة استراتيجية. لقد سبق المجتمع الفلسطيني نظامه السياسي، وسبق الرأي العام العالمي الدبلوماسية الفلسطينية، وسبق الفعل الشعبي المؤسسة الرسمية.

ولهذا، فإن التحدي الفلسطيني لم يعد يقتصر على مقاومة مشروع استعماري يتغير، بل أصبح يتطلب إعادة بناء الذات السياسية أيضاً. لم تعد القضية مجرد إعادة إنتاج السلطة، أو توزيع المقاعد، أو إجراء انتخابات داخل البنية القائمة، بل إعادة تأسيس الحامل الوطني برمته؛ حامل يقوم على عقد سياسي جامع، ويستوعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويحول تعدد مواقع الفعل إلى مصدر قوة لا إلى مصدر انقسام، ويجعل المؤسسات أدوات لخدمة المشروع الوطني لا بديلاً عنه.

وربما تكمن المفارقة الأخيرة في أن إسرائيل، وهي تتخلى تدريجياً عن أقنعتها الليبرالية، تبدو وكأنها تعود إلى صورتها الأصلية بوصفها مشروعاً استعمارياً لا يحتاج إلى كثير من التجميل. لكن هذا الانكشاف، الذي يبدو اليوم مصدر قوة، قد يتحول غداً إلى بداية أزمتها التاريخية، لأنه يبدد الرصيد الأخلاقي والسياسي الذي احتاجته طويلاً لكي تحافظ على موقعها داخل المنظومة الغربية.

إن التحولات البنيوية لا تمنح الفاعلين مهلةً للتكيف معها، بل تعيد توزيع المكانة بين من يقرأها ومن يتأخر عنها. فالمشاريع السياسية لا تسقط لأنها هُزمت عسكرياً فقط، بل لأنها تستمر في الإجابة عن أسئلة لم تعد موجودة، بينما يولد العالم حولها بأسئلة جديدة.

أما فلسطين، فإن معركتها لم تعد فقط مع مشروع يتغير، بل مع قدرتها هي على أن تتغير أيضاً. فالتاريخ لا يرحم المشاريع التي تتحرك بأدوات الأمس في زمن التحولات الكبرى. وإذا كانت إسرائيل تعيد تعريف أدواتها لمواجهة مرحلة جديدة، فإن السؤال الفلسطيني لم يعد: كيف نقاوم إسرائيل؟ بل أصبح: أي حامل سياسي جديد يستطيع تحويل التحول التاريخي الذي صنعه صمود الشعب الفلسطيني إلى مشروع وطني قادر على إنتاج المستقبل؟ ففي لحظات التحول الكبرى، لا ينتصر من يقرأ خصمه فقط، بل من يمتلك الشجاعة لإعادة قراءة نفسه أيضاً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى