نزار المختار - إشراقة بين هيبة السيادة وطمأنينة المدنية.

في عتمة التحديات التي يعيشها إنسان العصر الحديث، يأتي كتاب الأستاذ نصر الدين الزاهي "الدولة بين المقتضى السيادي والإستحقاق المدني" كمنارة فكرية ترسم الحدود بين "السطوةو
" السكينة". إن هذا الكتاب ليس مجرد تاريخ للمؤسسات، بل هو سفر في جدلية الوجود الجمعي حيث يتقاطع فيه صرير أبواب القصور مع همسات الحقوق في الساحات العامة.
يفتح الأستاذ الزاهي مسيره بفك طلاسم المفاهيم السياسية، لا ككلمات صماء، بل كمفاتيح لوعي مفقود؛ ثم يسافر بنا عبر الزمن ليستنطق مدلول الدولة في ذاكرة الفلاسفةالأوائل وصولا الى حداثة تبحث عن إستقرارها. إنه يغوص في دلالة السلطة بوصفها تلك الجذور التي تسكن المسافة بين الحاكم والمحكوم،باحثا عن مقوماتها الأنثربولوجيةعن الجذور العميقة التي تجعل الدولة كائنا حيا يسكننا قبل أن نسكنه.
في رحلة تشبه "التنقيب الأركيولوجي" في ثنايا الروح الإجتماعية، يحلل الزاهي السلطة ومتغيراتها. كاشفا أن الدولة ليست قدرا محتوما من القوة، بل هي رهان دائم على الحق. وحين يصل الى تخوم الإقتصاد السياسي وحقوق الإنسان، تراه ينتصر للإنسان " المواطن" محولا الدولة من هيكل حديدي يمارس السيادة الى فضاء عمومي يتنفس فيه العقل وتزدهر فيه الكرامة.
إنه كتاب كتب بعقل الفيلسوف والسياسي حينا وذهن الشاعر أحيانا أخرى.
إنه يقرأ الدولة، بوصفها " قصيدة نظام" تحاول أن تكسر رق الحرية ويدعونا لنتأمل كيف يمكن لتلك الهيئة السيادية أن تنحني بخشوع أمام الإستحقاق المدني.
يعد كتاب " الدولة من المقتضى السيادي والاستحقاق المدني" للاستاذ نصرالدين الزاهي متنا فكريا رصينا يسعى لتفكيك بنية الدولة ليس ككيان جامد، بل كدينامكية متحركة بين سطوة السيادة وتطلعات المواطنة.
ينطلق الأستاذ نصرالدين الزاهي من مفارقة
جوهرية:كيف يمكن للدولة أن توفق بين " المقتضى السيادي" بما يحمله من إحتكار للقوة والقرار وبين " الإستحقاق المدني" الذي يفرض عليها الخضوع للمساءلة وحماية الحقوق؟ الكتاب هو رحلة معرفية تبدأ من ضبط المفاهيم السياسية لتخليص المصطلحات من خلطها الشائع وصولا الى بناء رؤية لمستقبل النظام العام.
- المسار التاريخي والفلسفي
في الفصلين الثاني و الثالث، يستعرض الكاتب مدلول الدولة عبر العصور، مفرقا بين التصورات الكلاكسيكية (اليونانية والوسيطة) وبين الدولة الحديثة القائمة على العقد الإجتماعي، ثم ينتقل لتعميق البحث في دلالة السلطة، مؤكدا أنها ليست أداة قمع، بل هي علاقة تأثير متبادلة تتطلب شرعية للبقاء.
التشريع الأنثروبولو جي والسوسيولوجي.
لايكتفي الأستاذ الزاهي بالتحليل السياسي الصرف، بل يغوص في الفصلين الرابع والخامس في مقومات الدولة الأنثروبواجية، باحثا عن الجذور الثقافية والإجتماعية التي تسبق تكون الكيان السياسي، من خلال " التنقيب الأركيولوجي" (بمنزع فوكوي واضح)، يحلل ثوابت السلطة ومتغيراتها، كاشفا عن الطبقات الخفية التي تشكل القوة داخل المجتمع.
الصدام والأنسجام: الإقتصاد والحقوق
يصل الكتاب الى ذروته في الفصلين السادس والسابع عبر معالجة قضايا راهنة
- الإقتصاد السياسي: حيث يبرز التوتر بين " الحق والقوة" وكيف تتدخل الدولة لتنظيم الثروة وحماية مصالح معينة تحت غطاء السيادة.

-حقوق الإنسان: يطرح الاستاذ الزاهي هنا إنتقالا نوعيا من " العقل العمومي" الي" الفضاء العمومي" الذي ينظر الى الدولة كمصدر للتشريع، الى الفضاء العمومي (بمفهوم هبرماس) حيث يصبح المواطن شريكا في صنع القرار.
كتاب الأستاذ نصرالدين الزاهي هو محاولة جادة"لانسنة الدولة" ونقلها من رتبة" التنين" السيادي الى مرتبة " المؤسسة المدنية " إنها دعوة لإعادة التفكير في العقد الذي يربطنا بالسلطة، مؤكدا على أن إستقرار الدولة رهين بقدرتها على تحويل السيادة من أداة سلطة الى درع يحمي " الإستحقاق المدني"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى