نقوس المهدي.. حارس الكلمة الهادئ وعابر الأغوار إلى بساتين السرد العربي رؤى حوارية.. حوار..أحمد طايل.

مقدمة المجلة:ـ

حين يتأمل المرء مسيرة الكاتب والمثقف المغربي الموسوعي نقوس المهدي، فإنه لا يواجه مجرد سيرة ذاتية تقليدية، بل يقف أمام لوحة إنسانية وفكرية غنية بالتشظيات والتحولات، صيغت خطوطها في عمق الأغوار وسكينة العزلة. إنها تجربة لرجل آثر الكراسي الخلفية والعيش في الستر، متمنعاً عن بهرج الأضواء ومغريات الشهرة، ليؤسس في المقابل حضوراً استثنائياً يتكئ على جمر التجربة وحرارة المعرفة.

تتأصل جذور هذا الوعي المبكر في تربة بروليتارية قاسية بقرية "لمزيندة" الفوسفاطية؛ حيث امتزج الهواء بأتربة الغبار وتداعيات النضال العمالي. وهناك، في تلك البيئة المشحونة بالصراعات الطبقية والمشاهد البائسة للكدح تحت باطن الأرض، تشكلت الملامح الأولى لرؤية نقدية ترفض الاستغلال وتتأمل مفارقات الحياة بوعي راديكالي مبكر. لم تكن طفولة المهدي وليدة رفاهية فكرية، بل كانت ملحمية الملامح، تغذت على حكايات التراث الشعبي والخرافات المفعمة بالصراع الأزلي بين الخير والشر، وانتعشت بقراءات مبكرة تراوحت بين التراث العربي العريق وروايات الأدب العالمي، لتتكامل هذه الروافد مع عمله طويلاً ممرضاً مجازاً، مما أضفى على نصوصه عمقاً إنسانيا يستلهم وجع المرضى وهموم البسطاء.

FB_IMG_1786175317989.jpg

في مسار يتسم بالتروي والتأني، لم ينظر المهدي إلى الكتابة بوصفها وسيلة للاستعراض أو تحقيق الذات النرجسية، بل اعتبرها تمريناً دافقاً على الإنشاء وتطهيراً للروح، ومصالحة صامتة مع الذات وسط عالم يعج بالتناقضات. من مجموعته القصصية الأولى "صنائع" وصولاً إلى إسهاماته الوازنة في الموسوعات النقدية والجنسانية العربية، ظل مخلصاً لشغفه الأول بالقراءة التي يمارسها كطقس صوفي لا ينقطع. ولم يتوقف عطاؤه عند حدود الإنتاج الإبداعي الفردي، بل امتد ليرسي مداميك مشروع ثقافي عربي بارز تمثل في تأسيس منصة "أنطولوجيا السرد العربي" رفقة الأستاذ جبران الشداني، وهي المنصة التي باتت مرجعاً رقمياً أساسياً يترجم وفاءه للثقافة الجادة والاشتغال المثابر بعيداً عن صخب المهرجانات الفلكلورية والاشتغال النفعي.

ولا تنفصل رؤية نقوس المهدي النقدية عن نبضه الواقعي؛ فهو يمتلك مقاربة جريئة وحارقة للمشهد الثقافي العربي والمغاربي، منتقدًا بقوة أسر الفكر في قوالب غيبية، وتفشي ظاهرة "الشللية" والمحاباة التي تعصف بمصداقية النقد وتهمش الأصوات الحقيقية. من هنا، يرى في أدب المهجر والغربة بشقيها الداخلي والخارجى فضاءً رحباً للاشتباك الخلاق مع اللغة والهوية، متمسكاً بصفاء الموقف الثقافي الذي لا ينحني أمام رياح الاستلاب. إن نقوس المهدي يبقى بذلك صوتاً استثنائياً، قادماً من عتمات المناجم ليضيء بساتين السرد، ومثقفاً حقيقياً يدرك أن الأيادي التي تساعد هي وحدها الأكثر قدسية في مسيرة الفكر الإنساني.

المقال كاملا بالمدونة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى