في ظل الأوضاع العربية الراهنة يتبادر السؤال الفلسفي الأعمق الذي يجب الإجابة عنه بروية وعمق وهو: ما طبيعة الإنسان الذي يمكن أن يكون حاملا للمشروع الحضاري؟ هذا السؤال طرحه بعض المفكرين العرب وكانت إجاباتهم عنه مختلفة بحسب اختلاف مناهجهم، لأن شغلهم كان البحث عن سبل الخروج من دوامة التخلف؛ مقارنة بما حقق الغرب من تفوق شامل، وقد تفرعت مشاريع النهضة في كتابات المفكرين العرب وافتقد بعضها للشمول فضلت نظرية نخبوية لم تلق استجابة لها على مستوى الواقع والتطبيق، ويبقى الرهان قائما في مشروع يعيد قراءة جميع المشاريع الفكرية العربية حول قضية الإصلاح والنهضة والحضارة ويقدم البديل الشامل الذي يلقى قبولا وتجاوبا في الواقع وحسب وجهة نظري فإن المشروع الحضاري الذي يمكن أن يلقى التجاوب المأمول؛ لا يمكن أن يبدأ من الأدوات قبل تحديد الفاعل الذي سيستخدمها، ولا من المؤسسات قبل بناء الإنسان القادر على إنتاجها وإدارتها، لأن الحضارة في جوهرها ليست شيئا يوجد خارج الإنسان، وإنما هي امتداد لقدراته العقلية والقيمية والتنظيمية والتاريخية.
وعليه فإن الأساس الفلسفي للمشروع الحضاري البديل يتمثل في:
- إعادة تعريف الإنسان بوصفه نقطة البداية في البناء الحضاري، لأن أي مشروع حضاري لا يبدأ من الأشياء، وإنما يبدأ من الإنسان والعقل والتاريخ؛ فالإنسان هو الذي ينتج الأشياء ويوجهها ويمنحها معناها، ولذلك فإن المؤسسات والأنظمة الاقتصادية والتقنيات ليست إلا تجليات لقدرات إنسانية سابقة عليها.
ومن هنا فإن السؤال المؤسس للمشروع الحضاري البديل ليس هو : - ما الأدوات التي نحتاجها لتحقيق النهضة؟ بل ما الإنسان القادر على إنتاج هذه الأدوات وتوجيهها نحو غاية حضارية؟
فالأزمة الحضارية ليست في جوهرها أزمة نقص في الإمكانات فقط، وإنما أزمة في طبيعة الإنسان الذي يدير هذه الإمكانات، وفي مستوى وعيه بذاته وبالتاريخ وبالمستقبل، وعليه فإن بناء الحضارة يبدأ بإعادة بناء الإنسان باعتباره فاعلا تاريخيا لا مجرد متلق للتحولات، فالإنسان في الفلسفة الحضارية هو ذلك الكائن المتحول من الكائن الموجود إلى الكائن الصانع للتاريخ، والقادر على إعادة تشكيل العالم.
فالإنسان لا يتميز فقط بامتلاكه العقل، وإنما بقدرته على تحويل العقل إلى معرفة، والمعرفة إلى فعل، والفعل إلى تاريخ.
ومن هنا فإن الإنسان الحضاري هو الإنسان الذي ينتقل من موقع التكيف مع الواقع إلى موقع المشاركة في إنتاجه، وهنا ينتقل الإنسان من الإنسان الطبيعي إلى الإنسان الحضاري القادر على إعادة بناء مفهوم الفاعل التاريخي الذي يمتلك القدرة على التخطيط والمبادرة والإبداع.
فالإنسان الطبيعي يعيش داخل شروطه، أما الإنسان الحضاري فيعمل على تجاوز هذه الشروط وإعادة تنظيمها، وهذا الانتقال لا يحدث تلقائيا، وإنما يحتاج إلى بناء معرفي وأخلاقي وتنظيمي يجعل الإنسان قادرا على حمل مشروع تاريخي، وهنا ندخل في مجال نقد التصورات الاختزالية للإنسان في بعد واحد كما يتجلى ذلك في بعض مشاريع الفكر الحديث والمعاصر مثل اختزال الإنسان في الإنسان الاقتصادي، أو الإنسان السياسي، أو الإنسان التقني، ويبدو أن هذه الاختزالات، رغم مساهمتها في فهم بعض جوانب الإنسان، لا تكفي لتفسير الظاهرة الحضارية، فالإنسان الحضاري وحدة مركبة تجمع بين العقل والقيمة، وبين الفرد والجماعة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الإنتاج المادي والإنتاج المعنوي القيمي والأخلاقي.
أما العقل فهو الأداة الأساسية التي تمكن الإنسان من الفعل التاريخي، لكن القضية هنا ليست وجود العقل، وإنما طبيعة استخدامه، فالعقل النقدي ضروري لكشف الاختلالات، لكنه لا يكفي لبناء البدائل، والعقل الحضاري هو الذي يجمع بين:
النقد والبناء، التحليل والإبداع، والفهم والإنتاج.
ولهذا فإن العقل الحضاري لا يكتفي فقط باكتشاف الأزمة، بل بإنتاج شروط تجاوزها، وهنا يدخل الزمن الحضاري وصناعة المستقبل، وتحدث المفارقة بتجاوز لحظة انتظار التاريخ إلى المشاركة في صنعه...
فعلاقة الإنسان الحضاري بالزمن علاقة تفاعلية، لأن الحضارات لا تتقدم فقط بما تملكه من أفكار، وإنما بطريقة تعاملها مع الماضي والحاضر والمستقبل، فالجمود عند الماضي يحول التاريخ إلى عبء، والذوبان في حاضر الآخرين يحول المجتمع إلى تابع، أما الوعي الحضاري فيعيد بناء العلاقة مع الزمن: يستثمر الماضي، ويفعل الحاضر، ويصنع المستقبل، ومن هنا يصبح المستقبل ليس مرحلة ننتظرها، بل مشروعا نبنيه...
وهنا يتم الانتقال من وعي الأزمة إلى وعي القدرة، ويتم التحول النفسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي من وعي الأزمة إلى وعي القدرة والاستجابة التفاعلية لأداء دور الانتقال الحضاري الشامل، والملاحظ أن هذا الانتقال لا يتحقق فقط بتغيير البنى الخارجية، وإنما يتحقق بتغيير تصور المجتمع عن ذاته وإمكاناته، فالوعي بالعجز ينتج إعادة إنتاج الأزمة، بينما الوعي بالقدرة يفتح إمكان الفعل، وهنا تتحول النهضة الحضارية من مجرد استجابة لظروف خارجية إلى مشروع إرادة تاريخية واعية.
إن نقطة البداية في بناء المشروع الحضاري البديل ليست في امتلاك الوسائل فقط، وإنما في بناء الإنسان القادر على إنتاج الوسائل وتوجيهها، فالإنسان هو الحلقة التي تربط الفكرة بالفعل، والمعرفة بالتنمية، والقيم بالمؤسسة، والحاضر بالمستقبل.
ومن ثم فإن أي مشروع حضاري لا يبدأ بإعادة تعريف الإنسان؛
يفقد أساسه النظري والعملي؛ لأن الحضارة في النهاية ليست ما يصنعه الإنسان فقط، بل هي صورة الإنسان الذي استطاع صنعها...
وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال:
إذا كان الإنسان هو حامل القدرة الحضارية، فما طبيعة المعرفة والعقل والمنهج الذي يمكّنه من إنتاج هذه القدرة وتحويلها إلى قوة تاريخية؟ الإجابة على هذا السؤال، نخلصها في هذه الفقرة الموجزة وهي أنه: « لا حضارة بلا إنسان قادر، ولا إنسان قادر بلا عقل منتج، ولا عقل منتج بلا علاقة واعية بالتاريخ والمستقبل.» وستكون لنا أسئلة أخرى إلى جانب هذه الأسئلة وإجابات في صميم الراهن والمشروع البديل من خلال قراءة مشاريع الفكر الإصلاحي والنهضوي العربي الحديث والمعاصر (بإذن الله تعالى)....
-------------- يتبع -----------
أ. د. نورالدين السد { من كتاب: «الراهن والمشروع البديل» بتصرف}.
#الحضارة
www.facebook.com
وعليه فإن الأساس الفلسفي للمشروع الحضاري البديل يتمثل في:
- إعادة تعريف الإنسان بوصفه نقطة البداية في البناء الحضاري، لأن أي مشروع حضاري لا يبدأ من الأشياء، وإنما يبدأ من الإنسان والعقل والتاريخ؛ فالإنسان هو الذي ينتج الأشياء ويوجهها ويمنحها معناها، ولذلك فإن المؤسسات والأنظمة الاقتصادية والتقنيات ليست إلا تجليات لقدرات إنسانية سابقة عليها.
ومن هنا فإن السؤال المؤسس للمشروع الحضاري البديل ليس هو : - ما الأدوات التي نحتاجها لتحقيق النهضة؟ بل ما الإنسان القادر على إنتاج هذه الأدوات وتوجيهها نحو غاية حضارية؟
فالأزمة الحضارية ليست في جوهرها أزمة نقص في الإمكانات فقط، وإنما أزمة في طبيعة الإنسان الذي يدير هذه الإمكانات، وفي مستوى وعيه بذاته وبالتاريخ وبالمستقبل، وعليه فإن بناء الحضارة يبدأ بإعادة بناء الإنسان باعتباره فاعلا تاريخيا لا مجرد متلق للتحولات، فالإنسان في الفلسفة الحضارية هو ذلك الكائن المتحول من الكائن الموجود إلى الكائن الصانع للتاريخ، والقادر على إعادة تشكيل العالم.
فالإنسان لا يتميز فقط بامتلاكه العقل، وإنما بقدرته على تحويل العقل إلى معرفة، والمعرفة إلى فعل، والفعل إلى تاريخ.
ومن هنا فإن الإنسان الحضاري هو الإنسان الذي ينتقل من موقع التكيف مع الواقع إلى موقع المشاركة في إنتاجه، وهنا ينتقل الإنسان من الإنسان الطبيعي إلى الإنسان الحضاري القادر على إعادة بناء مفهوم الفاعل التاريخي الذي يمتلك القدرة على التخطيط والمبادرة والإبداع.
فالإنسان الطبيعي يعيش داخل شروطه، أما الإنسان الحضاري فيعمل على تجاوز هذه الشروط وإعادة تنظيمها، وهذا الانتقال لا يحدث تلقائيا، وإنما يحتاج إلى بناء معرفي وأخلاقي وتنظيمي يجعل الإنسان قادرا على حمل مشروع تاريخي، وهنا ندخل في مجال نقد التصورات الاختزالية للإنسان في بعد واحد كما يتجلى ذلك في بعض مشاريع الفكر الحديث والمعاصر مثل اختزال الإنسان في الإنسان الاقتصادي، أو الإنسان السياسي، أو الإنسان التقني، ويبدو أن هذه الاختزالات، رغم مساهمتها في فهم بعض جوانب الإنسان، لا تكفي لتفسير الظاهرة الحضارية، فالإنسان الحضاري وحدة مركبة تجمع بين العقل والقيمة، وبين الفرد والجماعة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الإنتاج المادي والإنتاج المعنوي القيمي والأخلاقي.
أما العقل فهو الأداة الأساسية التي تمكن الإنسان من الفعل التاريخي، لكن القضية هنا ليست وجود العقل، وإنما طبيعة استخدامه، فالعقل النقدي ضروري لكشف الاختلالات، لكنه لا يكفي لبناء البدائل، والعقل الحضاري هو الذي يجمع بين:
النقد والبناء، التحليل والإبداع، والفهم والإنتاج.
ولهذا فإن العقل الحضاري لا يكتفي فقط باكتشاف الأزمة، بل بإنتاج شروط تجاوزها، وهنا يدخل الزمن الحضاري وصناعة المستقبل، وتحدث المفارقة بتجاوز لحظة انتظار التاريخ إلى المشاركة في صنعه...
فعلاقة الإنسان الحضاري بالزمن علاقة تفاعلية، لأن الحضارات لا تتقدم فقط بما تملكه من أفكار، وإنما بطريقة تعاملها مع الماضي والحاضر والمستقبل، فالجمود عند الماضي يحول التاريخ إلى عبء، والذوبان في حاضر الآخرين يحول المجتمع إلى تابع، أما الوعي الحضاري فيعيد بناء العلاقة مع الزمن: يستثمر الماضي، ويفعل الحاضر، ويصنع المستقبل، ومن هنا يصبح المستقبل ليس مرحلة ننتظرها، بل مشروعا نبنيه...
وهنا يتم الانتقال من وعي الأزمة إلى وعي القدرة، ويتم التحول النفسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي من وعي الأزمة إلى وعي القدرة والاستجابة التفاعلية لأداء دور الانتقال الحضاري الشامل، والملاحظ أن هذا الانتقال لا يتحقق فقط بتغيير البنى الخارجية، وإنما يتحقق بتغيير تصور المجتمع عن ذاته وإمكاناته، فالوعي بالعجز ينتج إعادة إنتاج الأزمة، بينما الوعي بالقدرة يفتح إمكان الفعل، وهنا تتحول النهضة الحضارية من مجرد استجابة لظروف خارجية إلى مشروع إرادة تاريخية واعية.
إن نقطة البداية في بناء المشروع الحضاري البديل ليست في امتلاك الوسائل فقط، وإنما في بناء الإنسان القادر على إنتاج الوسائل وتوجيهها، فالإنسان هو الحلقة التي تربط الفكرة بالفعل، والمعرفة بالتنمية، والقيم بالمؤسسة، والحاضر بالمستقبل.
ومن ثم فإن أي مشروع حضاري لا يبدأ بإعادة تعريف الإنسان؛
يفقد أساسه النظري والعملي؛ لأن الحضارة في النهاية ليست ما يصنعه الإنسان فقط، بل هي صورة الإنسان الذي استطاع صنعها...
وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال:
إذا كان الإنسان هو حامل القدرة الحضارية، فما طبيعة المعرفة والعقل والمنهج الذي يمكّنه من إنتاج هذه القدرة وتحويلها إلى قوة تاريخية؟ الإجابة على هذا السؤال، نخلصها في هذه الفقرة الموجزة وهي أنه: « لا حضارة بلا إنسان قادر، ولا إنسان قادر بلا عقل منتج، ولا عقل منتج بلا علاقة واعية بالتاريخ والمستقبل.» وستكون لنا أسئلة أخرى إلى جانب هذه الأسئلة وإجابات في صميم الراهن والمشروع البديل من خلال قراءة مشاريع الفكر الإصلاحي والنهضوي العربي الحديث والمعاصر (بإذن الله تعالى)....
-------------- يتبع -----------
أ. د. نورالدين السد { من كتاب: «الراهن والمشروع البديل» بتصرف}.
#الحضارة
Essed Noureddine
. الراهن والمشروع البديل قراءة في الفكر العربي الحديث والمعاصر - أ.د. نورالدين السد في ظل الأوضاع العربية الراهنة يتبادر السؤال الفلسفي الأعمق الذي يجب الإجابة عنه بروية وعمق وهو:...