احسن معريش - الإطارات التي لا تنفع...

تحتَ شمسٍ لافحةٍ، في سكونِ الفضاءْ،
توقّفَ الدربُ فجأةً، وانطفأَ الرجاءْ.
إطارٌ واحدٌ مثقوبٌ، صغيرُ المدى،
أوقفَ السيرَ، وبدّدَ حلمَ الصدى.
***
فوقَ صندوقِ السيارةِ كنزٌ كبيرْ،
إطاراتٌ تكدّستْ كأنها الغديرْ.
توهمُ الناظرَ أنّ النجاةَ قريبةْ،
لكنها بقيتْ صامتةً… غريبةْ.
***
هذه أكبرُ، وتلك أصغرُ المقاسْ،
كلُّها عجزتْ أمامَ لحظةِ البأسْ.
يا لها من صورةٍ تُخفي العِبَرْ،
ليسَ كلُّ كثيرٍ يساوي الظَّفَرْ.
***
والسائقُ الحائرُ، شاردُ الفكرِ والبصرْ،
ينشدُ الجوابَ بينَ الأرضِ والسفرْ.
والصمتُ من حولِه بحرٌ بلا شطآنْ،
يزيدُ في قلبِه همًّا وأشجانْ.
***
جلسَ فوقَ المركبةِ، مطرقَ الجبينْ،
يجمعُ الأحلامَ كأوراقِ السنينْ.
كلُّ إطارٍ يقولُ في انكسارٍ مريرْ:
«نحنُ كثيرون… ولكنْ بلا تأثيرْ.»
***
والركّابُ يرمقونَ وجهَهُ في سكونْ،
تسكنُ أعينَهم ألفُ ظنٍّ وشجونْ.
كلُّ واحدٍ منهم يهمسُ في خفاءْ:
كيفَ يضيعُ الحلُّ وسطَ هذا الثراءْ؟
***
والريحُ تدورُ حولَ هذا المشهدِ العجيبْ،
تنثرُ الغبارَ فوقَ الحملِ الرهيبْ.
كأنَّ الإطاراتِ مجلسٌ من الكبارْ،
يريدُ الكلامَ… ويعجزُ عن القرارْ.
***
قالَ واحدٌ: «أنا أصلبُ الجميعْ.»
وقالَ ثانٍ: «أنا للحرِّ منيعْ.»
لكنَّ الإطارَ المثقوبَ قالَ في وقارْ:
«بغيرِ المقاسِ… يضيعُ كلُّ افتخارْ.»
***
وهكذا الناسُ في مسيرةِ الحياةْ،
يجمعونَ الأشياءَ طولَ السنواتْ.
يملؤونَ البيوتَ والحقولَ والكنوزْ،
وينسونَ ما يُنقذُهم ساعةَ العَوَزْ.
***
أداةٌ واحدةٌ إن جاءتْ في أوانْ،
خيرٌ من آلافِ الكنوزِ والأثمانْ.
فالكمُّ وحدَهُ لا يصنعُ النجاحْ،
بل حسنُ الاختيارِ مفتاحُ الفلاحْ.
***
بقيتِ السيارةُ أسيرةَ المكانْ،
حتى أرخى المساءُ ستارَهُ بأمانْ.
وهمسَ الزمانُ في نهايةِ المسيرْ:
«قيمةُ الأشياءِ ليستْ في الكثرةِ، بل في قدرتِها على تلبيةِ الحاجةِ حين يحينُ المصيرْ.»
***
رفعَ السائقُ رأسَهُ بعدَ انتظارْ،
وأدركَ السرَّ في تقلُّبِ الأقدارْ.
فالحياةُ تعلّمُ، مهما طالَ الزمنْ،
أنَّ النفعَ وحدَهُ يمنحُ الأشياءَ الثمنْ.

أحسن معريش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى