علي سيف الرعيني _|باب المندب : ومعادلة الحصار بالحصار!!

ليست كل القرارات تُقاس بما يُكتب في بياناتها الرسمية فبعضها يُقرأ من خلال ما يتركه من ارتدادات تتجاوز حدود المكان والزمان. وعندما يُعلن عن حظرٍ للملاحة يستهدف دولة بعينها في مضيق باب المندب، فإن الأمر لا يتعلق بممر مائي فحسب، بل برسالة سياسية تُرسل من إحدى أكثر النقاط الجغرافية حساسية في العالم
لقد ظل باب المندب، على امتداد التاريخ، أكثر من مجرد مضيق يفصل بين قارتين ويربط بين بحرين كان شرياناً تمر عبره التجارة العالمية، ومعبراً تتقاطع فيه مصالح الدول الكبرى والإقليمية، حتى أصبح من يملك التأثير فيه يمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن لتصل إلى أسواق المال والطاقة وخطوط التجارة الدولية
ومن هنا فإن أي قرار يتعلق بالملاحة في هذا المضيق لا ينعكس على طرف واحد فقط، بل تمتد آثاره إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية. فالسفن لا تنقل البضائع وحدها، وإنما تحمل معها استقرار الأسواق، وإيقاع الاقتصاد العالمي، وثقة المستثمرين، وأي اضطراب في هذا الطريق ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والتأمين وأسعار السلع والطاقة
أما على المستوى السياسي فإن مثل هذه القرارات تعكس انتقال الصراعات من حدود اليابسة إلى البحار، حيث أصبحت الممرات البحرية جزءا من معادلات الردع والضغط المتبادل فالقوة في عالم اليوم لم تعد تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الترسانة العسكرية، وإنما أيضاً بالقدرة على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي، وامتلاك أوراق تجعل الخصوم يعيدون حساباتهم قبل اتخاذ قراراتهم
وفي المقابل، فإن هذه التطورات تضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد. فحرية الملاحة تمثل مصلحة عالمية، وأي تهديد لها يدفع القوى الكبرى إلى تعزيز حضورها البحري، ورفع مستوى التنسيق الأمني، ومحاولة احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى أزمة أوسع يصعب التحكم في تداعياتها
أما اليمن، وهو يقف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فيجد نفسه مرة أخرى في قلب معادلة تتجاوز إمكاناته الاقتصادية بكثير. فالجغرافيا التي منحته موقعاً استثنائياً، جعلته أيضاً طرفاً دائماً في صراعات المصالح الدولية، حتى باتت مياهه الإقليمية محط أنظار العالم أكثر مما هي مصدر ازدهار لشعبه.
ورغم أن القرارات السياسية قد تحقق مكاسب تفاوضية أوتعكس رسائل قوة في لحظة معينة، إلا أن التاريخ يثبت أن استقرار الممرات البحرية يظل مصلحة مشتركة لجميع الأطراف فكلما اتسعت دائرة التصعيد ارتفعت كلفته على الجميع، ولم يعد هناك رابح كامل أو خاسر كامل، بل تتوزع الخسائر بين الاقتصاد والأمن والاستقرار الإقليمي
إن باب المندب ليس مجرد اسم على الخريطة، بل نقطة تختصر العلاقة المعقدة بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد. ومن يتأمل ما يجري اليوم يدرك أن المضائق ليست مجرد ممرات للسفن، بل ممرات تعبر من خلالها رسائل القوة، وتُعاد عندها صياغة موازين النفوذ، وتُختبر فيها قدرة العالم على حماية مصالحه المشتركة
يبقى الدرس الأهم أن الجغرافيا قد تمنح الدول موقعاً استثنائياً، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة المستقبل. فالقوة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تتحول هذه الجغرافيا إلى مصدر للاستقرار والتنمية، لا إلى ساحة مفتوحة للصراع!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى