الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقليم

الأغوار الفلسطينية... معركة الجغرافيا التي ترسم مستقبل الإقليم



بقلم: المحامي علي أبو حبلة



ليست الأغوار الفلسطينية مجرد مساحة زراعية أو شريط حدودي يمتد بمحاذاة نهر الأردن، بل تمثل اليوم مركز الثقل في الصراع على مستقبل القضية الفلسطينية، والنقطة التي تتقاطع عندها مشاريع الضم والاستيطان مع التحولات الإقليمية والدولية. ومن هنا، فإن ما تشهده محافظة طوباس والأغوار الشمالية لم يعد حدثاً محلياً أو أزمة إنسانية عابرة، بل هو جزء من مشروع استراتيجي يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة الغربية، ويستهدف تقويض الأسس التي قامت عليها عملية السلام وحل الدولتين.



لقد أدركت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن السيطرة على الأغوار تعني الإمساك بالمفتاح الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية. فالأغوار، التي تشكل نحو 28.5% من مساحة الضفة الغربية، تمثل الحدود الشرقية الطبيعية لفلسطين، وتضم أكبر مخزون من الأراضي الزراعية الخصبة والموارد المائية، وتنتج ما يقارب 60% من الخضراوات الفلسطينية، ما يجعلها ركيزة الأمن الغذائي الفلسطيني وأحد أهم مقومات الاستقلال الاقتصادي.



غير أن القراءة الإسرائيلية للأغوار تتجاوز بعدها الاقتصادي؛ فهي تنظر إليها باعتبارها العمق الأمني الشرقي، وتسعى إلى تحويلها إلى حزام استيطاني وعسكري دائم يمنع أي تواصل جغرافي بين الضفة الغربية والعالم العربي، ويجعل أي دولة فلسطينية مستقبلية كياناً معزولاً ومحاصراً، يفتقد إلى الحدود والسيادة والموارد.



وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة مشروع ما يعرف بـ"الخيط القرمزي"، وشق الطرق العسكرية، ومصادرة آلاف الدونمات، وتدمير شبكات المياه، وتهجير التجمعات البدوية والرعوية، باعتبارها إجراءات متفرقة، بل هي حلقات مترابطة في مشروع سياسي يهدف إلى فرض وقائع لا رجعة عنها، تمهيداً لضم الأغوار بصورة فعلية، حتى وإن لم يعلن ذلك رسمياً.



إن استهداف مصادر المياه في سهل عاطوف والبقيعة، وتجفيف الأراضي الزراعية، وحرمان المزارعين من الوصول إلى حقولهم، وإغلاق المراعي في الرأس الأحمر وخربة سمرة، ليست مجرد تدابير أمنية كما تدعي إسرائيل، وإنما أدوات لإعادة هندسة الديموغرافيا الفلسطينية، ودفع السكان إلى الهجرة القسرية تحت وطأة الخسائر الاقتصادية وانعدام مقومات الحياة.



وتزداد خطورة هذا المشهد عندما يُقرأ ضمن السياق الأشمل لما يجري في شمال الضفة الغربية. فما تتعرض له طوباس يتكامل مع التوسع الاستيطاني في جنين، والاعتداءات المتصاعدة في طولكرم، والطوق الاستيطاني المتسارع حول نابلس، بما يكشف عن مشروع متكامل يهدف إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية إلى جزر معزولة، وربط الكتل الاستيطانية بشبكة طرق وبنى تحتية تخدم مشروع الضم وتفصل المدن الفلسطينية بعضها عن بعض.



إن هذه الوقائع لا تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل تمس الأمن والاستقرار الإقليميين. ففرض السيادة الإسرائيلية على الأغوار يعني عملياً إنهاء فكرة الحدود الفلسطينية مع الأردن، وإعادة إنتاج واقع سياسي وأمني جديد ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل المنطقة بأسرها. ولذلك، فإن الحفاظ على الوضع القانوني للأغوار ليس شأناً فلسطينياً فحسب، بل يمثل مصلحة عربية وإقليمية ترتبط بأمن الحدود واستقرار المشرق العربي.



كما أن استمرار هذه السياسات يقوض بصورة منهجية فرص تنفيذ حل الدولتين، الذي ما زال يحظى بتأييد المجتمع الدولي باعتباره الإطار الأكثر واقعية لتحقيق سلام عادل ودائم. فلا يمكن الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة في ظل فقدان السيطرة على حدودها الشرقية، وحرمانها من أهم مواردها الزراعية والمائية، وتحويل أراضيها إلى كانتونات منفصلة تخضع لهيمنة الاحتلال.



وفي ظل المتغيرات الإقليمية الراهنة، وما تشهده المنطقة من إعادة صياغة للتحالفات والأولويات، تبدو إسرائيل أكثر اندفاعاً لاستثمار اللحظة السياسية في تسريع مشروعها الاستيطاني، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بأزمات متعددة، ومن تراجع الضغوط الدولية الفاعلة لوقف سياسة فرض الأمر الواقع.



غير أن التاريخ يؤكد أن الأمن الحقيقي لا يصنعه التوسع الاستيطاني ولا فرض الوقائع بالقوة، وإنما يصنعه احترام القانون الدولي، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.



إن معركة الأغوار لم تعد معركة على الأرض فحسب، بل أصبحت معركة على مستقبل النظام الإقليمي، وعلى مصداقية الشرعية الدولية، وعلى إمكانية إبقاء خيار السلام قائماً. ولذلك، فإن حماية الأغوار تعني حماية ما تبقى من فرص التسوية السياسية، ومنع انزلاق المنطقة إلى واقع جديد تحكمه سياسة الضم والإملاءات الأحادية.



ومن هنا، فإن المطلوب اليوم موقف عربي ودولي أكثر فاعلية، لا يكتفي بإدانة الاستيطان، بل ينتقل إلى خطوات عملية تلزم إسرائيل باحترام القانون الدولي، وتوفر الحماية للشعب الفلسطيني، وتدعم صمود المواطنين في الأغوار، لأن بقاء الفلسطيني على أرضه هو الضمانة الحقيقية للحفاظ على هوية المكان، وصون الحقوق الوطنية، ومنع تصفية مشروع الدولة الفلسطينية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى