على مدى الأشهر الماضية، تابعت باهتمام عشرات المقالات والدراسات والحوارات التي تناولت الانتخابات الفلسطينية، ومستقبل النظام السياسي، وأزمة الشرعية، والوحدة الوطنية، ودور المجتمع في صناعة القرار.
كانت تلك الكتابات مختلفة في زوايا النظر، ومتنوعة في تشخيص الأزمة، لكنها، في جوهرها، كانت تلتقي عند حقيقة واحدة؛ أن النظام السياسي الفلسطيني وصل إلى لحظة لم يعد فيها الإصلاح الجزئي كافيًا، وأن إعادة البناء أصبحت ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها.
حينها لم أتعامل مع تلك المقالات باعتبارها آراء متفرقة، بل اعتبرتها ملامح مشروع وطني لم يكتمل بعد. وكتبت أن هذا التقاطع الفكري يمكن أن يتحول إلى تحالف وطني حقيقي، لا يقوم على جمع الشخصيات، بل على جمع الرؤى، ولا ينطلق من القمة إلى القاعدة، بل من المجتمع إلى مؤسساته.
واقترحت يومها أن يبدأ هذا التحالف بطريقة مختلفة تمامًا عما عرفناه طوال العقود الماضية.
ألا يبدأ بتوزيع المقاعد، ولا بتقاسم المواقع، ولا بالبحث عن أسماء المرشحين.
بل يبدأ بوثيقة وطنية يشارك المجتمع في صياغتها، ثم بمعايير معلنة يضعها المجتمع لاختيار مرشحيه، ثم بآلية تتيح للناس أن يقدموا من يرونه الأقدر على تمثيلهم، قبل أن يُطلب منهم التصويت له.
لهذا تابعت باهتمام خبر الاجتماع التشاوري لإطلاق "التحالف من أجل التغيير والتحرر الوطني".
وفرحت، قبل أي شيء، لأن فكرة التحالف الوطني لم تعد مجرد فكرة تُكتب في مقال، بل أصبحت مشروعًا يبحث عن طريقه إلى الواقع.
لكن، في الوقت نفسه، توقفت طويلًا أمام الطريقة التي بدأ بها هذا المشروع.
فالخبر يخبرنا أن هناك وثيقة تأسيسية أُعدت خلال الأسابيع الماضية، وهيكلًا تنظيميًا يجري العمل على استكماله، وآليات لتشكيل القائمة الانتخابية، ومشاورات مع قوى وفعاليات وطنية.
وهنا عدت إلى السؤال الذي أراه أكثر أهمية من الوثيقة نفسها.
من كتب الوثيقة؟
ومن اختار اللجنة التي أعدتها؟
ومن وضع معايير المشاركة؟
ومن قرر من يحضر الاجتماع، ومن يبقى خارجه؟
ولماذا بدأت عملية التأسيس قبل أن تبدأ المشاركة الوطنية المفتوحة؟
هذه ليست أسئلة اعتراض على الأشخاص.
فالمجتمعون شخصيات وطنية وأكاديمية ومجتمعية نحترمها ونقدر تاريخها.
لكن القضية ليست في وطنية الأسماء، وإنما في طريقة إنتاج الشرعية.
لأن أي تحالف يستطيع أن يجمع شخصيات وطنية محترمة.
وأي قائمة انتخابية تستطيع أن ترفع شعارات جميلة.
لكن ذلك وحده لا يصنع تحالفًا وطنيًا.
هناك سؤال لم أجد من طرحه حتى الآن.
إذا كان هذا التحالف سيخوض الانتخابات بقائمة وطنية، فلماذا سينتخبها الناس؟
ليس لأن أسماءها محترمة.
فكل القوائم ستضم شخصيات محترمة.
وليس لأن برنامجها وطني.
فكل القوائم ستقول إنها تحمل برنامجًا وطنيًا.
إذن... ما الذي سيجعل هذه القائمة مختلفة؟
في تقديري، تكمن المشكلة في أننا ما زلنا نبني التحالفات بالطريقة نفسها التي أنتجت أزماتنا السياسية. نغيّر الأسماء والعناوين، لكننا لا نغيّر طريقة الولادة.
فالتحالف الوطني الحقيقي لا يُبنى من فوق، ثم يطلب من المجتمع أن يمنحه الشرعية، بل يُبنى بالمجتمع، ليمنحه المجتمع شرعيته.
فإذا جلست مجموعة من الوطنيين، مهما كانت مكانتهم واحترامنا لهم، وكتبت الوثيقة، ثم وضعت المعايير، ثم اختارت المرشحين، فما الفرق، في نظر الناخب، بينها وبين أي قائمة أخرى شكلتها الأحزاب أو الفصائل أو القوى السياسية؟
قد تختلف الأسماء...
وقد تختلف الشعارات...
لكن طريقة إنتاج القائمة تبقى واحدة.
وهنا يكمن جوهر الفكرة.
إن المجتمع يجب ألا يكون مجرد ناخب يُستدعى يوم الاقتراع، بل شريكًا في صناعة المشروع منذ لحظة ولادته.
هو الذي يناقش الوثيقة.
وهو الذي يضيف إليها.
وهو الذي يضع معايير اختيار المرشحين.
وهو الذي يرشح من بين أبنائه أصحاب الإنجاز والكفاءة ونظافة اليد، في القرى والمخيمات والمدن والجامعات والنقابات والاتحادات ومؤسسات المجتمع المدني.
عندها فقط، تصبح القائمة قائمة المجتمع، لا قائمة اللجنة التحضيرية.
وعندما يقف المواطن أمام صندوق الاقتراع، لن يشعر أنه يختار بين هذه القائمة أو تلك، بل سيشعر أنه يصوّت لمشروع شارك هو نفسه في بنائه.
وهنا فقط يولد الفارق الحقيقي.
فالتحالف الوطني الحقيقي لا يُقاس بعدد الشخصيات التي تجلس حول طاولة التأسيس، بل بعدد المواطنين الذين يشعرون أنهم شاركوا في صنع تلك الطاولة.
وعندما يكتب المجتمع وثيقة التحالف، ويضع معاييره، ويختار من يمثله، يصبح الاقتراع فعلًا لاستعادة السياسة، لا مجرد اختيار بين قوائم.
فالأوطان لا يعيد بناءها القادة وحدهم...
بل يعيد بناءها شعبٌ يشعر، للمرة الأولى، أنه لم يُدعَ إلى التحالف...
بل كان هو من صنعه.
يحيى بركات
19/7/2026
د
كانت تلك الكتابات مختلفة في زوايا النظر، ومتنوعة في تشخيص الأزمة، لكنها، في جوهرها، كانت تلتقي عند حقيقة واحدة؛ أن النظام السياسي الفلسطيني وصل إلى لحظة لم يعد فيها الإصلاح الجزئي كافيًا، وأن إعادة البناء أصبحت ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها.
حينها لم أتعامل مع تلك المقالات باعتبارها آراء متفرقة، بل اعتبرتها ملامح مشروع وطني لم يكتمل بعد. وكتبت أن هذا التقاطع الفكري يمكن أن يتحول إلى تحالف وطني حقيقي، لا يقوم على جمع الشخصيات، بل على جمع الرؤى، ولا ينطلق من القمة إلى القاعدة، بل من المجتمع إلى مؤسساته.
واقترحت يومها أن يبدأ هذا التحالف بطريقة مختلفة تمامًا عما عرفناه طوال العقود الماضية.
ألا يبدأ بتوزيع المقاعد، ولا بتقاسم المواقع، ولا بالبحث عن أسماء المرشحين.
بل يبدأ بوثيقة وطنية يشارك المجتمع في صياغتها، ثم بمعايير معلنة يضعها المجتمع لاختيار مرشحيه، ثم بآلية تتيح للناس أن يقدموا من يرونه الأقدر على تمثيلهم، قبل أن يُطلب منهم التصويت له.
لهذا تابعت باهتمام خبر الاجتماع التشاوري لإطلاق "التحالف من أجل التغيير والتحرر الوطني".
وفرحت، قبل أي شيء، لأن فكرة التحالف الوطني لم تعد مجرد فكرة تُكتب في مقال، بل أصبحت مشروعًا يبحث عن طريقه إلى الواقع.
لكن، في الوقت نفسه، توقفت طويلًا أمام الطريقة التي بدأ بها هذا المشروع.
فالخبر يخبرنا أن هناك وثيقة تأسيسية أُعدت خلال الأسابيع الماضية، وهيكلًا تنظيميًا يجري العمل على استكماله، وآليات لتشكيل القائمة الانتخابية، ومشاورات مع قوى وفعاليات وطنية.
وهنا عدت إلى السؤال الذي أراه أكثر أهمية من الوثيقة نفسها.
من كتب الوثيقة؟
ومن اختار اللجنة التي أعدتها؟
ومن وضع معايير المشاركة؟
ومن قرر من يحضر الاجتماع، ومن يبقى خارجه؟
ولماذا بدأت عملية التأسيس قبل أن تبدأ المشاركة الوطنية المفتوحة؟
هذه ليست أسئلة اعتراض على الأشخاص.
فالمجتمعون شخصيات وطنية وأكاديمية ومجتمعية نحترمها ونقدر تاريخها.
لكن القضية ليست في وطنية الأسماء، وإنما في طريقة إنتاج الشرعية.
لأن أي تحالف يستطيع أن يجمع شخصيات وطنية محترمة.
وأي قائمة انتخابية تستطيع أن ترفع شعارات جميلة.
لكن ذلك وحده لا يصنع تحالفًا وطنيًا.
هناك سؤال لم أجد من طرحه حتى الآن.
إذا كان هذا التحالف سيخوض الانتخابات بقائمة وطنية، فلماذا سينتخبها الناس؟
ليس لأن أسماءها محترمة.
فكل القوائم ستضم شخصيات محترمة.
وليس لأن برنامجها وطني.
فكل القوائم ستقول إنها تحمل برنامجًا وطنيًا.
إذن... ما الذي سيجعل هذه القائمة مختلفة؟
في تقديري، تكمن المشكلة في أننا ما زلنا نبني التحالفات بالطريقة نفسها التي أنتجت أزماتنا السياسية. نغيّر الأسماء والعناوين، لكننا لا نغيّر طريقة الولادة.
فالتحالف الوطني الحقيقي لا يُبنى من فوق، ثم يطلب من المجتمع أن يمنحه الشرعية، بل يُبنى بالمجتمع، ليمنحه المجتمع شرعيته.
فإذا جلست مجموعة من الوطنيين، مهما كانت مكانتهم واحترامنا لهم، وكتبت الوثيقة، ثم وضعت المعايير، ثم اختارت المرشحين، فما الفرق، في نظر الناخب، بينها وبين أي قائمة أخرى شكلتها الأحزاب أو الفصائل أو القوى السياسية؟
قد تختلف الأسماء...
وقد تختلف الشعارات...
لكن طريقة إنتاج القائمة تبقى واحدة.
وهنا يكمن جوهر الفكرة.
إن المجتمع يجب ألا يكون مجرد ناخب يُستدعى يوم الاقتراع، بل شريكًا في صناعة المشروع منذ لحظة ولادته.
هو الذي يناقش الوثيقة.
وهو الذي يضيف إليها.
وهو الذي يضع معايير اختيار المرشحين.
وهو الذي يرشح من بين أبنائه أصحاب الإنجاز والكفاءة ونظافة اليد، في القرى والمخيمات والمدن والجامعات والنقابات والاتحادات ومؤسسات المجتمع المدني.
عندها فقط، تصبح القائمة قائمة المجتمع، لا قائمة اللجنة التحضيرية.
وعندما يقف المواطن أمام صندوق الاقتراع، لن يشعر أنه يختار بين هذه القائمة أو تلك، بل سيشعر أنه يصوّت لمشروع شارك هو نفسه في بنائه.
وهنا فقط يولد الفارق الحقيقي.
فالتحالف الوطني الحقيقي لا يُقاس بعدد الشخصيات التي تجلس حول طاولة التأسيس، بل بعدد المواطنين الذين يشعرون أنهم شاركوا في صنع تلك الطاولة.
وعندما يكتب المجتمع وثيقة التحالف، ويضع معاييره، ويختار من يمثله، يصبح الاقتراع فعلًا لاستعادة السياسة، لا مجرد اختيار بين قوائم.
فالأوطان لا يعيد بناءها القادة وحدهم...
بل يعيد بناءها شعبٌ يشعر، للمرة الأولى، أنه لم يُدعَ إلى التحالف...
بل كان هو من صنعه.
يحيى بركات
19/7/2026
د