المناظرة الشهيرة المنشورة في مجلة "الهلال" عام 1926 بين الكاتبين الكبيرين: مصطفى صادق الرافعي والدكتور محمود عزمي، حول قضية "الطربوش أم القبعة".

رأيان لكاتبين قديرين


> "إن الجدال بين أنصار الطربوش وأنصار القبعة هو في الحقيقة جدال بين عقليتين تتنازعان أقطار الشرق العربي الآن ولكل فريق أدلة وحجج جديرة بالنظر والتأمل. وقد رأينا أن نطلب إلى كاتبين من أكبر كتابنا أن يبين كل منهما رأيه في هذا الشأن، فالسيد مصطفى صادق الرافعي يدافع عن الطربوش والدكتور محمود عزمي يناضل عن القبعة."
>
## لماذا أستمسك بالطربوش؟
### بقلم مصطفى صادق الرافعي
لا تسأل ما الطربوش ولكن من لابه (لابسه) ولا ما القبعة ولكن من حاملها؛ فإن القبعة والطربوش كلاهما كسائر العروض التجارية لا قيمة لكائن ما كان منها إلا أن يمضى منفعة ويرجع مالاً ويخرج في صورة عمل لينقلب في صورة أجر كان هذه الأرض بما عليها قضية مالية عند منقطع كل استدلال من أدلتها برهان من الفضة أو الذهب!
★ ★ ★
ونحن نبتاع ما شئنا منذ أصبح العالم كله سوقاً واحدة لا تنفك عروضها من سفر وتقلب، فإن صاحب الحاجة أدرى بسداد حاجته وأبصر كيف يتولاها، فحذائي أنا مثلاً تجد فيه متانة الحربية الألمانية لأنه من ألمانيا وثيابي تكاد تستعمر جسمي لأنها من إنجلترا... ولكنني عند الطربوش والقبعة أجد حداً تقف إليه تضطره أن يمد للوحشية الإنسانية واندلاع هذه الوحشية أن ترصد له وتترشح بجراثيمها لامتداحه. وما القبعة على رأس الشرقي إلا حد طمس حدا وفكرة هزمت فكرة ورذيلة نالت لفضيلة «أنا جئت لأذهب».
ما هو الأكبر من شيئين لا حدّ بينهما للصغر وما أصغر شيئين لا حدّ بينهما للكبير؟
★ ★ ★
إنها الفوضى كما ترى ما دام الحد لا موضع له في التمييز ولا مقر له في العرف ولا فصل به في المادة ومن هنا كان الدين عند قوم أكبر كلمات الإنسانية في كل لغاتها وأملاها بالمعنى وكان عند آخرين أصغرها وأفرغها من المعنى وما كبر عند أولئك إلا من أنه يسع الاجتماع الإنساني وهو محدود بغاياته العليا، ولا صغر عند هؤلاء إلا بأن الاجتماع لا يسعه فلا حد له كأنه معنى متوهم لا وجود له إلا في حروف كلمته.
★ ★ ★
فجماعة القبعة لا يرون لأنفسهم حداً يحدونها به من أخلاقنا أو ديننا أو شرقيتنا وقد مرقوا من كل ذلك ولا أعرف أحداً منهم إلا عليه موضع قطع أو تمزيق في هذا النسيج الشرقي الثمين. وأنت ترى منهم من أوفى على الخمسين من عمره ومنهم من جاوزها ومنهم دون ذلك على حين تاريخ القبعة فيهم لا يرجع إلى أبعد من مدة القماط للطفل الرضيع في حول أو حولين.
أفليس لنا أن نسألهم أين كانوا من قبل وكيف ضاق بهم الطربوش بعد هذه السن؟
★ ★ ★
ولكن الطربوش لم يضق وإنما ضاقت العقول أو فسدت الأخلاق وهذه الأمة منكوبة بالتقليد والمقلدين فهلا زيا مخترعاً أو إصلاحاً في زي معروف، فإذا كانوا عاجزين عنهما فهلا عقلوا سخافة هذا التقليد وشؤم هذه المتابعة؟
يقولون إن الطربوش يوناني ونقول أنه يوناني معرب فهو في ألفاظ الحياة كألفاظ مثله في اللغة وقد أصبح رمزاً من رموزنا ففيه من ذلك قوة السر الخفي الذي يلهمنا ما أودعه التاريخ من قوميتنا ومعاني أسلافنا أو فيه سر القوة الخفية التي تجمعنا حول المعاني الاعتبارية برمز تتمثل فيه تمثل الوطن في الراية. وهو عندنا كالاصطلاح في الحفلة الرسمية على ثوب رسمي لا بد منه لكل من يحضرها لينسق به نظامها شئت أم أبيت. وقد تقول إن في الشرق ضروباً أخرى غير الطربوش كالعمائم والقلانس فنقول لك إن الاصطلاح واقع عليها كذلك وهذا الاصطلاح عينه هو الذي ينفي القبعة ويلحق لابسها بالفئة الأجنبية.
أنا أعرف أن منا قوماً يرى أحدهم في ظن نفسه أنه قانون من قوانين التطور فهو فيما يلابسه لا ينظر إلى أنه واحد من الناس بل واحد من النواميس... وكأنها حادثة لها مادتها الفعالة فمريد أن يكون على ما تقتضيه تلك المادة الوهمية القائمة بنفسه.. ومن هنا النقل والدعوى الفارغة وما هو أكبر من النقل وفراغ الدعوى فإنه لحق أن يكون بعض الناس أنبياء ولكن أقبح ما في الباطل أن يظن كل إنسان نفسه نبياً.
أنا استمسك بالطربوش لأني أريد العلقة في التعبير الذي تعبر به نفسي حين تعلن من نسبتي وقوميتي فالطربوش وما في حكمه مما وقع الاصطلاح عليه إنما هو تدقيق في التعبير بالفكر وإخراج لهذا الفكر في أصدق ما يدل عليه وأصرح ما يؤديه. ثم إني مستيقن أن الأفكار الشرقية أو الإسلامية تحت القبعة هي غيرها تحت الطربوش لأن تقدير الرمز يتغير به ما كان يلهمه وبذا لا يكابر فيه أحد فقد عاد الأمر إلى صبغة نفسية كما ترى.
وأنت تعلم أن النفوس تضع من أحلامها في كل ما تلابسه حتى تصبغ كل جامد من المادة بأثر من آثارها كأن الإنسان لا يكون إنساناً إلا بتحويله كل ما حوله في ألوان إنسانية. والمدنية هي التي تزيد في هذه الأحلام وتنوع منها أنواعها ولولا ذلك ما كان للرءوس غطاء إلا ما غطاها الله به من هذا الشعر الكثيف المسترسل يضرب إلى المنكبين ويرد على الصدغين والعنق ويتم تمامه باللحية كأنه مرسلة. وذلك أفضل الأغطية وأوفاها بالحاجة وأردأها على الجسم بالصحة والعافية لولا النفس وأحلامها.
فنحن من الطربوش أو القبعة بإزاء مظهر فيه أحلام النفس كما فيه المنفعة لا بد من الاعتبارين جميعاً، وما تظن أحلام النفس الشرقية كأحلام النفس الغربية إلا إذا أزيح الحد الذي يفصل بينهما.
وههنا أمر لا بد من التنبيه إليه وذلك أن الأوربيين لا يتخلون من القبعات إلا أغطية الطريق فهم يلتزمونها في مجالسهم وبيوتهم وأماكن عملهم ومن ثم كان بقاؤها عندهم على أحكام الطرق وأرواح الشارع وهندسة الثلج والضباب والرطوبة، وبلادهم شمسها فيها أكثر السنة ولا تبصر إذا أبصرت إلا في أشعة كليلة. فمن سخافة التقليد بل من الغفلة أن ننزع نحن إلى ما اتخذوه وننشأ على الوقاية من شمس أرضنا بهذه الوقاية المحكمة في حين أنه أن لم نجعل بيننا وبين الشمس ونورها وحرها ملاءمة فنبرز لها ونمتدها من الصغر ونلقاها بوجوهنا - حيأنا ذلك لغربانها عند أيسر الأسباب ووهنت فينا قوة الاحتمال ولم نعد نصلح لهذا الجو بعد، ولعله لا تمر بضعة أجيال حتى تظهر جنايتنا على أعقابنا في لعنة تمد ضربة من ضربات الطبيعة.
واعلم أن ما يزينونه للشرقي من فضائل القبعة ان هو إلا منطق شهوات في جملته ولقد تسمع الجائع الصائم يتكلم عن الطعام فترى كلاماً في معانيه معان أخرى لا يعدها غير الجائع إلا حماقة ساعتها.
ولم أعرض في هذه الكلمة للجانب الديني ففيه كلام آخر يجعل اللعنة لمتين... وفي واحدة لما يذهب بالقبعة.
★ ★ ★
ذاتي الفردية فلا أرى لها موضع انفراد ولكن موضع مشاكلة، ولا أعرف صفة منفعة لي بل صفة حقيقة مني.
★ ★ ★
ويفترض من هناك المعنى الذي يصير به النوع إلى الجنس والواحد إلى الجماعة وأجدني من الأمة في مثل المنزلة التي يقرأ فيها العدد المجموع فلا يطلق عليه ما كان يسمى به وهو أرقام مفردة ويكون العدد مثلاً من خمسة وأربعة وستة فيقرأ مجموعاً ستمائة وخمسة وأربعين، وأنه لهو ذلك لولا منزلة الضم والاتصال وتكوين الجملة التي هي أصل في حساب الأجناس.
★ ★ ★
فالقبعة على رأس المصري منفرداً بها دون قومه باننا من جملتهم إنما هي مظهر من مظاهر التحلل الاجتماعي وارتكاس في منطق الجملة المصرية ونفى لهذا الرقم من عبارة مجموعه.. بل هي في الرجال مشتقة من المصدر، نفس المصدر الذي يخرج منه التهتك في النساء وكلاهما منزع من المخالفة وخروج من صفة اجتماعية تقوم بها أفضلية شرقية عامة وإن كان فيما وراء ذلك ضرب من القول في توجيه القبعة ومذهب من الرأي في الاحتجاج لها.
غير أن المذاهب الفلسفية لا يعجزها أن تقيم لك البرهان جدلاً محضاً على أن حياء المرأة الفاضلة أن لغواً رذيلة في الفن... وأن هو الا مرض وضعف وكيت وكيت، ثم تنتهي به الفلسفة إلى أن تجعله من البلاهة والغفلة. وما الغفلة والبلاهة إلا أن تريد فلسفة من فلسفات الدنيا أن تقحم في كتاب الصلاة مثلاً فصلاً في... في التجارة.
★ ★ ★
لا يهولنك ما قرر لك من أن القبعة على رأس المصري في مصر تهتك أخلاقي أو تهتك سياسي أو تهتك ديني أو من هذه كلها معاً، فإنك لتعلم أن الذين لبسوها لم يلبسوها إلا منذ قريب، بعد أن تهتكت الأخلاق الشرقية الكريمة وتحللت أكثر عقدها وقاربت الحرية المصرية بين النقائض حتى كادت تختلط الحدود اللغوية، فحرية المنفعة مثلاً تجعل الصادق والكاذب بمعنى واحد فلا يقال ألا أنه وجد منفعته فصدق ووجد منفعته فكذب؛ وما فرق بين اللفظين وجعل لكل منهما حداً محدوداً إلا جهل القدماء وفضيلة القدماء ودين القدماء وهذه الثلاثة: الجهل والفضيلة والدين هي أيضاً في المعجم اللغوي الفلسفي الجديد... مترادفات لمعنى واحد ومتى أزيلت الحدود بين المعاني كان طبيعياً أن يلتبس شيء بشيء وأن يحل معنى في موضع معنى وأصبح الباطل باطلاً بسبب، وحقاً بسبب آخر. ولم يعد يحكم الناس إلا مجموعة من الأخلاق المتناثرة تجعل كل حقيقة إلى الأرض شبهة مرورها هند من لا تكون من أهوائه ونزعاته، وأحتاج الناس بالضرورة إلى قوة تفصل بينهم فصلاً مسلحاً... فيكسبون القانون بمدنيتهم قوة همجية.
## لماذا لبست القبعة؟
### بقلم الدكتور محمود عزمي
تفضل «الهلال» فسألني أن أفضى لقرائه بسبب لبسي القبعة، فعدت من جانبي إلى نفسي أسائلها تاريخ هذا السبب وتطوراته، فإن له عندي تاريخاً وتطورات.
★ ★ ★
وقد رجع بي التفكير في هذا الصدد إلى أيام الصبا، أيام كنت بالمدرسة الثانوية، وأيام ظهرت كتب «قاسم أمين» عن المرأة والحجاب. فقد أثر في ذيوع بعض ما تضمنته الكتب من آراء، ثم قراءتي هذه الكتب بالذات، أثراً عجيباً جعلني أمقت الحجاب مقتاً شديداً يرجع إلى اعتبار خاص هو اعتباره من أصل غير مصري وهو اعتبار دخوله إلى العادات المصرية من طريق تحكم بعض الفاتحين الأجانب وتملق بعض الوطنيين بالتقليد المرذول.
★ ★ ★
وكنت في تلك الأيام منتظم الذهاب إلى القرية أمضي فيها فترة العطلة المدرسية كلها فكنت أرى مظاهر السفور الطبيعي عند القرويات أثناء عملهن وأثناء راحتهن، وكنت أقارن بينه وبين ما هو متجل منه داخل دار الآثار، فكان حنقي على أولئك الأجانب من الفاتحين «الإسلاميين» يزيد، وكان تنطع بعض المفسرين لآيات القرآن يضيف إلى ذلك الحنق ما يثبت أركانه ويدعم قواعده.
★ ★ ★
وكانت تقوم حملة على «التبرج» إذ كانت تقوم دعوة إلى النهوض بالمشروعات الاقتصادية ولا سيما ما اتصل منها بصناعة الملبوسات، فكان هذا كله يجر إلى التفكير في الزي وما يجب أن يكون منه «حشمة ووقاراً» وما يجب أن يكون منه «مصرياً في مادته وصناعته».
★ ★ ★
وانتج ذلك كله التفكير في الزي وموافقته للمظاهر القومية والأحوال الجوية، وتعدى التفكير دائرة زي السيدات إلى دائرة زي الرجال، ووضح ميل البعض بهذا الشأن الأخير إلى التقرير أن «الطربوش» ليس لباساً قومياً وليس لباساً صحياً، وذهبوا إلى حد الإعراب عن ضرورة العودة إلى ما كان يحمله «المصريون القدماء» على رءوسهم من «عمارة» يتدلى منها على العنق ما يتدلى ليمنع عنهم الشمس ومما لها عليه من سوء.
وكنت أنا من هؤلاء المعربين، أنقم على الفرس ومن كانوا واسطة نقل «حجابهم» إلينا وعلى البيزنطيين ومن كانوا واسطة نقل «طربوشهم» إلينا، وكنت في ذلك أحس أني مدفوع بعامل من «الوطنية» قوي.
★ ★ ★
ثم حدث أن ذهبت إلى أوروبا أدرس بباريس فتجلت لي آيات «السفور» بما جعلني أنظر إليه على أنه وسيلة إصلاح اجتماعي كبرى، وتجلت لي آيات البشرية بما جعلني أفقه («الوطنية») على أنها احساس فور يجب أن يتعهده المرء في عمقه لا في اتساع سطحه. وهكذا أخذت أنظر إلى حضارة القوم وإلى حضارة العالم نظرة إخاء وتضامن لا نظرة عداء وتنافس، ودعم من هذا النظر أن نظرية «التضامن» هي التي كانت تجرى بها البحوث الفقهية والاجتماعية في ذلك الأوان نستمع إليها كل يوم في الدروس وفي المحاضرات ونقرؤها في البحوث والمجلات.
★ ★ ★
وإذن فقد دعتنا («البيئة المكتشفة») إلى تقرير العلائق بيننا وبين الحضارة الغالبة، وكان طبيعياً أن يكون الزي ـ وقد خرجنا من مصر في وقت ماجت فيه الآراء باعتباراته ـ هو أول ما نفكر فيه من تلك العلائق. فوجدنا أننا نأخذ من حضارة اليوم الشائعة كل مظاهر زيها إلا ذلك الذي دخل إلينا من طريق الفتح العثماني وصار رمزاً للقوة المتأخرة والسلطان المستبد.
لكن هذه المشاعر قد وقفت عند حد الإحساس بها والتفكير فيها والتمدح بفضائل تنفيذها والهمام بهذا التنفيذ، ولا سيما كلما جاء الصيف وأحس المقيم منا هناك بخفة قبعة الفصل على رأسه أو أحس المقيم منا هنا بشدة كبس «الطربوش» على يافوخه.
على أنا لم نقو على تحقيق هذا الذي كانت النفوس تصبو إليه اللهم إلا واحداً لبس القبعة في مصر أياماً ثم عاد إلى الطربوش تحت تأثير ما كان الناس يقابلونه به من التهكم حيناً ومن الرمي بالزندقة والمروق والكفر أحياناً.
★ ★ ★
ثم جاءت الحرب الكبرى وأصيبت مصر منها بإعلان الحماية البريطانية عليها؛ فوجدنا طائفة من اخواننا الشرقيين يستبدلون القبعة بالطربوش هروباً من «العثمانية» وتقرباً من الدولة الحامية أو فراراً من عدوان الجنود الاستراليين؛ فكان من هذا أن ازداد تمسك المصريين بالطربوش يعلنون به دائماً استعدادهم إلى تحمل أكبر أنواع الأذى في سبيل عدم رضاهم من الحماية التي فرضت عليهم فرضاً.
وإنه لا محيص من الاختيار بين المدنيتين.
ولست أدرى على التحقيق ما هو الرأى الغالب لكني ادرى اني انا من الذين ينادون بملء فيهم بضرورة الأخذ من المدنية العصرية وهي الحضارة الغالبة وبأن الخير كل الخير في شخوص الكتلة الشرقية المتكلمة لغة عربية الى شواطئ البحر المتوسط الشمالية الغربية، وبأن كل نظرة الى رمال التيه والبادية انما تكون نكوصاً على الأعقاب في ميدان الجهاد الذي يسير فيه العالم سيراً هائل السرعة الى الأمام.
وسط هذه التيارات المتقابلة أقبل صيف سنة 1925، وكان على أن أمضيه في القاهرة. وعندى أن بعض الاصلاحات الاجتماعية لا تجدى فيها المناقشة ولا يفيد الجدل، بل تجدى القدوة ويفيد العمل. من أجل هذا اعتزمت أن أنفذ ما أنا مقتنع به من رأى في صدد المدنية المصرية وفي صدد القبعة. لكن «الأخطاء الوراثية» المتراكمة كان لها في عزيمتي بعض الأثر. فجعلتني أجد من «حسن الفطن» ألا أفاجىء اخواني وأصدقائي بما سأضع على رأسي في مصر من عمارة جديدة، وان أنذرهم قبل الموعد بأيام حتى لا ينقضوا على بالسؤال والاستفسار، واذن فقد حددت لنفسي اليوم الأول من شهر يوليه سنة 1925 لألبس فيه القبعة وأخذت منذ العشرين من شهر يونيه أعلن كل من أقابله من الاخوان والاصدقاء اني مغير لباس الرأس من أول الشهر التالي.
وجاء أول الشهر وقصدت في حزم وهرولة الى بائع القبعات بميدان «سوارس» ولاحظت أن سرعة الخطى قد أخذت تقل عندما اقتربت من الحانوت، ولاحظت أن السير قد وقف بي عند باب الحانوت، ولاحظت اني اخذت أنظر الى القبعات المعروضة خلال الزجاج، ولاحظت اني استأنفت سيري في شارع قصر النيل دون أن أشترى القبعة ودون أن أدخل حانوت القبعات، ولاحظت اني أخذت أتهم نفسي في صوت غير خافت بأني «جبان» وبأن «الأخطاء الوراثية» لا تزال تجد مني منفذاً.. ومنيت نفسي بالعودة الى الحانوت بعد الظهر لكني لم أهد اليه عاماً كاملاً..
★ ★ ★
ومضى الصيف ومضى الخريف ومضى الشتاء ومضى الربيع وأقبل الصيف من جديد، صيف سنة 1926، والمناقشة حول «الطربوش والقبعة» يتسع نطاقها حتى وصل الى «الرابطة الشرقية» التي أرادت أن تتذرع بـ «فتوى» يصدرها الاطباء فتقدمت الى جمعيتهم بأسئلة واستيضاحات انتهت الجمعية الى الاجابة عنها في اجتماعها العام الذي عقدته صباح يوم الجمعة الموافق للثاني من شهر يوليه لسنة 1926.
وقالت «هيئة كبار الاطباء» في فتواها ان الطربوش لباس رأس غير صحي وان للباس الصحي شروطاً عددتها واذا بها متوافرة في القبعة وغير متوافرة الا فيها.
وأعلن القرار أو أعلنت الفتوى مساء فكانت هي القاضية على «الأخطاء الوراثية» من هذه الناحية اذ قصدت صباح اليوم التالي السبت الثالث من شهر يوليه لسنة 1926 الى بائع القبعات نفسه وأشتريت قبعة الصيف وخلعت على الحوذى ما كان على رأسي قبل هذا من طربوش.
ومنذ ذلك اليوم ألبس القبعة متناوباً أنواعها المتمشية مع كل فصل من فصول السنة.
★ ★ ★
تلك هي ظروف لبسي القبعة وتلك هي تطورات الاعتبارات التي دفعت الى لبسها، انتهت آخر الامر بأن كانت اعتبارات صحة واعتبارات شخوص الى الشمال الغربي للأخذ بالحضارة العصرية الغالبة بدل افتقاد العمر في ندب الماضي الذي ليس من سنة الكون أن يعود.
وقد قابل اثنان من أصدقائي لبسي القبعة بتعليقين ارى مناسباً ان نختم بهما هذه الكلمة.
ذهبت الى «القدس» في اليوم التالي للبس القبعة لأول مرة في مصر واستوقفت صديقاً من أصدقائي هناك هو «فحل من فحول الادباء والمفكرين العرب» ـ ولم يكن قد عرفني «بها» فلما عرفني قال على فوره: «الآن أخذ الشرقيون يفكرون برءوسهم!».
وغداة عودتي من فلسطين تلك المرة ذاتها خرجت الى محطة القاهرة اودع صديقاً «عالماً فاضلاً واديباً مجيداً ظريفاً» وهو مسافر الى أوروبا، فضمن أولى «مذكرات سفره» الى جريدة «السياسة» اشارة الى قبعتي وقال على لسان صديق يحدثه:
> «أما العمامة العربية فقد دخلت مصر على يد الفتح الاسلامي فاتصلت بالروح الديني من أول يوم، وأما الطربوش التركي فهبط الينا من رءوس المتسلطين لباساً رسمياً للجنود والموظفين فهو رمز التسلط والحكم، وبعده القبعة تنتشر في الوسط الآخذ بالمذاهب الحديثة فهي تمثل لوناً خاصاً، وليس النزاع بين العمامة والطربوش والقبعة ولكنه تنازع بين صور مختلفة من التفكير والدول يريد كل منها ان يتسود».
>
*(جـ 1، م 36، ص 29 عام 1927)*

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى