ليلى تباني - أنينُ العقل في مواجهة تيار القطيع المطيع

كثر اللّغط مؤخّرا ، حول القرارات التربوية التي تلغي تدريس مادّة الفلسفة من الأقسام النهائية العلمية والرياضية ، وممّا لا يفتح مجالا للجدل أو التشاور حتّى ، أغلق باب النقاش ، على نحو لا ينبغي أن تُناقش فيه عدد ساعات تدريسها ، ولا عدد صفحات تُحذف من الكتاب المدرسي، ولا بمقدار ما تخففه من عبء الطالب ، ولا حتّى بنمط الأستاذ الذي توكل إليه مهمّة تدريس الفلسفة . بعد مدّ وجزر من أهل الحلّ والربط والمشتغلين في الحقل الفلسفي ، تبيّن أنّ الإشكال لا يقف عند المادة وميل الطلبة لها أو نفورهم منها ، إنّما يتجاوز حدّ الظاهر والمفروض ، إلى أعمق ممّا كنّا نتصوّر . أفضت بنا النقاشات والتأويلات إلى أنّ حذف الفلسفة ليس مجرّد استغناء عن مادّة دراسية هامشية ، إنما هو سؤال عن العقل نفسه ، هل نريد باستبعادنا للفلسفة مدارس تصنع إنسانا يعرف أم إنسانا يفكر؟ هل نريد طالبا يحفظ الإجابة أم عقلا يستطيع أن يسأل عن السؤال؟ هل نريد مواطنا يردّد أم إنسانا يحاجج ويناقش ويعترض ويطلب الدليل؟
لقد جرى التّعامل مع الفلسفة، وعلى مدى عقود ، كما لو أنّها عبء يمكن تخفيفه متى ازدحمت المناهج ، وكأنّ العلوم والرياضيات تحتاج إلى عقل وظيفي فقط، بينما يكفي الأدبيين شيء من الفلسفة في نهاية المرحلة الثانوية. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى، فالفلسفة ليست مادة ترفية تُضاف إلى التكوين حين تتسّع المساحة، بل هي تربية للعقل على السؤال والنقد والاستدلال، وهي التي تجعل المعرفة نفسها موضوعا للفحص والمساءلة. ولنكن أكثر صراحة ، الطالب لم يهرب من الفلسفة لأنّها صعبة، ولم يكرهها لأنّها فلسفة، وإنّما هرب، في حالات كثيرة، من الصورة التي قُدمت له بها الفلسفة. لقد حدث ما يشبه الجريمة البيداغوجية الصامتة ، أُخذت مادة وظيفتها الأولى تحرير العقل، ثم جرى تحويلها إلى مادة للحفظ والاستظهار. صار التلميذ يحفظ المقالة، والأستاذ يلقّن المقالة، والدروس تُبنى حول المقالة، والامتحان ينتظر المقالة. يحفظ مقدمة، ويحفظ إشكالية، ويحفظ أقوال الفلاسفة، ويحفظ حُججا واعتراضات وخاتمة، ثم يدخل قاعة الامتحان لا ليكتشف موقفه من السؤال، وإنّما ليفتش في ذاكرته عن أي مقال محفوظ يصلح لارتداء السؤال . وهكذا يصبح المشهد مأساويا في دلالته. أستاذ يحفظ، وتلميذ يحفظ، وامتحان ينتظر التفريغ . فأين الفلسفة؟ أين السؤال؟ أين الشك؟ أين المحاججة؟ أين المفهوم؟ أين القدرة على تفكيك الفكرة؟ أين حقّ الطالب في أن يختلف؟ أين حقّه في أن يقول لا أوافق ديكارت، أو أرى أن كانط لم يحسم المسألة، أو أنّ حجة هذا الفيلسوف لا تقنعني؟
إذا كانت الفلسفة قد تحوّلت إلى عملية تفريغ لمقالات محفوظة يوم الامتحان، فليس التلميذ هو الذي فشل في تعلّم الفلسفة، بل نحن الذين فشلنا في تعليمه كيف يتفلسف. ولا ينبغي أن نحمّل الطالب وحده مسؤولية هذا الخراب ، ولا أن نظلم الأستاذ أيضا ، فالمشكلة أعمق من الاثنين . إن تدريس الفلسفة يحتاج إلى تكوين حقيقي في ديداكتيك الفلسفة ، لأنّ الفلسفة ليست مادة تُلقّن بالطريقة نفسها التي تلقّن بها المعلومة التاريخية أو القاعدة الرياضية. هناك فرق هائل بين أن تعرف الفلسفة وأن تعرف كيف تجعل آخر يفكر فلسفيا. فالأوّل معرفة، والثاني فن . والفلسفة في المدرسة، قبل أن تكون رصيدا معرفيا، هي فن التفكير النقدي والحجاجي والاستشكالي. فإذا لم يمتلك الأستاذ مفاتيح هذا الفن، يصبح أسيرا للكتاب، وأسيرا للمنهجية، وأسيرا للمقالة النموذجية، ثم يصبح الطالب أسيرا له ، وهكذا يولد القطيع من قاعة الدرس دون أن يشعر أحد .
الفلسفة ليست أن يعرف الطالب أن سقراط قال كذا، وأفلاطون قال كذا، وديكارت قال كذا، ونيتشه قال كذا. هذه معرفة بتاريخ الفكر، وهي مهمة، لكنّها ليست الفلسفة كلّها. الفلسفة في المدرسة ينبغي أن تكون تدريبا على ممارسة العقل ، أن يتعلم الطالب كيف يسأل: لماذا؟ وكيف عرفت؟ وما حجتك؟ وما الافتراض الذي بنيت عليه موقفك؟ وهل هناك تناقض في كلامك؟ وهل يمكن أن يكون نقيض رأيك صحيحا؟ وما الذي يترتّب على موقفك؟ عندها يصبح درس الفلسفة مختبرا للعقل، لا مستودعا لرصّ المعلومات .
لقد قال سقراط في دفاعه عن الفلسفة :"الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش " . فماذا فعلنا نحن؟ حوّلنا الفحص إلى حفظ، والسؤال إلى نموذج، والشك إلى إجابة نموذجية. ثم استغربنا أن التلميذ لم يحب الفلسفة. إنّنا حين نقتل السؤال باسم تدريس الفلسفة، لا يحق لنا بعد ذلك أن نحكم على الفلسفة نفسها بأنها فشلت . وإذا كان ثمّة خلل في تدريسها ، فالحل ليس قتل المادة . إذا فشلنا في تعليم الرياضيات لا نحذف الرياضيات، وإذا فشلنا في تدريس الفيزياء لا نقول إن الفيزياء لم تعد نافعة . وإذا كان تدريس الفلسفة قد تحوّل إلى حفظ للمقالات، فالحل هو إصلاح طريقة تدريسها وتقويمها وتكوين أساتذتها.
أصلحوا الفلسفة بدل أن تدفنوها، وحرروها من عبودية المقالة النموذجية، وغيروا أساليب التقويم، واجعلوا التلميذ يناقش ويحلّل ويقارن ويستنتج ويفنّد ويبني الحجة ويكشف المغالطة. دعوه يخطئ، دعوه يعترض، دعوه يختلف، دعوه يكتشف أنّ التفكير ليس طريقا مستقيما، وأنّ الحقيقة ليست ورقة نموذجية تنتظر أن تُنسخ في قاعة الامتحان .
ثمّ أي وهم هذا الذي يجعلنا نتصور أن العلوم والرياضيات تغنيان عن الفلسفة؟ كأنّ العقل العلمي عقل بلا أسئلة، وكأنّ الفيزياء لا تسأل عن طبيعة الواقع، وكأنّ الرياضيات لا تثير أسئلة الحقيقة والبرهان واليقين، وكأن الطب لا يواجه أسئلة الحياة والموت والكرامة والمسؤولية، وكأن الذكاء الاصطناعي لا يفتح أبوابا هائلة في فلسفة العقل والأخلاق والحرية والمسؤولية . فإذا كان العلم يمنحنا القدرة على أن نعرف كيف يحدث الشيء ، فإنّ الفلسفة تُجبرنا على أن نسأل ماذا يعني ذلك ، وما حدوده ، وما قيمته ، وماذا يترتب عليه ، وهل ينبغي أن نفعله لمجرد أنّنا نستطيع فعله. العلم يقول لك يمكن . والفلسفة تسألك هل ينبغي؟ العلم يوسع دائرة الممكن ، والفلسفة تحرس حدود المشروع . العلم يمنح الإنسان القوة ، والفلسفة تسأله كيف لا تتحوّل القوة إلى استبداد. حتّى في زمن الذكاء الاصطناعي تصبح الحاجة إلى الفلسفة أكثر إلحاحا لا أقل . نحن ندخل عصرا تستطيع فيه الآلة أن تكتب وتترجم وتحلل وتبرمج وتنتج الصور وتستخرج الأنماط وتقترح الحلول . فإذا كانت المدرسة تريد أن تنافس الحواسيب في الحفظ والاسترجاع والإنتاج السريع، فقد خسرت المعركة قبل أن تبدأ. الآلة تحفظ أكثر، والآلة أسرع، والآلة تسترجع المعلومات بلا تعب. فما الذي نريد أن يبقى للإنسان؟ الحكم ، والنقد، والتمييز، والمسؤولية، والأخلاق، والشك المنهجي، والقدرة على مساءلة ما يبدو يقينيا. وهذا هو العقل الذي ينبغي أن تصنعه الفلسفة .
إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمنحنا إجابة تبدو مقنعة، لكنه لا يعفينا من السؤال عن صدقها، ولا عن مصادرها، ولا عن تحيزاتها، ولا عن نتائجها الأخلاقية. ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نفسها تؤكد في حديثها عن إعداد المتعلّمين لعصر الذكاء الاصطناعي ضرورة أن يستطيع المتعلم فهم مخرجات الذكاء الاصطناعي وتقييمها نقديا واستخدامه بصورة أخلاقية ومسؤولة. فكيف نريد إنسانا قادرا على ذلك إذا أضعفنا المادة التي تدرّبه أصلا على النقد والاستدلال؟
إن التقدّم التكنولوجي لم يجعل الدوّل المتقدّمة تدفن الفلسفة ، بل جعلها تعيد اكتشافها بوصفها مدرسة للحرية ودرعا للعقل النقدي. فكلّما اتّسعت سلطة الحواسيب ، ازدادت الحاجة إلى إنسان يسألها لماذا؟ وبأيّ حقّ؟ وإلى أين؟ أما المدرسة التي تضعف السؤال، فلا تنتج عقلا حرّا، بل عقلا قابلا للتلقين ، يسهل أن يقاد . أيّها االعقلاء ! الفلسفة لا تنافس العلوم ، لكنّها تمنح العلم ضميره ، وتسأل القوة عن غايتها، والتقنية عن حدودها، والإنسان عن مسؤوليته. لا نريد من الطالب أن يحفظ النظريات الفلسفية ، بل أن يتعلم كيف يفكر ،أن يكون طبيبا يفكّر، ومهندسا يسأل، وعالما يراجع، ومواطنا لا يُستدرج ولا يقاد مع القطيع .
يا أهل الحلّ والربط ! إن كان الإصلاح إصلاحا للمناهج وتحريرا للتلميذ من الحشو، فنحن معه ، أمّا أن يكون الثمن إقصاء الفلسفة من التكوين العلمي ، فذلك ليس إصلاحا للعقل بل إفقار له. أصلحوا تدريسها ولا تقتلوها... حرّروها من المقالات المحفوظة، وأعيدوا إليها روحها ... السؤال، والشك، والحجاج، والنقد . تلك هي الفلسفة التي يعوّل عليها في مواجهة سياسة السحب نحو القطيع المطيع .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى