كاظم حسن سعيد - الشيخ المدرسي يقذف ثورة تشرين.. المنبر الحسيني من ترسيخ القيم إلى بوق الفتن

"(هؤلاء التشارنة فتشوا عنهم؛ إما أبوه قُتل في الحرب العراقية الإيرانية، أو أبوه بعثي، أو أمه بغي)"..
هذا التصريح الصادم الذي أدلى به رجل الدين الخطيب/المدرسي من على المنبر الحسيني، أثار موجة عارمة من الاحتجاجات والاستنكار في الشارع العراقي. فبدلاً مما عُهد عن المنبر الحسيني كونه مساحة للإضاءة، والتذكير بثورة الطف، وترسيخ القيم الإنسانية العليا، تحول في هذا الخطاب إلى بوق لإثارة الفتن والطعن في الأعراض والثورات الشعبية.

ثورة تشرين: وهج الحراك الديمقراطي العراقي

إن ثورة تشرين، التي انطلقت في أكتوبر عام 2019، تُعد واحدة من أبرز وأكبر الحركات الاحتجاجية الشعبية في تاريخ العراق المعاصر؛ نظراً لزخمها الجغرافي، وطبيعتها الشبابية العفوية، وحجم التضحيات الجسيمة التي قُدمت خلالها.

اندلعت هذه التظاهرات مدفوعة بتراكمات سنوات طويلة من المعاناة، وتمثلت مطالبها الأولية في:
تردي الخدمات الأساسية: مثل الانقطاع المستمر للكهرباء، شح المياه الصالحة للشرب، وتهالك البنية التحتية.

تفاقم البطالة: خاصة بين فئات الخريجين والشباب المعطلين عن العمل.

استشراء الفساد المالي والإداري: والمطالبة بإنهاء نظام المحاصصة الطائفية والسياسية الذي أدار البلاد بعد عام 2003.
التحول نحو المطالب السياسية الجذرية

مع اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل العاصمة بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية (بما فيها البصرة، وذي قار، وميسان، والنجف، وكربلاء)، ارتفع سقف المطالب بسرعة نتيجة المواجهة العنيفة من قبل السلطة. وتحولت الشعارات من "المطالبة بفرص العمل" إلى أهداف سياسية بنيوية:

"نريد وطن".. الشعار الأيقوني الذي لخص رغبة المحتجين في استعادة الهوية الوطنية العراقية بعيداً عن التبعية والتدخلات الخارجية.
إسقاط المنظومة: عبر المطالبة بحل البرلمان، وتغيير قانون الانتخابات، وتشكيل مفوضية مستقلة تماماً، ومحاسبة قتلة المتظاهرين.
سلمية بوجه القمع والترهيب

تميزت الثورة بسلميتها من جانب المتظاهرين، والذين واجهوا في المقابل قمعاً مفرطاً باستخدام الرصاص الحي، والغاز المسيل للدموع العسكري (الذي كان يُوجّه مباشرة إلى الرؤوس)، فضلاً عن حملات الاغتيال الممنهجة والاختطاف التي طالت الناشطين والمثقفين.

وتشير التقارير الرسمية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية إلى:
سقوط أكثر من 800 شهيد من المتظاهرين السلميين , وإصابة عشرات الآلاف بجروح مختلفة، وتحول الآلاف منهم إلى أصحاب إعاقات دائمة نتيجة الإصابات المباشرة بالقنابل الدخانية أو الرصاص.
أمام هذا الصمود الأسطوري وتعاظم التضحيات، أُجبرت الحكومة العراقية آنذاك برئاسة عادل عبد المهدي على تقديم استقالتها، لتبقى تشرين محطة فارقة لا يمكن لخطاب التخوين والنيل من الأعراض أن يمحو أثرها في الوجدان العراقي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى