أ. د. عادل الأسطة - ناصر أبو سرور : حكاية جدار عن تجنيس الكتاب والنخب والكتابة

عندما تنظر إلى غلاف كتاب ناصر أبو سرور " حكاية جدار " ( 2022 ) يلفت دال " حكاية " في العنوان نظرك بأن الشكل الفني للكتاب هو حكاية ، ولكنك إن نظرت إلى أسفل الغلاف فستقرأ دال " رواية " ، ما يعني أنك ستقرأ رواية ، علما بأنها لا تخلو من الحكاية ، وأنك تعلم أنها جنس أدبي تلا الحكاية .
في التمهيد يخاطب ناصر القاريء :
" وما كان لجمل هذا النص أن تصطف لولا استنادها إلى عنصر ثابت ووحيد هو الجدار .. "
إن الكلمة اللافتة هي " النص " . هنا نقرأ تجنيسا ثالثا . حكاية . رواية . نص .
وفي التمهيد يقول لنا ناصر إنه كتب ما أملاه عليه الجدار وحسب قوانين تخصه وحده . فهل للجدار قوانين خاصة بالجنس الأدبي ؟
بعيدا عما سلف ستقرأ نثرا يعتمد على سيرة حياة الكاتب وتجربته الحياتية والاعتقالية بأسلوب أدبي يبتعد عن التعبير المباشر واللغة اليومية المباشرة ، فناصر يتذمر " من فقر آدابنا الحديثة للصورة " .
يضاف إلى الدوال المذكورة دال " الرسالة " ، فالكتاب يحفل بأسلوب الرسالة ، وهو ، كما نعرف من خلال رواية " آلام فارتر " ل ( غوتة ) ، أحد أساليبها فوق ما سبق ستقرأ أيضا قصيدتين.
هل كان الكاتب موفقا حين ابتعد عن المباشرة ولجأ إلى التعبيرات المجازية المبالغ في استخدامها ، أم أنه ولد للقاريء الملل ، فحال بينه وبين إتمام القراءة ؟
صورة النخب :
نقرأ في التصدير الآتي :
" أنا صوت هذا الجدار وهكذا قرر أن يتكلم ، إنها كتابة السجن بكل ما فيها من اضطراب وتوعك وتخبط ، ولم تولد هذه الكتابة خلال حديث مسائي في أحد مقاهي المثقفين حول مائدة تعج بالمشاريب والأخبار ، بل ولدت من رحم جدار اسمنتي حتى إنها تكاد تخدش ، إنها كتابة مطعمة بالحديد والصلب والأسمنت " ( صفحة ٧ و ٨ ) .
لا يختلف عن رأي ناصر هذا الجدل الذي ثار في أثناء طوفان الأقصى حول الكتابة عن غزة من داخلها ومن خارجها ، وكان آخره في ١٨ تموز ٢٠٢٦ حيث كتب شجاع الصفدي منشورا وصف فيه اللحظات التي يهيم فيها النازحون ، محاصرين بأكثر أسئلة الأرض كراهةً وسوادا:
- "وين نروح" ؛
وهي اللحظات التي تنادي فيها عليهم الطائرات المسيرة :
- " غادروا خيامكم وتحركوا غربا " ،
فيما هم يصارعون الوقت لأخذ ما أمكن حمله و يحملون أيضا أطفالهم وكبار السن والحقائب والحسرة ؛ فتصير المرأة بألف ذراع ، والرجل بألف ، لينقذوا ما يمنحهم جزءا من حياة على قربها قذيفة تسابقهم :
" في هذه اللحظات يتناول المشتبكون الهوائيون غداءهم،ويستمتعون بقيلولة، ثم يبحثون عن فرائس غز..ة المستباحة، ويطلقون أنيابهم تنهش المنكوبين، تخوّنهم وتشيطن كل من قال شيئا عن حقيقة" النصر المبيد".. " .
ما سبق يذكر بقصة غسان كنفاني " ورقة من الطيرة " التي تحكي عن حرب ١٩٤٨ ، وفيها يروي محارب قديم تحول بعد النكبة إلى بائع أقراص عجوة قصته ، ويبدي رأيه في القيادات التي تعطي الأوامر ولا تحارب جيدا وأكثرها غير مخلص ، وفي الكتاب الذين يكتبون عن الحرب ولا يعرفون سوى الحبر .
يرى المحارب في كلام الجرائد كلاما لا ينفع ، فالكتاب " يجلسون في مقاعد مريحة وفي غرف واسعة فيها صور وفيها مدفأة ، ثم يكنبون عن فلسطين ، وعن حرب فلسطين ، وهم لم يسمعوا طلقة واحدة في حياتهم كلها ، ولو سمعوا ، إذن ، لهربوا إلى حيث لا أدري ، "
ويرى أن فلسطين ضاعت لسبب بسيط جدا . " كانوا يريدون منا ، نحن الجنود ، أن نتصرف على طريقة واحدة . أن ننهض إذا قالوا انهض وأن ننام إذا قالوا نم ، وأن نتحمس ساعة يريدون منا أن نتحمس ، وأن نهرب ساعة يريدوننا أن نهرب .. وهكذا إلى أن وقعت المأساة ، وهم أنفسهم لا يعرفون متى وقعت ! "
ورأيه يخلو من التعميم فقد كان هناك بعض قادة مخلصين منهم عبد القادر الحسيني وإبراهيم أبو دية ، وقد عرف الأخير وحارب معه .
ناصر أبو سرور واحد من جيل انتفاضة الحجارة ١٩٨٧ ، الجيل الذي رأى فيه " آلهة صغيرة " توحدت مع كل خطاب ثار على الظلم وناصر من لا ينتصر ، الجيل الذي أعلن براءته من قصائد المدح الطويلة والمملة في ملوك وسلاطين " مللنا طول بقائهم فينا وعلينا وفوقنا " إذ " لا خير في قصيدة لم تخرج وراءها مسيرة " . إنه جيل صاحب قضية كذب وصدق كذبته " صدقنا أن فلسطين لا تزال ممكنة " . وهكذا اعتقل في شتاء ١٩٩٣ وحكم بالمؤبد وخرج في طوفان الأقصى . ويأتي ناصر على النخب في صفحات كثيرة ، منها صفحة ١٣٩ وص ١٤٠ وصفحة ١٧٨ .
يكتب مثلا عن جيل أوسلو . رأى فيه جيلا لا يقاوم ، ولكنه كذب توقعات جيل انتفاضة ١٩٨٧ وتحليلاته ، فقاوم في انتفاضة الأقصى" في حين هربت النخب إلى كتبها وكهوفها " ،وحين حوصر الرئيس عرفات " غابت النخب من جديد " متخلية عنه ، وتمسكت أكثر بخيارها المفاوض مقابل عدو تخلى عن كل أشباه خطابات السلام ، وغازلته أكثر روايته القديمة عن أرض إسرائيل الكبرى " .
هل النخب حقا كما كتب عنها ناصر وشجاع وحكى عنها المحارب؟
في كتاب إدوارد سعيد " صور المثقف " غير صورة للمثقف ! ويحكي تاريخ الثورة الفلسطينية عن مثقفين دفعوا حياتهم ثمنا !
ربما في الموضوع وجهات نظر!
مقال الأحد القادم ٢٦ تموز ٢٠٢٦ لجريدة الأيام الفلسطينية / دفاتر الأيام / عادل الأسطة
٢٠ تموز ٢٠٢٦
ناصر أبو سرور: حكاية جدار عن تجنيس الكتاب والنخب والكتابة

al-ayyam.ps
ناصر أبو سرور: حكاية جدار عن تجنيس الكتاب والنخب والكتابة
ناصر أبو سرور: حكاية جدار عن تجنيس الكتاب والنخب والكتابة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى