يحيى بركات - لا تقتلوا ترامب... دعوه يقف أمام المرآة

لا تقتلوا ترامب... دعوه يقف أمام المرآة
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
كل عملية اغتيال تبدأ برصاصة...
إلا هذه.
هذه بدأت بخبر.
والخبر، أحياناً، أخطر من الرصاصة.
هناك أخبار لا تُكتب لتخبرنا بما حدث، بل لتجعلنا نصدق ما ينبغي أن نخافه.
تلك التي تتصدر العناوين هذه الأيام، عن مخطط إيراني لاغتيال دونالد ترامب، لا تقول شيئاً عن إيران بقدر ما تقوله عن الخوف الذي يُراد لنا أن نعيش فيه. فالخبر، في جوهره، ليس تحقيقاً استخباراتياً، بل مشهداً سينمائياً يبدأ قبل أن تقع الجريمة: إسرائيل تحذّر، أمريكا تستنفر،
ترامب يعلن أنه "الهدف الأول"، والكاميرات تلتقط صورته وكأنها تودّعه.
لكن الكاميرا التي تحمل هذا النص لا تتوقف عند سطح الخبر. هي تزيح الستارة قليلاً، وتدخل إلى حيث لا تصل العناوين، لتطرح سؤالاً مختلفاً تماماً: هل من مصلحة إيران أن تغتال ترامب أصلاً؟
وهنا تظهر حكمة فلسطينية عتيقة، كأنها مأخوذة من كتاب حكمة لا يعرف الزمن حدوداً:
"لو صبر القاتل على المقتول... لمات لحاله."
ليست دعوة إلى القتل، ولا احتفاء بالموت. هي قراءة في الزمن، وإدراك أن بعض الأعداء لا يحتاجون إلى رصاصة، بل إلى أن يُتركوا واقفين طويلاً أمام مرآة لا تعرف المجاملة. لأن الرصاصة، في بعض الأحيان، لا تقتل الجسد فقط، بل تغسل التاريخ. تمحو لائحة الاتهام، وتغلق التحقيق قبل أن يصل إلى الصفحة الأخيرة، وتمنح السياسي نهاية بطولية لم يستطع أن يصنعها في حياته كلها.
تخيل معي للحظة مشهداً مختلفاً:
لو اغتيل ترامب غداً، كيف ستنتهي القصة؟
ستتوقف الأسئلة، ستُطوى الملفات، سترتفع الأعلام، وسينتقل الرجل من قفص الاتهام إلى عربة الجنازة. سيصمت خصومه احتراماً للموت، وسيتحدث أنصاره عن الرئيس الشهيد، وستخرج جنازة وطنية تعيد كتابة حياته كلها في ساعات قليلة. سيصبح في موته ما لم يستطع أن يكونه في حياته:
رئيساً يوحد الأمريكيين. قد تُسمى باسمه الشوارع والمطارات، وقد ترتفع تماثيله في الساحات التي لم يستطع أن يجمع الناس فيها إلا منقسمين. وسيبدأ المؤرخون بكتابة الجملة المريحة التي تنقذ كثيراً من الزعماء من ماضيهم: "مهما اختلفنا معه... فقد مات من أجل أمريكا."
هكذا تفعل الرصاصة أحياناً. لا تمحو الجسد فقط، بل تمحو المساءلة. تمنح السياسي ما لم يستطع أن يحققه في حياته: البراءة.
أما السيناريو الآخر، فهو أكثر هدوءاً وأشد قسوة. لا قناص، ولا خلية نائمة، ولا سيارة مفخخة. فقط ينتهي حكم ترامب، يخرج من البيت الأبيض، تنطفئ موسيقى الموكب، ويصبح الحرس أقل عدداً، والمنصة أبعد، والميكروفون لا ينتظره كل صباح. ثم تبدأ الملفات في الاقتراب. وفي مقدمتها ملف جيفري إبستين، ذلك الباب الخلفي الذي يؤدي إلى عالم من المال والنفوذ والسياسة والجنس، وإلى شبكة من العلاقات ظلت أكبر من قدرة العدالة على كشفها كاملة. وجود اسم ترامب في وثيقة أو صورة لا يشكل وحده دليلاً على ارتكاب جريمة، لكن العدالة لا تبدأ بالحكم، تبدأ بالسؤال: ماذا كان يعرف؟ متى عرف؟ ما طبيعة علاقته بإبستين؟ لماذا بقيت وثائق محجوبة؟
الرصاصة كانت ستغلق فمه إلى الأبد. أما العدالة فتطلب منه أن يتكلم. الرصاصة تمنحه ثانية واحدة من الألم، ثم تسلمه إلى الأسطورة. أما الملف فيمنحه سنوات من الأسئلة. وهذا أشد على رجل عاش حياته يصنع الأجوبة قبل أن تُطرح عليه الأسئلة.
وهنا لا بد أن تتحول الكاميرا عن إيران، وتتجه نحو إسرائيل. فالسؤال ليس فقط: هل تريد إيران اغتيال ترامب؟ بل: من يريد لترامب أن يصدق أن إيران تريد اغتياله؟
أن تخبر رئيساً أمريكياً بأن دولة معادية تطارده شخصياً ليس مجرد تحذير أمني، إنه فعل سياسي ونفسي.
حين يقتنع ترامب بأنه "الهدف الأول"، تتحول إيران في ذهنه من دولة يمكن ردعها أو التفاوض معها إلى عدو شخصي يريد قتله. وعندما يصبح الصراع شخصياً، يتراجع العقل، وتصبح التسوية ضعفاً، ويصبح التراجع عن الحرب خوفاً، وتتحول كل ضربة إسرائيلية إلى دفاع عن حياة الرئيس الأمريكي نفسه. بهذا المعنى، قد لا يكون الهدف من التسريب الإسرائيلي حماية ترامب فقط، بل منع ترامب من الابتعاد عن الحرب.
إيران تعرف أكثر من غيرها ماذا يعني أن يتحول القائد المقتول إلى رمز. لقد رأت كيف أن اغتيال علي خامنئي لم ينه حضوره في الوعي الإيراني، بل أعاد إنتاج صورته بصورة مختلفة. خرج الرجل من دائرة السياسة ودخل دائرة الذاكرة، لم يعد حاكماً يُسأل عن قراراته، بل شهيداً تُرفع صوره وتُستدعى سيرته كلما ذُكر الثأر والمظلومية. ليس الأمر مقارنة دينية، بل فهم لآلية الذاكرة: كيف يستطيع الموت أن يمنح السياسي حياة جديدة، وأن يحول الجسد الغائب إلى رمز حاضر. فهل يعقل أن يرتكب الإيرانيون مع ترامب الخطأ نفسه الذي ارتكبه خصومهم مع قائدهم؟ هل يصنعون بأيديهم شهيداً أمريكياً، بعدما رأوا كيف يصنع الدم أحياناً أسطورة لا يصنعها العمر كله؟
ثم انظر إلى يوآف غالانت. ليس لأنه سقط في معركة، بل لأنه سقط من الصورة. قبل أشهر قليلة كانت الكاميرات تبحث عنه في كل غرفة عمليات، وكانت شاشات العالم تحفظ ملامحه وهو يقف أمام الخرائط، يتحدث بلغة الجنرالات الذين يظنون أن التاريخ يُكتب من فوهة دبابة. اليوم، أين هو؟ أين ذلك الرجل الذي كان يملأ الشاشات؟ أين صوته؟ أين وجهه؟ كأن مذكرة المحكمة الجنائية الدولية لم تلاحقه وحدها، بل ابتلعت صورته، وابتلعت صوته، وتركت مكانه ظلاً يمشي في ممر طويل بلا نوافذ. في ذلك الممر لا يقف قضاة ولا محققون ولا صحفيون. هناك فقط أطفال غزة، وأمهات الجنوب اللبناني، وصفوف مدارس إيران التي تحولت إلى ركام. لا يصرخ أحد في وجهه، ولا يرفع أحد إصبعه متهماً، إنهم فقط ينظرون إليه. وفي بعض الأحيان، تكون نظرة طفل واحد أقسى من حكم محكمة.
هكذا يبدأ السقوط الحقيقي. ليس عندما تُسحب الرتبة من كتف الجنرال، بل عندما تُسحب صورته من ذاكرة الناس. عندها يدرك الإنسان أنه قد يبقى حياً سنوات طويلة، لكن التاريخ يكون قد كتب شهادة وفاته منذ زمن.
وهناك لحظة لا يتحدث عنها المؤرخون كثيراً. لحظة لا تقع داخل القصر الرئاسي، بل بعد مغادرته. لحظة يُسحب فيها الكرسي من تحت الحاكم، فيكتشف، للمرة الأولى، أنه لم يكن يجلس على خشب، بل كان يجلس فوق ضجيج السلطة. وحين يصمت الضجيج، يبدأ بسماع الأصوات التي أخفاها التصفيق: أصوات الأطفال، أصوات الأمهات، أصوات المدن التي ظن أنها مجرد أهداف على الخرائط. عندها فقط يلتفت إلى المرآة. لكن المرآة لا ترى الرؤساء كما كانوا يرون أنفسهم، هي لا ترى الأوسمة ولا الحرس ولا الطائرات الرئاسية، ترى وجهاً مجرداً من السلطة، وجهاً يعود إليه كل ما حاول دفنه: كل قرار، كل حرب، كل طفل، كل أم، كل بيت، كل صرخة. كان يظن أن التاريخ سجّلها بطولة، فتعيدها إليه المرآة على هيئة عار. وهنا تبدأ العقوبة التي لا تستطيع أي محكمة أن تفرضها: أن يكتشف الإنسان، متأخراً، أن ما اعتبره مجداً لم يكن سوى ندبة على وجه التاريخ.
لهذا لا يخاف الطغاة من الموت بقدر ما يخافون من اليوم الذي يُسحب فيه الكرسي. لأن الرصاصة قد تمنحهم لقب الشهيد، أما المرآة فلا تمنحهم إلا أسماءهم الحقيقية.
ترامب ونتنياهو لا يستحقان نهاية تمنحهما البراءة. لا يستحقان أن يغادرا التاريخ في صورة شهيدين، فالشهادة تغسل كثيراً من الأسئلة. وهما بحاجة إلى أن يبقيا أمامها، أن يقفا أمام العدالة لا أمام التماثيل، أن تُقرأ في حضورهما أسماء أطفال غزة، وأطفال الجنوب اللبناني، وأطفال المدارس الإيرانية، وأن يعرف العالم أن هؤلاء الأطفال لم يموتوا في كارثة طبيعية، بل في حروب حملت توقيعات وقرارات وأوامر وتحالفات.
ليس أخطر ما يواجه الطغاة أن يموتوا... بل أن ينجوا من التاريخ.
يجب أن يموت ترامب ونتنياهو بالطريقة التي مات بها هتلر في التاريخ: لا بوصفهما شهيدين، بل بوصفهما اسمين يلعنهما الضحايا، ويلعنهما كل من يرفض أن تُرتكب الجرائم باسمه. ليس بالرصاصة التي تنقذهما، بل بالعار الذي يلاحقهما. موت الجسد قد يصنع أسطورة، لكن موت الرمز هو النهاية الحقيقية.
لذلك، لا أريد لترامب أن يموت شهيداً في الوعي الأمريكي، ولا أريد لنتنياهو أن يهرب من ذاكرة غزة إلى ذاكرة الضحية. أريدهما أن يبقيا حيين بما يكفي ليريا كيف تتحول القرارات التي اعتبراها انتصارات إلى أدلة، وكيف تتحول الخطب إلى وثائق، وكيف تتحول صور الأطفال الذين قُتلوا في غزة، وفي جنوب لبنان، وفي غيرها من ساحات الحرب، إلى شهود لا يشيخون.
لو كان اغتيال ترامب هو النهاية، فسوف ترتفع الموسيقى، ويُحمل النعش، وتُطوى الأعلام، ويبكي الذين أحبوه، ويصمت الذين كرهوه، ثم يبدأ بناء الأسطورة. لكن النهاية التي يستحقها ليست بهذه النظافة. النهاية التي يستحقها أكثر صعوبة: أن يبقى حياً ليرى كيف تتغير صورته، أن يشاهد الذين كانوا يصفقون له وهم يبتعدون، أن يسمع في المحاكم أسماء الذين قتلوا بالأسلحة التي منحها، أن يُسأل عن غزة، عن الأطفال الذين ماتوا جوعاً، عن البيوت التي أُسقطت فوق العائلات، عن كل مرة وقف فيها أمام الكاميرا وسمى القتل نصراً.
عندها فقط تتحقق الحكمة الشعبية: "لو صبر القاتل على المقتول... لمات لحاله." ليس موت الجسد، فموت الجسد قد يصنع شهيداً، بل موت الرمز، موت الهيبة، موت القدرة على خداع الناس، موت الرجل داخل صورته وهو ما يزال حياً يراقبها وهي تسقط عن الجدار.
إيران لا تحتاج إلى اغتيال ترامب، فقد يكون اغتياله أعظم خدمة تقدمها له. ما تحتاجه، وما يحتاجه العالم، هو أن يبقى حياً حتى يقف أمام العدالة والتاريخ. لا ليُقتل، بل لكي لا ينجو. ولا لكي يصبح شهيداً، بل لكي يبقى اسمه، إلى جانب اسم حليفه نتنياهو، في الصفحة التي لا تُقام لأصحابها التماثيل. الصفحة التي تُكتب فيها أسماء من قتلوا الأطفال، ثم ظنوا أن القوة ستمنحهم الخلود.
لكن التاريخ لا يخلّد الجميع بالطريقة نفسها.
بعضهم يخلده الحب، وبعضهم يخلده العار.
الرصاصة قد تمنح السياسي تمثالاً...
أما التاريخ، فلا يمنح أحداً أكثر من اسمه الحقيقي.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي



1783712017267.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى