سعد الشديدي - المثقف بين الحقيقة والسلطة: مسؤولية لا تُختزل في المشاكسة

في كل مرحلة تاريخية يعود السؤال نفسه بإلحاح: ما مسؤولية المثقف في مجتمعه؟ وهل يكفي أن يضع الأصبع على الجرح ويشير إلى مواطن الخلل؟ أم أن دوره يتجاوز التشخيص إلى بناء وعي جديد يحرّر الإنسان من سلطات السياسة والدين والاقتصاد والعادات؟ هذا السؤال لم يكن يومًا ترفًا فكريًا بل كان دائمًا في صلب الصراع على تشكيل الوعي العام وهو صراع لا يقلّ أهمية عن الصراعات السياسية المباشرة.

المثقف في جوهر دوره ليس موظفًا عند الدولة ولا عند الجمهور بل عند الحقيقة وحدها. هذه الفكرة التي تبدو مثالية للوهلة الأولى هي في الواقع حجر الأساس الذي بنى عليه أنطونيو غرامشي تصوّره للمثقف العضوي ذلك الذي لا يكتفي بمراقبة المجتمع من بعيد بل ينخرط في تفاصيله ويسعى إلى تنظيم وعيه. في دفاتر السجن وتحديدًا في الدفتر الثاني عشر يصف غرامشي المثقف بأنه “منظّم للوعي” وهي عبارة تكشف أن دوره لا يقتصر على النقد بل يمتد إلى إنتاج معرفة جديدة قادرة على تغيير البنية الاجتماعية نفسها.

لكن النقد يبقى جزءًا أساسيًا من مهمة المثقف وإن كان لا يشكّل كل المهمة. فوكو في محاضراته حول المثقف والسلطة عام 1976 يذهب إلى أن وظيفة المثقف هي كشف الشبكات الخفية التي تعمل داخل المجتمع وتشكّل سلوك الناس دون أن يشعروا بها. السلطة في نظر فوكو ليست فقط تلك التي تُمارس من فوق بل تلك التي تتسرّب إلى اللغة إلى العادات إلى المؤسسات وإلى تفاصيل الحياة اليومية. هنا يصبح المثقف أشبه بمن يضيء مصابيح في غرفة اعتاد الناس على العيش فيها مظلمة.

ومع ذلك لا يمكن للمثقف أن يتحوّل إلى مشاكس دائم أو معارض تلقائي لكل ما هو قائم. فالمشاكسة ليست مشروعًا بل نتيجة طبيعية لعمل المثقف حين يصطدم بالسلطات التي تحاول ترويضه. جان بول سارتر في كتابه ما الأدب؟ يصرّ على أن المثقف الحقيقي هو من يختار قول الحقيقة حتى عندما تكون ضد مصلحته الشخصية. هذا الموقف الأخلاقي هو ما يمنح المثقف استقلاليته ويجعله قادرًا على الوقوف مع الأكثرية حين تكون على حق ومع الأقلية حين تكون مظلومة ومع الحقيقة دائمًا حتى لو كانت بلا جمهور.

لكن الوقوف مع الأكثرية ليس واجبًا تلقائيًا. فالأكثرية قد تكون على حق اليوم وعلى خطأ غدًا. المثقف لا يذوب في الجماهير ولا يتبنّى خطابها الشعبوي بل يرافقها من موقع نقدي يوقظها بدل أن يصفّق لها. سارتر نفسه يقول في إحدى محاضراته إن المثقف ليس من يتبع الجمهور بل من يوقظ الجمهور. وهذا الفارق هو ما يجعل المثقف في موقع صعب إذ عليه أن يكون قريبًا من الناس دون أن يتحوّل إلى ناطق باسمهم.

في الجهة المقابلة يقف المثقف الوظيفي ذلك الذي يضع معرفته في خدمة السلطة السياسية أو الدينية أو الاقتصادية. هذا النوع من المثقفين لا يزعج أحدًا ولا يطرح أسئلة خطرة بل يلمّع الخطاب السائد ويبرّر السياسات القائمة. فوكو يحذّر من هذا النموذج ويصفه في مقدمة إرادة المعرفة بأنه “تقني للسلطة” أي أنه يستخدم أدوات المعرفة لتثبيت البنى القائمة بدل تفكيكها. هذا المثقف قد يحظى بمنابر واسعة لكنه لا يترك أثرًا حقيقيًا في الوعي العام لأن تأثيره ينتهي بانتهاء الحاجة إليه.

أما المثقف صاحب القضية فهو غالبًا مهمّش ومحارب ومُستبعد من المنابر الرسمية لكنه يترك أثرًا طويل المدى. إدوارد سعيد في كتابه صور المثقف يصف هذا النوع بأنه “منفي دائم” ليس بالضرورة منفيًا جغرافيًا بل منفيًا عن كل منظومة تحاول احتواءه. هذا النفي هو ما يمنحه استقلاليته وهو ما يجعله قادرًا على قول الحقيقة في وجه السلطة وفي وجه الجمهور معًا.

في النهاية المثقف الحقيقي يقف في منطقة صعبة لا يملك الكثيرون شجاعة الوقوف فيها. هو قريب من الناس لكنه ليس تابعًا لهم ناقد للسلطة لكنه ليس عدوًا عبثيًا لها مستقل لكنه ليس منعزلًا أخلاقي لكنه ليس مثاليًا ساذجًا. هو ضمير المجتمع لا موظّف المجتمع. مسؤولية المثقف ليست أن يصرخ فقط بل أن يضيء الطريق وأن يظل وفيًا للحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة مكلفة.

سعد الشديدي
3 تموز/يوليو 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى