القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان تُفند مزاعم نتنياهو:

القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان تُفند مزاعم نتنياهو:

الحرب على الرواية... ومحاولة إعادة رسم خرائط النفوذ في جنوب لبنان

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لم يكن النفي الصادر عن بلديات ومخاتير وفعاليات القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان مجرد رد على تصريح إعلامي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بل جاء ليحسم محاولة إسرائيلية لإنتاج رواية سياسية جديدة تسعى إلى إضفاء شرعية على استمرار وجودها العسكري في الجنوب اللبناني، وإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي للمنطقة عبر أدوات الحرب النفسية والإعلامية.

فقد نفت القرى المسيحية الحدودية بصورة قاطعة صحة الادعاءات التي تحدثت عن طلب سكانها الانضمام إلى إسرائيل أو الحصول على الجنسية الإسرائيلية، مؤكدة تمسكها بالدولة اللبنانية ووحدة أراضيها ورفضها القاطع لأي محاولة لتوظيف معاناة سكان الجنوب في خدمة مشاريع سياسية أو أمنية إسرائيلية.

ويكتسب هذا الموقف أهمية استثنائية لأنه جاء بإجماع البلديات والفعاليات المحلية، الأمر الذي أسقط سريعاً الرواية التي حاول نتنياهو تسويقها للرأي العام الإسرائيلي والدولي، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والعسكرية على حكومته داخلياً وخارجياً.

إن تصريحات نتنياهو لا يمكن فصلها عن الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إدارة الصراع عبر السيطرة على الرواية بقدر السيطرة على الأرض. فمنذ اندلاع الحرب على لبنان، تعمل إسرائيل على تبرير استمرار عملياتها العسكرية باعتبارها ضرورة أمنية، وتسعى إلى تصوير وجودها في الجنوب باعتباره استجابة لرغبات بعض السكان المحليين، وليس احتلالاً ترفضه قواعد القانون الدولي.

وتاريخياً، اعتمدت إسرائيل في أكثر من محطة على بناء روايات سياسية تمنح سياساتها بعداً أخلاقياً أو إنسانياً، سواء تحت عنوان حماية الأقليات أو مكافحة الإرهاب أو الدفاع عن النفس. ويأتي الحديث عن "طلب قرى مسيحية الانضمام إلى إسرائيل" ضمن هذا السياق، إذ يخاطب بصورة مباشرة الرأي العام الغربي، ولا سيما الأوساط التي تنظر إلى حماية الأقليات الدينية باعتبارها أولوية سياسية وأخلاقية.

إلا أن الوقائع الميدانية تناقض هذه المزاعم؛ فالقرى المسيحية في جنوب لبنان لم تكن بمنأى عن القصف الإسرائيلي الذي طال منازلها وكنائسها وبنيتها التحتية، وأدى إلى نزوح آلاف من سكانها، شأنها شأن بقية البلدات الجنوبية، ما يجعل الادعاء بأن إسرائيل تمثل مصدر حماية لهذه القرى أمراً يفتقر إلى المصداقية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تبدو تصريحات نتنياهو جزءاً من مشروع أوسع لإعادة صياغة البيئة الأمنية على الحدود اللبنانية. فبعد أن عجزت إسرائيل عن تحقيق حسم عسكري كامل، تتجه إلى تثبيت وقائع سياسية وأمنية جديدة، تقوم على استمرار حرية الحركة العسكرية داخل الجنوب اللبناني، وإقامة منطقة نفوذ أمنية غير معلنة، بما يحقق هدفها التقليدي المتمثل في إبعاد أي تهديد عن مستوطنات شمال فلسطين المحتلة.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، التي أكد فيها استمرار العمليات العسكرية والاستعداد للانتقال إلى عمليات هجومية عند الضرورة، دلالة واضحة على أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لا تنظر إلى اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره نهاية للمواجهة، وإنما مرحلة ضمن استراتيجية ردع طويلة الأمد.

كما أن حديث نتنياهو عن القرى المسيحية يتجاوز البعد الأمني إلى محاولة التأثير في النسيج الوطني اللبناني، عبر الإيحاء بوجود تباينات في المواقف الوطنية بين مكونات المجتمع اللبناني، وهو ما سعت القرى المعنية إلى نفيه بصورة جماعية، مؤكدة أن انتماءها الوطني للبنان غير قابل للمساومة.

ومن زاوية القانون الدولي، فإن أي حديث عن رغبة سكان منطقة واقعة تحت الاحتلال أو التهديد العسكري بالانضمام إلى دولة الاحتلال لا يترتب عليه أي أثر قانوني. فميثاق الأمم المتحدة يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، كما تؤكد اتفاقيات جنيف أن الاحتلال لا يمنح الدولة المحتلة أي حق في تغيير الوضع القانوني أو الديموغرافي أو السياسي للأراضي التي تسيطر عليها بالقوة. كما أن مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها يمثل أحد الركائز الأساسية للنظام الدولي المعاصر.

ولا يمكن تجاهل البعد السياسي الداخلي في تصريحات نتنياهو، فهي تأتي في وقت يواجه فيه ضغوطاً متزايدة على خلفية الحرب في غزة، واستمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، وتنامي الانتقادات الدولية لسلوك حكومته. ومن ثم فإن تقديم إسرائيل باعتبارها دولة تحظى بقبول أو تأييد من بعض المجتمعات العربية الحدودية يمثل محاولة لتخفيف الضغوط السياسية والدبلوماسية، وإعادة تسويق سياستها الأمنية أمام الحلفاء الغربيين.

وفي المقابل، فإن البيان الصادر عن القرى المسيحية الحدودية حمل رسالة واضحة مفادها أن التنوع الديني في لبنان لا يمكن أن يتحول إلى مدخل لتقسيم الولاءات الوطنية أو لتبرير الاحتلال، وأن معاناة السكان من الحرب لا تعني القبول بأي مشاريع تمس سيادة الدولة أو وحدة أراضيها.

إن أخطر ما في هذه التصريحات ليس مضمونها فحسب، بل ما تعكسه من توجه إسرائيلي لإعادة تشكيل الواقع الحدودي عبر أدوات سياسية وإعلامية ونفسية، بالتوازي مع الأدوات العسكرية. فإسرائيل تدرك أن تثبيت أي وجود طويل الأمد لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى بناء رواية سياسية تمنحه شرعية أمام المجتمع الدولي.

وفي المحصلة، فإن النفي اللبناني الجماعي لهذه المزاعم أسقط محاولة مبكرة لإعادة إنتاج مشهد سياسي شبيه بتجربة "الحزام الأمني" السابقة، وأكد أن الجنوب اللبناني، بكل مكوناته، لا يزال ينظر إلى الاحتلال باعتباره احتلالاً، وإلى سيادة الدولة اللبنانية باعتبارها الإطار الوحيد الذي يجمع أبناءه.

ويبقى السلام الحقيقي في المنطقة رهناً باحترام قواعد القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، والالتزام بسيادة الدول، والامتناع عن توظيف الانقسامات الدينية أو الطائفية لتحقيق مكاسب جيوسياسية مؤقتة، لأن الأمن المستدام لا يُبنى على فرض الأمر الواقع، بل على العدالة والشرعية الدولية والتسويات السياسية التي تكفل حقوق جميع شعوب المنطقة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى