د. ابراهيم عروش الدريسي - عين اعلي مومن.. الخوف المخدِّر

للطفولة بالمزيندة طرائقها الخاصة في صناعة الأساطير. يكفي لقب عابر أو حكاية تتناقلها الألسن حتى يتحول رجل عادي إلى شخصية أكبر من الواقع. ومن بين الوجوه التي ما زالت تسكن ذاكرتي رجل كان يُعرف بين الناس بلقب عين اعلي مومن. ولم أكن يومها أعلم أن الاسم يعود إلى سجن قديم بنواحي سطات، لكن ما كان يصل إلى أسماعنا نحن الصغار أن الرجل دخله ذات زمن بتهمة القتل، فصار اللقب وحده كافيًا ليزرع الرهبة في النفوس.
كنا نتفادى الاقتراب منه، بل حتى بعض الكبار كانوا ينادونه بذلك اللقب خلسة وعلى سبيل الاستفزاز ثم يبتعدون وهم يضحكون. أما نحن فكان يكفينا أن نراه من بعيد حتى نتفرق كالعصافير. ولم نكن نعرف عنه سوى تلك الحكاية التي كبرت في مخيلتنا أكثر مما كبرت في الواقع.
لكن الغريب أن صورة الرجل في ذاكرتي لم تكن كلها خوفًا. فقد كان من الوجوه المألوفة في مواسم التبوريدة والأفراح الشعبية التي كانت تجمع فرسان الدوار والقبائل المجاورة. كنت أراه يرافق أصدقاء والدي، خالي علال خوليق وخالي ميلود بطال، المعروف بين الناس بـمول العود. وهناك، بعيدًا عن الأساطير التي أحطناه بها، كان يؤدي دورًا بسيطًا ولكنه أساسي؛ ينظف البنادق التقليدية، ويملؤها بالبارود، ويهيئها للفرسان قبل انطلاق السربة. كانت يداه اللتان أخافتانا كثيرًا تتحركان بثقة وخبرة بين البنادق الطويلة ورائحة البارود التي تملأ المكان.
ومع ذلك ظل بالنسبة إلينا ذلك الرجل الغامض الذي لا يُقترب منه.
ثم جاء يوم ختاني.
ما زلت أرى ذلك اليوم كأنه مشهد محفوظ في ذاكرة لا يطالها النسيان. كنت أرتدي فوقية خضراء جديدة وصندالًا جلديًا، وأحمل شكارة مراكشية أقنعوني بأنها ستعود ممتلئة بالنقود والهدايا. كان ابن خالي سي أحمد، الذي سبقني إلى هذه التجربة، يلازمني ويزيد من توتري وهو يردد:
إياك أن يقول لك الحجام: شوف الفريخ… إنها خدعة حتى يغفلك.
فحملت الوصية معي إلى الغرفة التي كان ينتظر فيها الحجام.
هناك كانت القصرية مقلوبة في الوسط، وقد تحولت إلى منصة صغيرة يجلس عليها الطفل المقبل على الختان. وإلى جانبها بعض من براز النعاج الذي كانت العادة تستعمله لحماية موضع الجرح. وفصل القلفة (الجلدة) عن العضو ،كانت التفاصيل كلها تزيد المشهد رهبة في عيني طفل لا يفهم من الأمر سوى أنه مقبل على امتحان مخيف.

1783375341971.png

وبينما كنت أراقب القصرية ومقص الحجام بعينين مذعورتين، أحسست فجأة بيدين قويتين تمسكان بي من خلف ساقي بدون إذن وتضعانني فوق القصرية.
صرخت بكل ما أوتيت من خوف.
التفت بسرعة لأرى صاحب اليدين
فإذا به عين اعلي مومن.
في تلك اللحظة حدث أمر عجيب. توقف الصراخ فجأة، وكأن الخوف الأكبر ابتلع الخوف الأصغر. نسيت الحجام، ونسيت المقص، ونسيت وصية الفريخ كلها. لم يعد في المشهد سوى وجه الرجل الذي أرعب طفولتنا سنوات طويلة.
كان حضوره بالنسبة إلي أشبه بمخدر غريب المفعول. لم أعد أشعر بشيء، ولم أعد أتابع ما يجري حولي. وحتى عندما انتهى الحجام من عمله لم أفق من ذلك الذهول إلا وعين اعلي مومن يرفعني برفق ويوقفني على قدمي.
في الخارج كانت موسيقى وثرة مسعود الدكالي المسناوي تملأ الفضاء والنساء يملأنه بالزغاريد والأهازيج:
الحجام الله الله يهديك…راه وليدي بين يديك.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، لا أستعيد تلك الصورة إلا وفيها شيء من الدهشة والحنين معًا. فالرجل الذي صنعنا منه وحشًا في مخيلتنا لم يكن سوى واحد من رجال القرية، عاش بين الناس، ورافق الفرسان في مواسم التبوريدة، وهيأ بنادقهم، وشاركهم أفراحهم. بل إن اليدين اللتين كنا نخشاهما أكثر من أي شيء آخر كانتا، في لحظة حاسمة من طفولتي، أكثر اليدين قدرة على تهدئة خوفي.
هكذا تفعل الذاكرة بنا؛ تكسو الوجوه بما تشاء من رهبة، ثم تتركنا نكتشف متأخرين أن الحقيقة كانت أهدأ، وأقرب إلى الإنسان. الذاكرة تُخيف، والحقيقة تُنصف.

د. ابراهيم عروش الدريسي



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى