د. غانية ملحيس - من اختطاف المجال العام إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية مدخل نظري لفهم أزمات المشروع الوطني الفلسطيني

ملخص تنفيذي

ينطلق هذا المقال من فرضية مفادها أن أحد أبرز مظاهر الأزمة الفلسطينية الراهنة لا يتمثل في تعدد الأزمات، بقدر ما يتمثل في اختلال ترتيب الأولويات داخل المجال العام الفلسطيني، حيث استحوذت القضايا الوظيفية والإجرائية، مثل الانتخابات، والدستور، والرواتب، والمقاصة، على القسم الأكبر من النقاش السياسي والإعلامي، بينما تراجعت الأسئلة التأسيسية المتعلقة بطبيعة المشروع الوطني، ومرجعياته، ووحدة الشعب الفلسطيني، ووظيفة مؤسساته، وخياراته الاستراتيجية في مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي.

ويقدم إطارًا نظريًا لتحليل أزمات المشروع الوطني الفلسطيني، يقوم على التمييز بين أربعة مستويات مترابطة للأزمة: الأزمات التأسيسية، التي تمس هوية المشروع الوطني ومرجعياته وأهدافه التاريخية؛ والأزمات البنيوية، المرتبطة ببنية النظام الوطني والتمثيل والشرعية؛ والأزمات الوظيفية، التي تتصل بأداء المؤسسات والسياسات العامة؛ والأزمات الاستراتيجية، التي تعبر عن قدرة المشروع الوطني على تحويل مرجعياته وبنيته المؤسسية إلى فعل تاريخي قادر على تحقيق أهدافه في بيئة سياسية فلسطينية وعربية وإقليمية ودولية متغيرة.

ويؤكد المقال أن العلاقة بين هذه المستويات ليست علاقة خطية، بل علاقة تفاعلية ودينامية، إذ يؤثر كل مستوى في المستويات الأخرى ويتأثر بها، بما يجعل معالجة الأزمات الوظيفية، على أهميتها، غير كافية ما لم تُعالج الاختلالات التأسيسية والبنيوية التي تنتجها. كما يبرز دور الفعل الشعبي والميداني في كسر اختلال سلم الأولويات، عبر إعادة طرح الأسئلة الوجودية والتأسيسية على المجال العام في اللحظات التاريخية الفاصلة.

ويخلص إلى أن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني تقتضي استعادة التوازن في المجال العام، والانتقال من إدارة أعراض الأزمة إلى معالجة جذورها، من خلال مراجعة وطنية نقدية شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتربط بين إنتاج المعرفة وإنتاج الوعي، وتحول المخرجات الفكرية إلى أدوات تسهم في تجديد الرؤية الوطنية، وتعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على إعادة بناء مشروعه الوطني التحرري ومؤسساته على أسس أكثر تماسكا وفاعلية.



المقال الكامل: من اختطاف المجال العام إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية

مدخل نظري لفهم أزمات المشروع الوطني الفلسطيني



أولا: اختلال الأولويات في المجال العام الفلسطيني

ليس من قبيل المصادفة أن يتم إغراق المجال العام الفلسطيني في السنوات الأخيرة بنقاش واسع حول اليوم التالي، والدستور، والانتخابات المحلية والتنظيمية والتشريعية والرئاسية، والمقاصة، والرواتب، وتكدس الشيكل في البنوك، وغيرها من القضايا التي تبدو، للوهلة الأولى، شديدة الإلحاح.

فهذه جميعها مسائل تمس حياة الفلسطينيين اليومية، ولا يمكن إنكار مشروعية الاهتمام بها أو التقليل من آثارها المباشرة.

ويقصد باختطاف المجال العام بوصفه مفهوما تحليليا في هذا المقال، انتقال مركز النقاش الوطني من الأسئلة المتعلقة بتعريف المشروع الوطني ومستقبله إلى إدارة ملفات جزئية وإجرائية، بما أدى إلى إعادة ترتيب غير متوازنة لأولويات النقاش السياسي.

غير أن الإشكالية لا تكمن في حضور هذه القضايا في المجال العام، بل في الموقع الذي أصبحت تحتله داخل سلم الأولويات الوطنية.

ففي الوقت الذي يواجه فيه الشعب الفلسطيني أخطر تحول تاريخي في تاريخه المعاصر، تتعلق تداعياته بمصيره، ومستقبل وجوده الوطني، وبنية نظامه السياسي، وإعادة تشكيل البيئة العربية والإقليمية والدولية المحيطة بقضيته، يتراجع النقاش في الأسئلة المؤسسة للمشروع الوطني، لصالح انشغال متزايد بقضايا إجرائية ووظيفية، على أهميتها، لكنها لا تمثل المستوى الذي تتحدد عنده مصائر الشعوب أو تُحسم من خلاله اتجاهات الصراعات التاريخية.

ولا يعني ذلك أن الدستور، أو الانتخابات، أو الرواتب، أو الأزمات الاقتصادية والإدارية قضايا هامشية، أو أنها لا تستحق النقاش، فلكل منها أثر مباشر في حياة الفلسطينيين وفي انتظام مؤسساتهم العامة.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القضايا من أدوات لإدارة الواقع إلى مركز النقاش الوطني، بينما تتراجع إلى الهامش الأسئلة المتعلقة بالتحديات الوجودية، وطبيعة المشروع الوطني، ووحدة الشعب الفلسطيني، ومرجعية تمثيله، ووظيفة مؤسساته، وخياراته الاستراتيجية في مواجهة مشروع استعماري استيطاني إحلالي وظيفي يعمل، في المقابل، وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، لا تنشغل بالتفاصيل إلا بقدر ما تخدم أهدافه الكبرى.

وهنا يبرز سؤال منهجي يسبق جميع الأسئلة السياسية الأخرى: هل تكمن المشكلة في هذه القضايا ذاتها، أم في غياب إطار نظري يميز بين مستويات الأزمات الوطنية، ويعيد ترتيبها وفق عمقها وتأثيرها في مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني؟

ينطلق هذا المقال من فرضية مؤداها أن أحد أبرز مظاهر الأزمة الفلسطينية الراهنة يتمثل في اختلال سلم الأولويات داخل المجال العام، بحيث أصبحت الأزمات الوظيفية والإجرائية تستحوذ على القسم الأكبر من النقاش السياسي والإعلامي، في حين تراجعت الأزمات التأسيسية والبنيوية والاستراتيجية، رغم أنها تمثل المصدر الذي تتفرع عنه معظم الاختلالات الأخرى.

ونتيجة لذلك، باتت كثير من المعالجات تنصرف إلى إدارة أعراض الأزمة، أكثر من انصرافها إلى معالجة جذورها.

غير أن هذا الاختطاف للمجال العام، والارتهان للحلول الإجرائية، لا يسير في مسار حتمي مغلق؛ إذ كثيرا ما يتدخل "الميدان والفعل الشعبي المقاوم" بوصفه متغيرا حاسما يعيد خلط الأوراق.

ففي اللحظات المفصلية، كما تجسد في حرب الإبادة والمواجهات الميدانية الشاملة، يتقدم الميدان ليفرض بالقوة سلم أولويات بديل، ناصبا الأسئلة الوجودية والتأسيسية قسرا على أجندة الجميع.

إن المقاومة والفعل الشعبي في الميدان لا يعبران فقط عن رفض سياسات الاحتلال، بل يشكلان صدمة بنيوية للترتيبات الوظيفية المقيدة للنظام السياسي، حيث يعيدان تذكير النخب بأن الجذر الهيكلي للأزمة ليس "إدارة نتائج الاحتلال"، بل "مواجهة وجوده". وبذلك، يعمل الميدان كقوة كاسرة للاختطاف الوظيفي، موجها بوصلة النقاش السياسي رغماً عن الترتيبات البيروقراطية والنخب السياسية إلى مربع الصراع التأسيسي الأول: الأرض، والوجود، والتحرر الوطني.

ومن هنا، لا يسعى هذا المقال إلى مناقشة الدستور أو الانتخابات أو غيرهما من القضايا الجزئية التي تستحوذ على الاهتمام السياسي والإعلامي، وإنما يهدف الى ترشيد النقاش العام في هذه المرحلة المفصلية التي يعاد فيها تشكيل النظام الإقليمي والدولي، من خلال اقتراح إطار نظري يساعد على إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، عبر التمييز بين مستويات مختلفة من الأزمات التي يواجهها المشروع الوطني الفلسطيني، وبيان العلاقات المتبادلة بينها، بما يسمح بالانتقال من معالجة النتائج إلى التفكير في الأسباب، ومن إدارة الأزمة إلى إعادة بناء المشروع الوطني على أسس أكثر صلابة ووضوحا للتأسيس للنهوض.
ثانيا: مدخل نظري إلى أزمات المشروع الوطني الفلسطيني

لا يمكن مقاربة الواقع الفلسطيني الراهن بوصفه نتاج أزمة منفردة أو حدث سياسي عابر، بل هو حصيلة تراكم تاريخي لمجموعة من الأزمات المتشابكة التي مست أسس المشروع الوطني الفلسطيني، وبنية نظامه السياسي، ووظائف مؤسساته، وخياراته الاستراتيجية.

فمنذ النكبة عام 1948، وما تبعها من تهجير وتشريد غالبية الشعب الفلسطيني وتفكيك كيانه السياسي والاجتماعي، دخل الفلسطينيون في مسار تاريخي معقد، أعادت خلاله التحولات المحلية والعربية والإقليمية والدولية تشكيل طبيعة الصراع وأدواته وأولوياته.

وقد تعمقت هذه التحولات خلال المرحلة التي أعقبت عام 1967، حين أدى احتلال بقية أجزاء الوطن الفلسطيني، إلى جانب أراضٍ عربية مصرية وسورية، إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية للصراع. فقد أنتج هذا التحول واقعا جديدا أعاد ترتيب الأولويات العربية والفلسطينية، وانتقل معه الصراع من مواجهة مشروع استعماري استيطاني إحلالي ذي أبعاد وجودية إلى مقاربة سياسية ركزت تدريجيا على إدارة نتائج الاحتلال الواقع عام 1967. كما شهد النظام العربي الرسمي تحولا استراتيجيا تمثل في إعادة تعريف الصراع واختزاله تدريجيا في إطار إزالة آثار عدوان حزيران/يونيو 1967، وما ترتب على ذلك من تغير في طبيعة الخطاب السياسي وأولويات الفعل الوطني.

وتعمقت هذه التحولات مع صعود نهج التسويات السياسية بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، والتحاق منظمة التحرير الفلسطينية بهذا المسار منذ عام 1974، عبر تبني البرنامج المرحلي (برنامج النقاط العشر)، الذي نقل مركز الثقل السياسي من فكرة التحرير الشامل إلى إقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلت عام 1967. وقد ترافق ذلك مع تحول تدريجي في مفهوم الشرعية السياسية، حيث انتقلت مرجعية القبول الدولي إلى موقع متقدم في تحديد حدود الحركة السياسية الفلسطينية، ولا سيما مع ربط المسار السياسي بالاعتراف بقراري مجلس الأمن 242 لعام 1967 و338 لعام 1973، وما ترتب على ذلك من إعادة تعريف العلاقة بين المشروع الوطني الفلسطيني والنظام الدولي، وصولا إلى إعلان الاستقلال عام 1988.

وبلغ هذا المسار ذروته مع توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، التي أسست لنظام حكم ذاتي انتقالي محدود، وأعادت تشكيل بنية النظام السياسي الفلسطيني ووظائف مؤسساته وعلاقته بالمجتمع الفلسطيني وبالبيئة الدولية.

غير أن التحولات اللاحقة، ولا سيما استمرار التوسع الاستيطاني، وتغير موازين القوة الإقليمية والدولية، والانقسام السياسي الفلسطيني، وصولًا إلى حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة وامتداداتها إلى الضفة الغربية وسائر فلسطين الانتدابية، وما رافقها من تدمير واسع للإنسان والعمران، أعادت طرح الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الصراع العربي - الصهيوني وجوهره الفلسطيني - الإسرائيلي، بوصفه صراعا مركبا تتداخل فيه الأبعاد الوطنية الفلسطينية مع الأبعاد العربية والإقليمية المرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة العربية - الإسلامية الممتدة، حيث تشكل فلسطين قاعدة ارتكازه التاريخية ومجاله المركزي.

ومن ثم، فإن فهم جوهر الصراع يتطلب الجمع بين مستوييه: المستوى الفلسطيني المتعلق بالأرض والشعب والحقوق الوطنية، والمستوى العربي والإقليمي المتعلق بطبيعة المشروع الصهيوني ووظيفته في المنطقة العربية الإسلامية الممتدة.

ويقصد بالمشروع الوطني الفلسطيني في هذا المقال الإطار السياسي والتاريخي الجامع الذي يعبر عن تطلعات الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، ويحدد غاياته الكبرى ومرجعياته وأدواته في مختلف مراحل الصراع. أما النظام الوطني الفلسطيني فيُقصد به مجموع المؤسسات والبنى السياسية والتنظيمية والتمثيلية التي تتولى إدارة هذا المشروع وتجسيد إرادة الشعب الفلسطيني. وتشير الشرعية هنا إلى مصادر القبول والتمثيل السياسي التي تمنح المؤسسات والقيادات قدرتها على التعبير عن الإرادة الوطنية، بينما تشير المرجعية إلى الإطار الفكري والسياسي والقانوني الذي يستند إليه المشروع الوطني في تحديد هويته وأهدافه. أما الأهداف التاريخية فتشير إلى الغايات الكبرى بعيدة المدى التي يحددها المشروع الوطني بوصفها محددات لاتجاهه الاستراتيجي.

كما يقصد بالأزمة في هذا المقال حالة اختلال تصيب أحد المستويات المكونة للمشروع الوطني الفلسطيني، بما يؤثر في قدرته على تحقيق أهدافه التاريخية.

وانطلاقا من هذا التعريف يميز المقال بين أربعة مستويات مترابطة للأزمة: التأسيسي والبنيوي والوظيفي والاستراتيجي، تختلف في طبيعتها وعمقها وآثارها. ويستند هذا التصنيف إلى أن كل مستوى من هذه المستويات يؤثر في المستوى الذي يليه ويتأثر به، بما يجعل الأزمة الفلسطينية منظومة متكاملة من الاختلالات التاريخية والسياسية والمؤسسية.
ثالثا: الأزمات التأسيسية

تمثل الأزمات التأسيسية المستوى الأعمق في بنية المشروع الوطني، إذ تتعلق بمرجعياته وهويته وأهدافه التاريخية، وبالمسلمات التي يقوم عليها وجوده السياسي، وبالأسئلة المؤسسة التي تحدد طبيعة الصراع، والجماعة الوطنية، والغاية النهائية للمشروع الوطني.

فهي تمس تعريف المشروع الوطني الفلسطيني ذاته، كما تشكل الأساس الذي قامت عليه الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة من قبيل: ما طبيعة الصراع؟ ومن هو الشعب الفلسطيني بوصفه جماعة سياسية؟ وما المرجعية الجامعة للمشروع الوطني؟ وما الأهداف النهائية التي يسعى إلى تحقيقها؟

وقد اكتسبت هذه الأسئلة أهمية متجددة في ظل التحولات التي شهدها الصراع، ولا سيما بعد حرب الإبادة الجماعية والتوسع الاستيطاني وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، فبات الصراع على الوجود لا الحدود فقط، ومثلت لحظة تاريخية فارقة واختبارا لقدرة المشروع الوطني على البقاء. وأعادت صياغة كثير من المسلمات السياسية والقانونية والأخلاقية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. وهي لا تُختزل في كونها أزمة داخلية، بل تمثل أزمة في البيئة التاريخية والسياسية التي يعمل ضمنها المشروع الوطني الفلسطيني.


رابعا: الأزمات البنيوية

تمثل الأزمات البنيوية الاختلالات التي تصيب بنية النظام الوطني وتمثيله وشرعيته، فتؤثر في قدرته على تمثيل الجماعة الوطنية، وتنظيم علاقاتها الداخلية، وإنتاج شرعية سياسية جامعة. وهي أزمات لا تتعلق بتعريف المشروع الوطني، وإنما بكيفية تجسيده في مؤسسات قادرة على إدارة شؤونه وتحقيق أهدافه.

وتتجسد في الاختلالات التي أصابت البنية السياسية والمؤسسية للنظام الوطني الفلسطيني، وأثرت في قدرته على تمثيل الشعب الفلسطيني وإدارة مشروعه الوطني. وتشمل: أزمة النظام السياسي الفصائلي، وأزمة التمثيل الوطني والشرعية السياسية، وأزمة الانقسام السياسي، فضلا عن أزمة العلاقة مع الفلسطينيين في الشتات، وفلسطينيي عام 1948.

وتشترك هذه الأزمات جميعها في أنها تدور حول سؤال محوري يتصل بالشرعية، من يمثل الشعب الفلسطيني؟ وكيف تُدار مؤسساته الوطنية بما يضمن وحدة الشعب وتكامل مكوناته، ويحافظ على وحدة التمثيل الوطني رغم تعدد أماكن وجوده التاريخية والسياسية؟


خامسا: الأزمات الوظيفية

تمثل الأزمات الوظيفية الاختلالات التي تصيب السياسات العامة وأداء مؤسسات المشروع الوطني وأدواته التنفيذية، وتتعلق بمدى كفاءة هذه المؤسسات وقدرتها على إدارة الشأن العام وتحقيق أهدافها. وهي، في الغالب، ليست منشأ الأزمة الوطنية، وإنما تعبير عن اختلالات أعمق في المستويين التأسيسي والبنيوي، الأمر الذي يجعل معالجتها المستدامة مرتبطة بمعالجة جذورها.

وتشمل الأزمات الوظيفية الاختلالات التي طالت أدوات المشروع الوطني وآليات عمله، وتعكس تراجع كفاءة السياسات العامة والمؤسسات، وتضم أزمة وظيفة المؤسسة الأمنية، وأزمة الاقتصاد السياسي، وأزمة النخب السياسية والوطنية.

ورغم ما تتركه هذه الأزمات من آثار مباشرة في حياة الفلسطينيين في كافة اماكن تواجدهم، وفي قدرة النظام السياسي على أداء وظائفه، فإنها تبقى في جوهرها تعبيرا عن اختلالات أعمق في المستويين التأسيسي والبنيوي، الأمر الذي يجعل معالجتها بصورة مستدامة رهنا بمعالجة جذور الأزمة الوطنية.


سادسا: الأزمات الاستراتيجية

تمثل الأزمات الاستراتيجية الاختلالات التي تصيب قدرة المشروع الوطني على تحويل مرجعياته الوطنية وبنيته المؤسسية إلى فعل تاريخي منظم، قادر على تحقيق أهداف المشروع الوطني في بيئة متغيرة، من خلال إنتاج رؤية استراتيجية متماسكة، وتحديد الخيارات الكبرى، وبناء التحالفات، وتوظيف الموارد والأدوات بما يخدم تلك الأهداف التاريخية.

وتتصل بالأزمة التي تواجه الرؤية الوطنية في تحديد الخيارات الكبرى للمشروع الوطني الفلسطيني ومساراته المستقبلية. وتشمل أزمة الاستراتيجية الوطنية، بين المقاومة والتفاوض أو الجمع بينهما، وأزمة التحالفات العربية والإقليمية والدولية، وأزمة المكانة القانونية والدبلوماسية للقضية الفلسطينية، فضلا عن أزمة الرؤية المستقبلية المتعلقة بمآلات المشروع الوطني، سواء في إطار حل الدولتين، أو الدولة الواحدة، أو غيرها من البدائل المطروحة.

ولا يعكس هذا التقسيم مجرد ترتيب للقضايا، بل يستند إلى إطار نظري يفسر العلاقة بين مستويات الأزمة المختلفة. فالأزمات التأسيسية تمس طبيعة المشروع الوطني ومرجعياته، وتنعكس آثارها على بنية النظام الوطني ومؤسساته، فتنتج اختلالات بنيوية في التمثيل والشرعية والإدارة. ومن هذه الاختلالات تنشأ أزمات وظيفية تمس أداء المؤسسات والسياسات العامة، بينما تتجلى محصلة هذه المستويات جميعًا في الأزمات الاستراتيجية التي تحدد خيارات المشروع الوطني ومساراته المستقبلية.

ولا تسير العلاقة بين هذه المستويات في اتجاه واحد، بل هي علاقة تفاعلية ودينامية؛ فقد تؤدي الخيارات الاستراتيجية الخاطئة إلى تعميق الاختلالات البنيوية، كما يمكن للاختلالات الوظيفية المزمنة أن تعيد إنتاج أزمة الشرعية، بما ينعكس مجدداً على البنية المؤسسية. ومن ثم، فإن هذه المستويات تمثل حلقات مترابطة في بنية أزمة واحدة، الأمر الذي يجعل فهم أي مستوى منها مرهونا بإدراك علاقته بالمستويات الأخرى.

وبذلك فإن معالجة الأزمات الوظيفية، على أهميتها، لا يمكن أن تؤدي إلى تجاوز الأزمة الوطنية، ما لم تُعالج الاختلالات التأسيسية والبنيوية التي تنتجها. كما أن سلامة الخيارات الاستراتيجية تظل رهناً بسلامة المستويات السابقة عليها.

وعليه، فإن أزمة المشروع الوطني الفلسطيني لا تتمثل في غياب القضايا أو نقص الأدوات فقط، وإنما في اضطراب العلاقة بين الغاية الوطنية وبنية النظام وأدوات الفعل، وهو ما يجعل إعادة ترتيب الأولويات شرطًا سابقًا على إعادة بناء الاستراتيجية الوطنية.

ولا يدّعي هذا المقال الإحاطة بجميع هذه الأزمات أو قدرة على تقديم معالجة شاملة لها، إذ إن كل أزمة من الأزمات المشار إليها تمثل حقلا بحثيا قائما بذاته، يستدعي دراسة مستقلة تتناول جذورها التاريخية، وتطورها، وتجلياتها، وآثارها، والخيارات الممكنة للتعامل معها.

وبناء على ذلك، فإن هذا المقال يمثل مدخلا نظريا وإطارا تصنيفيا لمشروع بحثي وطني مفتوح، ودعوة إلى إشراك الباحثين والمفكرين والخبراء الفلسطينيين، داخل فلسطين المحتلة وفي مختلف أماكن تجمعات الشتات، في إنتاج سلسلة من الدراسات المتخصصة تُنشر تباعا وتُخضع للنقاش والحوار الوطني.

ولكيلا تبقى مخرجات هذا المشروع حبيسة المجال الأكاديمي والمؤتمرات المغلقة، فإن نجاحه يظل مرهوناً بابتكار آليات تنفيذية تشاركية تُحَرّر هذه الأدبيات من جدران النخبوية. ويتطلب ذلك بناء مسارات انتقال سلسة تحوّل المخرجات البحثية والفكرية إلى أوراق موقف مكثفة، ودلائل تثقيفية، وحلقات نقاش ممتدة داخل المجالس الشبابية، والمنتديات الشعبية، والشبكات الرقمية في الداخل والشتات.

إن الهدف ليس مجرد إنتاج "معرفة نقدية"، بل تحويل هذه المعرفة إلى "أداة إنتاج وعي" في يد الفاعلين الجدد والمجموعات الشبابية والميدانية؛ بما يعيد بناء العلاقة بين الإنتاج الفكري والحركة الوطنية في مختلف مستوياتها، ويؤسس لمرحلة جديدة من النهوض الوطني القائم على مراجعة نقدية للتجربة التاريخية، وتحديد مكامن القوة والاختلال في المسار الوطني، وإعادة بناء العلاقة بين الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني ومؤسساته وأدواته النضالية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى