يقول العراقيون: “شهر آب يحرگ المسمار بالباب»، ويقولون أيضًا: “تموز يغلي التنور، وآب يذيب الحجر».
ولم تكن هذه الأمثال مبالغة، بل وصفًا لصيفٍ يعرفه العراقيون منذ آلاف السنين، يوم كانت الشمس سيّدة السماء، وكان الناس سيّدي الصبر.
لكن العراقي، قبل أن يعرف المكيّفات والسبلتات، كان يعرف كيف يصادق الصيف. كانت البيوت تتنفس مع الفجر، وتغلق أبوابها في الظهيرة، وتُعلَّق «المهافيف» المصنوعة من سعف النخيل في كل بيت، تلوّح بها الجدات والأمهات ساعات طويلة حتى صار صوتها جزءًا من ذاكرة الطفولة.
وفي بعض البيوت كانت النوافذ تُغطّى بـ «العاكول» أو الحصران المبللة بالماء، فيمر الهواء خلالها باردًا، كأن الطبيعة اخترعت أول جهاز تبريد قبل أن يخترع الإنسان المكيّف.
وكان الماء نفسه يعيش حياة أخرى. جرّة الفخار في زاوية الدار، ينساب منها ماء بارد بطعم الأرض، لا ينافسه ماء الثلاجات مهما بلغت برودتها.
وإذا أقبل الليل، صعد الجميع إلى السطوح؛ فرشٌ بيضاء، ووسائد خفيفة، ونجوم لا يحجبها شيء، وأحاديث تمتد حتى يغلبهم النعاس. هناك، فوق السطح، كان النسيم أرحم من كل أجهزة التكييف التي عرفناها لاحقًا.
ثم تغيّرت الحياة العراقية، صرنا لا نقيس الصيف بدرجات الحرارة، بل بعدد ساعات انقطاع الكهرباء.
الحرّ عندنا ليس رقمًا في نشرة الأنواء الجوية، بل جدول تقنين غير مكتوب، نحفظه كما نحفظ أسماء أمهاتنا. نعدّ النهار بالأمبير، والليل بالاشتراك، ونقيس أعمارنا بما مرّ علينا من صيوف بلا ظلّ.
في بلادٍ أخرى، الصيف موسم عطلات. أما في العراق، فهو امتحان يومي في الصبر. الكهرباء تزورنا زائرةً خجولة، لا تطيل الجلوس، كأنها تخشى أن تتعلق بنا.
تأتي، فنستقبلها استقبال الغائب العائد؛ تُشغَّل الغسالات دفعة واحدة، وتتنفس الثلاجات الصعداء، وتضاء الغرف كأنها اكتشفت النور للتو. ثم تمضي سريعًا، فنعود إلى مراسيم الانتظار.
وللكهرباء في العراق قاموسها الخاص. فـ الأمبير ليس مجرد وحدة قياس، بل عقد اجتماعي بين الجار وصاحب المولدة. والمولدة ليست آلة صماء، بل كائن ذو مزاج، يعلو صوته حين يغضب، ويخفت حين يرضى.
أما صاحبها، فقد أصبح في بعض الأحياء أشبه بوزير للطاقة، يقرر متى يبرد الناس، ومتى يكتفون بالصبر.
في الأزقة، تتجاور أصوات المولدات كما تتجاور العائلات. ضجيج لا يُطاق، لكنه مع الأيام أصبح جزءًا من هوية المكان، مثل لهجة المدينة، أو رائحة الخبز الحار عند الفجر. نضيق به، لكننا نقلق إذا غاب. فالصمت في أشهر الصيف ليس راحة، بل نذير بانقطاع أطول.
ما زلن الأمهات يخضن معركة يومية مع الزمن. يختصرن أعمال ساعات في دقائق حضور الكهرباء؛ قدر الضغط، والغسالة، والمكواة، والخلاط، كلها تعمل في وقت واحد، في سيمفونية منزلية لا تُعزف إلا في العراق.
ثم، ما إن ينقطع التيار، حتى يجلسن بهدوء، كأن جولة من الحرب انتهت، وستبدأ أخرى بعد قليل.
وللشعراء نصيبهم أيضًا من هذا الصيف الكهربائي. يكتبون على ضوء متقطع، فتأتي نصوصهم ومضات؛ جملة مضيئة، وأخرى في الظل. وربما لهذا صارت قصائد كثيرة تشبه الكهرباء نفسها: تأتي فجأة، وتختفي فجأة!
ومع كل ذلك، تبقى الذاكرة أكثر رحمة من الحاضر. نتذكر ليلة على السطح، ومهفةً بيد الجدة، وجرّة فخار يبرد فيها الماء، ونافذة يهب منها هواء مرّ على العاكول المبلل، فنشعر أن الفقر يومها كان أرحم من بعض مظاهر الرفاه اليوم.
لم تكن لدينا سبلتات، لكن كانت لدينا كهرباء. ولم تكن لدينا أجهزة ذكية، لكن كانت لدينا جلسات أذكى، وأحاديث أطول، وقلوب أكثر هدوءًا.
ليس هذا المقال عن الكهرباء، بل عن العراقي الذي تعلّم، منذ أن قيل: «شهر آب يحرگ المسمار بالباب»، أن يصادق الحرّ، ثم اضطر أن يصادق انقطاع الكهرباء أيضًا.
قد ينقطع التيار، وقد يتأخر الفرج، لكن العراقي لا تنطفئ روحه؛ يضحك من وجعه، ويتخذ من السخرية مروحةً لا تحتاج إلى كهرباء.
ولو كان الصبر يُولِّد الطاقة، لكان العراق اليوم أكبر مُصدِّرٍ للكهرباء في العالم.
ولم تكن هذه الأمثال مبالغة، بل وصفًا لصيفٍ يعرفه العراقيون منذ آلاف السنين، يوم كانت الشمس سيّدة السماء، وكان الناس سيّدي الصبر.
لكن العراقي، قبل أن يعرف المكيّفات والسبلتات، كان يعرف كيف يصادق الصيف. كانت البيوت تتنفس مع الفجر، وتغلق أبوابها في الظهيرة، وتُعلَّق «المهافيف» المصنوعة من سعف النخيل في كل بيت، تلوّح بها الجدات والأمهات ساعات طويلة حتى صار صوتها جزءًا من ذاكرة الطفولة.
وفي بعض البيوت كانت النوافذ تُغطّى بـ «العاكول» أو الحصران المبللة بالماء، فيمر الهواء خلالها باردًا، كأن الطبيعة اخترعت أول جهاز تبريد قبل أن يخترع الإنسان المكيّف.
وكان الماء نفسه يعيش حياة أخرى. جرّة الفخار في زاوية الدار، ينساب منها ماء بارد بطعم الأرض، لا ينافسه ماء الثلاجات مهما بلغت برودتها.
وإذا أقبل الليل، صعد الجميع إلى السطوح؛ فرشٌ بيضاء، ووسائد خفيفة، ونجوم لا يحجبها شيء، وأحاديث تمتد حتى يغلبهم النعاس. هناك، فوق السطح، كان النسيم أرحم من كل أجهزة التكييف التي عرفناها لاحقًا.
ثم تغيّرت الحياة العراقية، صرنا لا نقيس الصيف بدرجات الحرارة، بل بعدد ساعات انقطاع الكهرباء.
الحرّ عندنا ليس رقمًا في نشرة الأنواء الجوية، بل جدول تقنين غير مكتوب، نحفظه كما نحفظ أسماء أمهاتنا. نعدّ النهار بالأمبير، والليل بالاشتراك، ونقيس أعمارنا بما مرّ علينا من صيوف بلا ظلّ.
في بلادٍ أخرى، الصيف موسم عطلات. أما في العراق، فهو امتحان يومي في الصبر. الكهرباء تزورنا زائرةً خجولة، لا تطيل الجلوس، كأنها تخشى أن تتعلق بنا.
تأتي، فنستقبلها استقبال الغائب العائد؛ تُشغَّل الغسالات دفعة واحدة، وتتنفس الثلاجات الصعداء، وتضاء الغرف كأنها اكتشفت النور للتو. ثم تمضي سريعًا، فنعود إلى مراسيم الانتظار.
وللكهرباء في العراق قاموسها الخاص. فـ الأمبير ليس مجرد وحدة قياس، بل عقد اجتماعي بين الجار وصاحب المولدة. والمولدة ليست آلة صماء، بل كائن ذو مزاج، يعلو صوته حين يغضب، ويخفت حين يرضى.
أما صاحبها، فقد أصبح في بعض الأحياء أشبه بوزير للطاقة، يقرر متى يبرد الناس، ومتى يكتفون بالصبر.
في الأزقة، تتجاور أصوات المولدات كما تتجاور العائلات. ضجيج لا يُطاق، لكنه مع الأيام أصبح جزءًا من هوية المكان، مثل لهجة المدينة، أو رائحة الخبز الحار عند الفجر. نضيق به، لكننا نقلق إذا غاب. فالصمت في أشهر الصيف ليس راحة، بل نذير بانقطاع أطول.
ما زلن الأمهات يخضن معركة يومية مع الزمن. يختصرن أعمال ساعات في دقائق حضور الكهرباء؛ قدر الضغط، والغسالة، والمكواة، والخلاط، كلها تعمل في وقت واحد، في سيمفونية منزلية لا تُعزف إلا في العراق.
ثم، ما إن ينقطع التيار، حتى يجلسن بهدوء، كأن جولة من الحرب انتهت، وستبدأ أخرى بعد قليل.
وللشعراء نصيبهم أيضًا من هذا الصيف الكهربائي. يكتبون على ضوء متقطع، فتأتي نصوصهم ومضات؛ جملة مضيئة، وأخرى في الظل. وربما لهذا صارت قصائد كثيرة تشبه الكهرباء نفسها: تأتي فجأة، وتختفي فجأة!
ومع كل ذلك، تبقى الذاكرة أكثر رحمة من الحاضر. نتذكر ليلة على السطح، ومهفةً بيد الجدة، وجرّة فخار يبرد فيها الماء، ونافذة يهب منها هواء مرّ على العاكول المبلل، فنشعر أن الفقر يومها كان أرحم من بعض مظاهر الرفاه اليوم.
لم تكن لدينا سبلتات، لكن كانت لدينا كهرباء. ولم تكن لدينا أجهزة ذكية، لكن كانت لدينا جلسات أذكى، وأحاديث أطول، وقلوب أكثر هدوءًا.
ليس هذا المقال عن الكهرباء، بل عن العراقي الذي تعلّم، منذ أن قيل: «شهر آب يحرگ المسمار بالباب»، أن يصادق الحرّ، ثم اضطر أن يصادق انقطاع الكهرباء أيضًا.
قد ينقطع التيار، وقد يتأخر الفرج، لكن العراقي لا تنطفئ روحه؛ يضحك من وجعه، ويتخذ من السخرية مروحةً لا تحتاج إلى كهرباء.
ولو كان الصبر يُولِّد الطاقة، لكان العراق اليوم أكبر مُصدِّرٍ للكهرباء في العالم.