مقتضيات الإصلاح وأزمة الحوكمة... هل آن الأوان لمراجعة شاملة لأداء الحكومة الفلسطينية؟
قراءة سياسية وقانونية واستراتيجية في واقع الإدارة العامة ومتطلبات المرحلة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الحديث عن الأزمة الفلسطينية يقتصر على تداعيات الاحتلال الإسرائيلي وسياساته الرامية إلى تقويض المشروع الوطني الفلسطيني، بل بات يشمل أيضاً الأزمة المركبة التي تعاني منها مؤسسات الإدارة العامة، وما ترتب عليها من تراجع في الأداء الحكومي، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، واتساع فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فالشعب الفلسطيني يخوض اليوم معركتين متوازيتين؛ الأولى مع الاحتلال الذي يواصل حربه على الأرض والإنسان والاقتصاد، والثانية مع واقع داخلي يتطلب مراجعة شاملة لآليات الإدارة والحكم، بما يعزز صمود المجتمع ويرفع كفاءة مؤسسات الدولة ويكرس مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون.
ولأن المسؤولية الوطنية تقتضي المصارحة قبل المكاشفة، فإن تقييم أداء الحكومة يجب أن ينطلق من معايير موضوعية، بعيداً عن الشخصنة أو المناكفات السياسية، فالحكومات في الدول الحديثة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما أداة لتنفيذ السياسات العامة، وتخضع بطبيعتها للتقييم والمساءلة والتغيير متى اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.
إصلاحات لم يلمس المواطن نتائجها
خلال السنوات الماضية تبنت الحكومة الفلسطينية برنامجاً للإصلاح المالي والإداري ارتبط بصورة مباشرة بالتفاهمات مع الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، باعتبار أن تلك الإصلاحات تشكل مدخلاً لتعزيز الاستقرار المالي واستمرار الدعم الدولي.
وقد تضمنت تلك البرامج إجراءات هدفت إلى ضبط النفقات العامة، وتطوير الإدارة المالية، وتعزيز الجباية، وإعادة هيكلة بعض القطاعات، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية. غير أن المعيار الحقيقي لنجاح أي إصلاح لا يقاس بالتقارير الفنية أو رضا الجهات المانحة، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطنين.
واليوم، وبعد مرور سنوات على تطبيق تلك البرامج، يحق للمواطن الفلسطيني أن يتساءل: أين نتائج الإصلاح؟
فالواقع يشير إلى تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، واستمرار الأزمة المالية، وتآكل الطبقة الوسطى، واتساع دائرة الاحتياجات الاجتماعية، بينما أصبحت الضرائب والرسوم إحدى الوسائل الأساسية لسد العجز المالي، الأمر الذي زاد من الأعباء الملقاة على كاهل المواطنين والقطاع الخاص.
ولا خلاف على أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الرئيسية عن الأزمة الاقتصادية، من خلال احتجاز أموال المقاصة، وتقييد حركة التجارة والاستثمار، وتدمير البنية الاقتصادية الفلسطينية، إلا أن ذلك لا يعفي السلطة التنفيذية من مسؤوليتها في إدارة الموارد المتاحة بكفاءة، وترتيب الأولويات، وتطوير سياسات اقتصادية أكثر عدالة وفاعلية.
أزمة الخدمات العامة... مؤشر على خلل الإدارة
المواطن لا يقيس نجاح الحكومات بالشعارات، وإنما بجودة الخدمات التي يحصل عليها.
فالقطاع الصحي يشهد تحديات متزايدة تتمثل في نقص الأدوية، وتأخر التحويلات الطبية، والاكتظاظ في المستشفيات، ونقص الكوادر والتجهيزات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الحق الدستوري والإنساني في الحصول على الرعاية الصحية.
أما قطاع التعليم، فقد دخل بدوره مرحلة من الجدل المجتمعي بعد الإعلان عن التوجه نحو التحول إلى التعليم الرقمي وإلغاء الكتب المدرسية الورقية للمرحلة
قراءة سياسية وقانونية واستراتيجية في واقع الإدارة العامة ومتطلبات المرحلة
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الحديث عن الأزمة الفلسطينية يقتصر على تداعيات الاحتلال الإسرائيلي وسياساته الرامية إلى تقويض المشروع الوطني الفلسطيني، بل بات يشمل أيضاً الأزمة المركبة التي تعاني منها مؤسسات الإدارة العامة، وما ترتب عليها من تراجع في الأداء الحكومي، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، واتساع فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فالشعب الفلسطيني يخوض اليوم معركتين متوازيتين؛ الأولى مع الاحتلال الذي يواصل حربه على الأرض والإنسان والاقتصاد، والثانية مع واقع داخلي يتطلب مراجعة شاملة لآليات الإدارة والحكم، بما يعزز صمود المجتمع ويرفع كفاءة مؤسسات الدولة ويكرس مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون.
ولأن المسؤولية الوطنية تقتضي المصارحة قبل المكاشفة، فإن تقييم أداء الحكومة يجب أن ينطلق من معايير موضوعية، بعيداً عن الشخصنة أو المناكفات السياسية، فالحكومات في الدول الحديثة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما أداة لتنفيذ السياسات العامة، وتخضع بطبيعتها للتقييم والمساءلة والتغيير متى اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.
إصلاحات لم يلمس المواطن نتائجها
خلال السنوات الماضية تبنت الحكومة الفلسطينية برنامجاً للإصلاح المالي والإداري ارتبط بصورة مباشرة بالتفاهمات مع الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية، باعتبار أن تلك الإصلاحات تشكل مدخلاً لتعزيز الاستقرار المالي واستمرار الدعم الدولي.
وقد تضمنت تلك البرامج إجراءات هدفت إلى ضبط النفقات العامة، وتطوير الإدارة المالية، وتعزيز الجباية، وإعادة هيكلة بعض القطاعات، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية. غير أن المعيار الحقيقي لنجاح أي إصلاح لا يقاس بالتقارير الفنية أو رضا الجهات المانحة، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطنين.
واليوم، وبعد مرور سنوات على تطبيق تلك البرامج، يحق للمواطن الفلسطيني أن يتساءل: أين نتائج الإصلاح؟
فالواقع يشير إلى تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، واستمرار الأزمة المالية، وتآكل الطبقة الوسطى، واتساع دائرة الاحتياجات الاجتماعية، بينما أصبحت الضرائب والرسوم إحدى الوسائل الأساسية لسد العجز المالي، الأمر الذي زاد من الأعباء الملقاة على كاهل المواطنين والقطاع الخاص.
ولا خلاف على أن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الرئيسية عن الأزمة الاقتصادية، من خلال احتجاز أموال المقاصة، وتقييد حركة التجارة والاستثمار، وتدمير البنية الاقتصادية الفلسطينية، إلا أن ذلك لا يعفي السلطة التنفيذية من مسؤوليتها في إدارة الموارد المتاحة بكفاءة، وترتيب الأولويات، وتطوير سياسات اقتصادية أكثر عدالة وفاعلية.
أزمة الخدمات العامة... مؤشر على خلل الإدارة
المواطن لا يقيس نجاح الحكومات بالشعارات، وإنما بجودة الخدمات التي يحصل عليها.
فالقطاع الصحي يشهد تحديات متزايدة تتمثل في نقص الأدوية، وتأخر التحويلات الطبية، والاكتظاظ في المستشفيات، ونقص الكوادر والتجهيزات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الحق الدستوري والإنساني في الحصول على الرعاية الصحية.
أما قطاع التعليم، فقد دخل بدوره مرحلة من الجدل المجتمعي بعد الإعلان عن التوجه نحو التحول إلى التعليم الرقمي وإلغاء الكتب المدرسية الورقية للمرحلة