د. أحمد الحطاب - الكرسي الفارغ يكون دائما في صالِحِ الفاسدين!

فكرة "المجتمع" غير مُمكِنة إذا لم تتوفَّر، في هذا المجتمع ظروف التَّساكن ĺa cohabitation والتَّعايش la coexistence بين أعضائه (رجالاً ونساءً). فما هي ظروف التَّساكُن والتَّعايش التي، من المفتَرض، أن تعُمَّ بين أفرادِ المجتمع؟

يمكن تلخيصً هذه الظروف في تَحَلِّي أفراد المجتمع بالأخلاق الإنسانية النبيلة التي يمكِن تلخِيصُها، هي الأخرى، في مجموعة من القِيمِ les valeurs أو المبادئ les ،principes يأتي على رأسها، الصِّدق l'honnêteté، والعدل la justice والتواضع la modestie والرحمة l'indulgence والعفو la clémence والتَّسامح la tolérance… وهذه القِيم والمبادئ، هي التي تُوجِّه سلوكَ الناس وتصرُّفهم داخل المجتمعات، وبالأخص، عندما يتعلَّق الأمرُ بالتَّعامُل مع الآخرين.

بصفةٍ عامة، هذه القِيم والمبادئ هي التي تجعل التَّساكنَ والتَّعايشَ مُمكِنين داخلَ المجتمعات، علما أن أفرادَ هذه الأخيرة ليس لهم نفس النظرة للعالمِ المحيط بهم. بمعنى أن كلَّ فردٍ في المحتمع يجرُّ وراءه تاريخا مليئا بالتجارب والأحداث والأفكار. وهذه التجارب والأحداث والأفكار، هي التي، بواسِطتِها، يدرك الناسُ العالمَ المُحيطَ بهم.

غيرَ أن الأخلاق النبيلة أو الحميدة يقابلُها، في الجانبِ الآخر، الأخلاق السيئة أو الأخلاق الفاسِدة، أي الأخلاق المنبوذة اجتماعياً والتي تسيء للمجتمعات البشرية. بمعنى أنها، في الحقيقة، تسيء للتَّساكن والتَّعايُش داخلَ المُجتمعات.

هذا هو حالُ المجتمعات البشرية لأن أفرادَها مجبولون، فِطرِياً، على الأخلاق النبيلة وعلى الأخلاق السيئة. بمعنى أن نفسَ البشر قد يتصرفون اعتِماداً على الأخلاق النبيلة، وقد يتصرفون اعتماداً على الأخلاق الفاسِدة، وذلك حسب ما يرونه من مصلحةٍ في تصرُّفهم هذا.

ما هو متعارف عليه، هو أن الدولةَ تسعى، دائماً، إلى إيجاد توازن un équilibre بين ما هو موجَّهٌ لخدمة الصالحِ العام، وبين ما يخدم المصلحةَ الخاصة للأفراد. وهذا التوازنُ يجد مشروعيتَه في سن القوانين. والقوانين تجد مشروعِيتَها في تدبير الشأن العام. وتدبير الشأن العام يجد مشروعيتَه في السياسة. والسياسة هي الشغل الشاغل للأحزاب السياسية. والأحزاب السياسية تضمُّ، في صفوفِها، ناساً من ذوي الأخلاق النبيلة، وهم قليلون. كما تضمُّ، في نفس الصفوف، ناساً من ذوي الأخلاق الفاسِدة.

لهذا عنونتُ هذه المقالة ب"الكرسي الفارغ يكون دائما في صالِحِ الفاسدين!". بمعنى أنه، عندما يغيب، في حزب من الأحزاب السياسية، أصحابُ الأخلاق النبيلة، وهم قلةٌ قليلة une hyperminotité، يُفتَح الباب على مصراعيه للفاسدين ليفكِّروا، أولاً وقبل كل شيءٍ، في تضخيم مصالِحِهم الشخصية، وذلك لأسباب كثيرة أذكر من بينها ما يلي :

1.لأن انضمامَ الفاسدين للأحزاب السياسية سببُه الأساسي هو استِغلالُ هذه الأحزاب للتَّمادي في الفساد، وربما إضفاء "المشروعِية" la légalité على هذا الفساد، عبر استِغلالِ النفوذ والسلطة. بمعنى أن هذا الانخراط هو، في الحقيقية، انتهازية opportunisme، وليس، على الإطلاق، تفكيرٌ في خدمة الصالحِ العام.

2.غيابُ أصحاب الأخلاق النبيلة، على قلتهم، يترك فراغا، سرعان ما يستغلُه أصحاب الأخلاق الفاسدة لخدمة مصالِحهم الشخصية، وذلك على حساب خدمة الصالح العام. حينها، يُفتَح البابُ لكل أنواع الفساد، وعلى رأسها الزبونية le clientélisme والوصولية l'arrivisme والتلاعب بالمال العام la manipulation des deniers publics.

3.غياب أصحاب الأخلاق النبيلة يترك فراغاً يستحِيل معه الدفاع عن خدمة الصالِح العام. وإن تمَّ هذا الدفاع، فإنه سرعان ما يذوب في غياهيب الفساد والمُفسِدين.

في الحقيقة، كل كراسي أحزابنا السياسية فارغة من الأخلاق النبيلة. لأنه لا يوجد حزبٌ سياسي واحد يؤدي مهامَّه الدستورية على أحسن وجه. والدليل على ذلك، حينما تقترب الاستِحاقات الانتخابية التشريعية، كل حزب، على حِدة، يفكِّر، فقط وحصرياً، في كيفية الحصول على أكبر عددٍ من الأصوات ليشقَّ طريقَه نحو كراسي السلطة. والكيفية الوحيدة للحصول على هذا العدد من الأصوات، هو لجوء أحزابنا السياسية، لتزكية الأعيان les dignitaires. وجل الأعيان ليسوا ملائكة، بل بشرٌ أكثرهم من الفاسدين.

ولهذا، فكُرسي الدفاع عن الصالح العام، عند أحزابنا السياسية يكون دائما فارِغا، وبالتالي، يفتح البابَ واسِعا لجميع أنواع الفساد. والفسادُ لا تُمطِره السماء. إنه ناتِجٌ عن كيفية ممارسة السياسة. إن مارست أحزابُنا السياسية السياسةَ، بحُسن نية، أي انطِلاقا من الأخلاق النبيلة، فإن الصالحَ العام هو الرابِح. وإن مارستها، بسوء نية، أي انطِلاقاً من الأخلاق السيِّئة (الفاسِدة)، فالواقع يوجد أمامنا ولا يحتاج إلى توضيح. حينها، يختلط الصالحُ بالطالحِ، وغالبا ما يتفوَّقُ الطالح على الصالح.

السياسي الفاسد دخل ويدخل عالم السياسة، بسوء نية، أي أن هدفَه من هءا الدخول، هو التَّمادي في فساده، أو ليُمارسَ هذا الفسادَ، وهو محمي من طرف حزبه. ولا داعيَ للقول أن السياسي الفاسِد لا أخلاقَ له ولا مبادئ. ولهذا، فهو انتهازي opportuniste بامتياز، وليس له أخلاق تُقيِّد تصرُّفَه في الحياة. إذن، فهو مستعِدٌّ للمُناورات والمخادعات والتضليلات وشراء الضمائر والولاءات… لتحقيق أهدافِه التي، من أجلها اعتنق عالمَ السياسة. وإذا كان هذا السياسي من الأعيان، فسيطرتُه على شريحة عريضة من المجتمع مضمونة.

ولا داعِيَ للقول أن السياسي الفاسِد يتربَّص الفرصَ لاستِغلالِها استِغلالاً لا يُراعي مصلحة الآخرين. فكل أزمة اجتماعية أو اقتصادية تُستغلُّ بأبشعِ الطرق، ولو كانت مؤلِمةً للغير.

والسياسي الفاسِد لا يضع في حُسبانِه أن الأوضاعَ السياسية قد تتغيَّر في يومٍ من الأيام، وأن وعيَ الشعوب قد يزداد حجماً واتِّساعاً، وأن ثقتَهم في المؤسسات قد تنمو. لا، السياسي الفاسد لا يرى إلا اللحظةَ التي يكون فيها فسادُه مُربِحا. لماذا؟

لأن السياسيَ الفاسد لا يرى أنه بتصرُّفِه الفاسد يظلِم مجتمعاً بأكملِه، وفي نفس الوقت، يظلِم أعضاءَه، وخصوصا، منهم الضعفاء والفقراء.

شتَّأن ما بين أحزابنا السياسية، كما أشارَ لها الدستور المغربي، وبين الواقع السياسي المفروض على الناس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى