أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١١ آب من كل عام

١
صورة محمود درويش في الوعي الشعبي الفلسطيني :

شغلني هذا الموضوع طيلة أيام العيد ، وقد قررت أن أتابع الموضوع لأعالجه رغم انشغالي بالكتابة عن إشكالات التلقي النقدي النصي له .
مم تشكلت الصورة ؟
ما مصادر تكوينها ؟
أشعار الشاعر وعلاقاته ؟
اعداؤه؟
كم صورة له؟
صورته قبل الخروج1971 و صورته بعد الخروج .
الصورة التي شكلها اليسار الفلسطيني له وتغيرها بناء على تغير موقع الشاعر وموقفه ؟
الصورة التي شكلتها له حماس وهو ضد اوسلو والصورة التي شكلتها له بعد كتابة قصيدته " انت منذ الآن غيرك "
علاقته بسميح القاسم في أطوارها المختلفة .
الرسائل التي صدرت في كتاب والرسائل التي اخفياها ولا يعرف عنها إلا قليلون مثلي .
من سميح القاسم الى محمود درويش في شارع الحمراء ... الى ..الى ..
كم صورة لمحمود درويش؟
ما دلالة قوله ستروى أساطير عني ؟
الموضوع طريف ، وشكرا لفيصل دراج ، فقد جعلني احك ذهني حقا .
صباح الخير د .فيصل دراج . إن ما كتبته وأرسلته إلى جريدة الأيام وكان يفترض ان يكون نشر الثلاثاء الماضي ، ولعل الشاعر غسان زقطان سينشره الثلاثاء القادم هو مدخل فقط ...
لعلني أنجز الموضوع في الأسابيع القادمة .
لعل !
٢٠١٣

٢
مقالي اليوم في الأيام الفلسطينية هو
" المغني والأغنية ... في ذكرى محمود درويش " .
للأسف الجريدة اليوم ، حتى هذه اللحظة ، غير مدرجة على النت . المقال يناقش ما قاله الشاعر أحمد دحبور في المقدمة التي كتبها لكتابي " أدب المقاومة ... من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ( 1998 ).
أيهم توغل في الشخصي أكثر ؟
أتساءل أحيانا عن تأثير الثقافة في وعي كتابنا البارزين مثل أحمد دحبور ومحمود درويش وحسن خضر أيضآ .
هل أثرت ثقافتهم في وعيهم الإنساني أم أنهم مثل أكثر أساتذة الجامعات في العالم العربي وفي فلسطين ؟ أعني إنهم حصلوا على شهادات وظلوا أبناء حارة في تفكيرهم .. أبناء قرية .. أبناء مخيم .. أبناء القبيلة ؟
عشرون جامعة في الأردن وما زالت القبلية تتحكم في النسيج الاجتماعي حتى لدى طلاب الجامعات .
أتذكر نزار قباني ( لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية).
ما زلت أفكر في كتابة عن قصيدة درويش" إن أردنا " .
هذا العيد شغلت بصورة محمود درويش في الوعي الشعبي . قرات كتاب الرسائل لاستخلاص مكونات الصورة ويبدو أنني سألبي طلب د . فيصل دراج فأكتب عن صورة الشاعر في الوعي الشعبي ، وإن كنت أتمنى أن ينشر لي د . دراج دراستي عن كتاب درويش " أثر الفراشة " ففيها توظيف لتجربتي النقدية في مراحلها الأخيرة .
ما زلت أشتغل على التلقي النصي لدرويش وإشكالاته .
كل عام وأنتم بخير..دراج ودحبور وحسن خضر وآخرين كثر ..
٢٠١٣

٣
يوميات غزة ( ٣١٠ ) :
حفلة شواء بشري

يستخدم اليهود اللفظة العبرية " شواه " على ما جرى بحقهم في معسكرات الإبادة .
الروائي إلياس خوري في روايته ثلاثية الأجزاء " أولاد الغيتو : اسمي آدم ونجمة البحر ورجل يشبهني " ومن قبل في روايته " باب الشمس " كتب عما ألم باليهود في بولندا . في معسكرات الإبادة واستخدم دال " شواه " .
أمس وأنا أقرأ ما يكتب عما جرى أمس في غارة الفجر على مسجد مدرسة التابعين قرأت عن رائحة اللحم الفلسطيني . عن حفلة " شواه " لحمها فلسطيني ، وكنت قبل أيام أدرجت مقطعا من قصيدة محمود درويش " صباح الخير يا ماجد " منه السطر " حرف الضاد لا يحميك " والمقطع يخاطب فيه الشاعر اللحم الفلسطيني الذي أصبح سعره أرخص من البطاطا والشمندر . عن رائحة اللحم قرأت في صفحة الصحفي يوسف فارس .
الكاتبة نعمة حسن كتبت عشر كلمات أعاد كثيرون نشرها وهي أن اللحم الفلسطيني في المجزرة ، لقسوة ما جرى ، وضع في أكياس وكل ٧٠ كيلو منه تعادل جثة شهيد . صار اللحم الفلسطيني يوزن في الأكياس بالكيلو ، وقد اختلط اللحم ببعضه .
في العام ١٩٧٦ ارتكب الكتائبيون في لبنان مجزرة في مخيم تل الزعتر دفعت الشاعر العراقي مظفر النواب لكتابة قصيدته " تل الزعتر " .
قال مظفر إن فلسطين تزال من الأرحام وتساءل عن ثمن الطفل الواحد وعن ثمن الغمازة . صار اللحم الفلسطيني عرضة لمزاد علني ، ووصف مظفر المشهد :
" العين المفقوءة
والكف المقطوعة
والساق المبتور
والجثث المحروقة .. تحمل واضحة " .
وماذا قال العالم يومها ؟ وماذا يقول الآن فيما يجري في غزة ؟
" أبناء الغرب المحترمين سلاما
نحن النجس الشرقي
جئنا لنقدم هذا الشكر لكم
فوق سفينتنا .
همس القبطان بدون عويل
وبدون صراخ شرقي :
صفا صفا صفا ، فالغرب يحب التنظيم
ولا يهتم بعاطفة متأخرة
يذرفها الشرق البائس
أولئك قدر
نجس شرقي
- حاشا قدرك يا رب رؤوس الأموال -
فنحن النجس الشرقي
تراب أتفه من أي تراب " .
ونحن أمس صرخنا وبكينا وكتبنا وناشدنا وتابعنا مسيرات حزب الله تخترق الشمال .
هذه الحرب تجعلنا نوابيين دنقليين درويشيين بامتياز وغصبا عنا .
١١ / ٨ / ٢٠٢٥
( يوم ٥ من شهر ١١ ) .

٤
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
ذباب .. ذباب أخضر ... ذباب أزرق

عادل الأسطة

أنا من مواليد الخيام في العام ١٩٥٤ وأنفقت من عمري ما لا يقل من ٢٠ عاما في مخيم عسكر القديم وعاما في مخيم الحسين في عمان .
عندما كان نيسان يشرف كان الذباب يحط معه ، فكنا نردد " نيسان شهر الدبان " ومع التقدم في أشهر الصيف كنا نعاني من الذباب معاناة كبيرة ، فلم يكن لأكثر البيوت شبابيك بمناخل تمنع الذباب والبعوض من الدخول إليها . في تلك الأيام استخدم الناس ، للتقليل من إزعاج الذباب ، البشاكير والمكشات والشريط اللاصق . هل يذكر أي منكم الشريط اللاصق ؟
غالبا ما كان آباؤنا يشترون شريطا لاصقا يعلقونه في وسط الغرفة ، لكي يقترب منه الذباب ويلصق به ، وهكذا كنت ترى مئات الذبابات معا .
في أيلول ١٩٨٢ ، بعد اليوم التالي لمذبحة شاتيلا وصبرا ، زار الكاتب الفرنسي ( جان جينيه ) شاتيلا ، ليتفقد الأحوال ويكتب عنها ، وهو ما قرأناه في نصه " أربع ساعات في شاتيلا " .
رأى ( جينيه ) الجثث ملقاة في الشوارع يقتات عليها الذباب ، فكتب :
" لكن ، ما أكثر الذباب . كنت ، إذا رفعت المنديل ، أو الجريدة العربية الموضوعة فوق رأس ميت ، أزعجه ، فكان وقد أغضبته إشارتي ، تأتي جماعاته لتحط فوق ظهر يدي ، محاولة أن تقتات منها .... إن الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب ، ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة .. " .
كان الذباب لكثرته يحلق فوق ركام القماش الوردي الذي قام مرافقه الشاب الذي يدله على نكال الموتى هو من وضع القماش على وجه المرأة الفلسطينية القتيلة ويديها ووضع أيضا قطعة كرتون خشن على ساقيها " ولم يحل هذا دون انتشار رائحة قوية " لكنها لم تكن كريهة . وخيل إلي أن الرائحة والذبابات متعودان علي " .
حين يصف ( جينيه ) فلسطينيا ميتا في أحد الزقاق يأتي أيضا على الذباب :
" تجويفة يده الممدودة نحو السماء . فمه المفتوح . فتحة بنطلونه الذي ينقصه الحزام : كأنها خلايا كان الذباب يقتات منها " .
في العام ٢٠٠٨ نشر محمود درويش كتابه " أثر الفراشة : يوميات " وفيه كتب عن الفراشة والبعوضة كما لاحظنا ، وكتب أيضا تحت عنوان " ذباب أخضر " . لم ألتفت إلى النص الأخير كما التفت إلى دال " الفراشة " في شعره بعامة ، ونص " البعوضة " بخاصة ، ويبدو أنني قرأت " ذباب أخضر " قراءة عابرة ، وحين كثرت ، في الأسبوعين الأخيرين ، أشرطة الفيديو عن الذباب الأزرق الذي كتب عنه بعض أبناء قطاع غزة عدت إلى " ذباب أخضر " وكتبت عنه غير باحث عن المدلول الذي رمى الشاعر إليه ، وعندما ألمحت قارئة جيدة لشعر درويش إلى المقصود تأملت النص في مكانه وموقعه من النصوص الأخرى وتمنيت لو أن الشاعر أدرج الزمن الكتابي له ، فلربما جعلنا نطمئن إلى تأويل ما دون غيره . عندما ربطت النص بالواقع الفلسطيني تذكرت أن الذين يمنعون تصوير ضرب فلسطينيين هم أفراد جيش الاحتلال الذين يرتدون اللباس ذا اللون الأخضر .
في هذا الصيف اللاهب ، بل ومنذ بدأ النزوح من شمال غزة إلى خانيونس فرفح عانى النازحون من إزعاج الذباب ، فكان عدوا آخر لهم .
في مقابلة حديثة مع الكاتب الغزي الساخر أكرم الصوراني يقول :
" منذ نزحت النزوح الأول من غزة إلى خانيونس كنت أتردد كل ليلة في الكتابة عن يوميات الحرب ، وكل ليلة أضع على وجهي البشكير للوقاية من ذباب الشتاء وما تيسر من صراصير - وهو بالمناسبة ذباب غبي وبليد جدا ، لا يقل بلادة عن الغسيل الذي ننشف من الخوف ، وهو لا ينشف ، والقصف لشدة العنف ليلا والذباب أيضا ، ولا أسوأ من الليل المليء بالقصف والذباب إلا انقطاع النت بين الفينة والأخرى ... " .
هل الذباب الأزرق هو الجن الأزرق ؟
انتشر في غزة في الفترة الأخيرة ذباب أزرق آذى الصغار والكبار ، وكان منظر الأطفال الرضع من آثار لسعاته مرعبا ، فقد بان على جلودهم ، وقد كتب عنه ، في ٣٠ / ٧ / ٢٠٢٤ ، الخبير بالصحة الجسدية الدكتور الغزاوي رياض عواد معرفا به :
" نوع من الذباب له بطن أزرق وطبقة برتقالية طويلة على جانب الرأس ، كبير الحجم ما يقارب ضعف حجم الذبابة المنزلية و زنه مميز ومزعج . ..يتغذى على الجيف والجثث المتعفنة التي تعتبر المكان المفضل لإقامته وتكاثره ، ما يجعله من أكثر الحشرات نقلا للأمراض ، وقد اشتهر بأنه ذباب المقابر . تنجم عن إصابته التهابات تصل إلى الاكزيما ، وإذا وقع على الطعام سبب مشاكل في الجهاز الهضمي وإسهالا ، وأيضا التهابا في العيون . ويقول الدكتور رياض ان رجال الأمن غالبا ما هددوا المعتقلين بإخفائهم دون أن يعلم مكانهم حتى الذباب الأزرق .
للكاتب الفرنسي ( جان بول سارتر ) مسرحية عنوانها " الذباب كتبها في العام ١٩٤٣ . في المسرحية يغزو الذباب المدينة التي تآمرت فيها الزوجة مع عشيقها وقتلا الزوج وأرادا التخلص من الابن الذي نجا ، وحين كبر وعاد إلى المدينة لاحظ الذباب يغزوها .
هل ستغزو الحشرات والقوارض والزواحف والفيروسات فلسطين بسبب ما يرتكب فيها من جرائم ؟
كم من مقال سابق في هذه التداعيات كتبته أتيت فيه على تسميم المياه وانتشار الأوبئة والبعوض والفيروسات ؟!
الآن يغزونا الذباب وقد يخربش الذباب الإلكتروني حياتنا .

الاثنين والثلاثاء والأربعاء ٥ و ٦ و ٧ / ٨/ ٢٠٢٤ .
( دفاتر الأيام / جريدة الأيام الفلسطينية ١١ / ٨ / ٢٠٢٤ ) .

٥
سائق الصباح :

قال سائق الصباح للراكب الجالس إلى جانبه :
- إذا سمحت ، أجلس اﻷستاذ إلى جانبي .
اعتذر الراكب وأجاب السائق :
- أنا أيضا أستاذ.
أعلمني السائق بهذا بعد نزول الراكب من الحافلة ، وأنا قلت للسائق :
- كلها سيارة وكلها ركبة .
غير أن السائق أفاض ، ومثله الجارة ، بالحديث عن الجيل الحالي الذي ما عاد يحترم الكبار وما عاد يصغي إليهم وما عاد يأخذ بالنصيحة .
أنا لم أكترث للأمر ولا أذهب مذهبهما .
ما علينا ! وما هذا ما أرمي إليه .
السائق عندما أقلني والجارة هبط من حافلته والتقط نوعا من الطيور كان يتعلم الطيران وقال لنا إنه نوع جديد من الطيور قدم إلى بلادنا .
الراكب الذي إلى جانب السائق دعا عليه وطلب من الله أن يرسل غرابا كبيرا يلتقط أبناء السائق كلهم . هل احتد السائق ؟
لم يحتد السائق ، وعقب ببعض غضب :
- يا سيدي وإن شاء الله يميتهم جميعا . مبسوط يا سيدي .
الراكب بدأ يعتذر ويقول إنه لم يقصد هذا وإنما أراد أن يجعل السائق يترك الطير .
السائق قال :إنه يحب الطيور أكثر من أولاده وأضاف موضحا: " إن متعتي في الحياة أن أربي الطيور وأن أطعمها بيدس " و..
والسائق عاد بنا إلى أيام زمان ، أيام كان يصطاد العصافير و..و..
والسائق وصل إلى المدينة ، والحركة فيها كانت نشطة و...ولم نصغ إلى اﻷخبار وما آلت إليه الهدنة في غزة . هذا هو كل ما في اﻷمر .
٢٠١٤

٦
قال لي :

أتفهم إخوتي وأحوالهم وجهل كثيرين منهم ولا أحب أن يتدخل أي منهم بشؤوني الخاصة أو ينطق باسمي .
إنهم يسيئون إلي ويريدون استغلال اسمي .
قلت له :
- كأنك تعبر عما في نفسي . وصمت .
ليس ثمة أسوأ ممن ينطق من أقاربك باسمك لمصلحته الخاصة .

٧
صديقي أبو علي :

صديقي أبو علي غير صديقي أبو علي ، فهناك أكثر من صديق لي اسمه أبو علي .
لي صديق اسمه أبو علي لم يقصر بحقي وأنا في الغربة ، فقد قال ما قال وهرف بما عرف وما لم يعرف ، وحين قلت مرة ، على مسمعه وبحضوره حقيقة علمية ، قاطعني مشكورا ، وذكرني بالرجل الذي زعل من زوجته فقرر أن يبتعد عنها في الفراش ، فسرت وقالت :
- ريحتنا من ضراطك، ويبدو أنها تعرف البئر وغطاءه ، على رأي المثل .
أبو علي قال أمس :
- لا يوجد تعليم في أميركا . التعليم في جامعة النجاح أفضل منه في أميركا . فوافقته على الفور ودون أن أتردد قائلا :
- ذلك أن مفهومهم للتعليم غير ...
وقادنا الحديث إلى حديث آخر أنا قلت بدايته وتابع أبو علي الكلام ، فهو يعرف البير وغطاه .
في الجامعات اﻷميركية - لا العربية - الطالب جاسوس على أستاذه ، واﻷستاذ جاسوس لرئيس القسم ، ورئيس القسم جاسوس للعميد ، والعميد جاسوس للنائب ، والنائب جاسوس للرئيس ، والرئيس جاسوس للأمناء ، واﻷمناء جواسيس ﻷوباما وا:ف.أي.بي .

وما لم أقله ﻷبي علي إن أوباما ينسق مع بنيامين نتنياهو وهذا بدوره ينسق مع السلطات العربية ويأخذ أوامره منها .
أليس لهذا تحتل جامعاتنا المرتبة اﻷولى في الجامعات العالمية ، فيم لا توجد جامعة أميركية واحدة من أفضل 500 جامعة في العالم ؟
أبو علي قدم حديثا من أوغندا ، من عند عيدي أمين .
٢٠١٥

٨
أنا ، مثل الاحتلال الإسرائيلي والحاكم العربي ، ضرورة تاريخية :

يخيل إلي أنني مثل الاحتلال الإسرائيلي والحاكم العربي : لزقة كوكس وضرورة تاريخية .
وحيد زماني أنا ، ومثل المعري :

إني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لا تستطعه الأوائل ( نفخ / منفاخ ).

في العام 1991عدت من ألمانيا ، كما عاد مصطفى سعيد بطل رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال " 1966- أيضا أنا كتبت رواية عنوانها " تداعيات ضمير المخاطب " 1993- عدت متعبا مرهقا شبه مطرود من الألمان ،( برسونا نن غروتا ) كما كتب سميح القاسم ، ولما وصلت نهشت الفصائل جسدي وتوزعت بينها ، وامتد الأمر إلى النظام الأردني ، وهات مشاكل .
صرت قضية الشرق الأوسط ، وصرت مثل العراق وسورية ، قبل أن يلم بهما ما يلم بهما الآن ، وربما كل هذا بسبب ( ليلة القدر ).
ما علينا .
وأنا عائد من الرام ، حيث مقر اتحاد الكتاب ، وكان ذلك تقريبا في أيلول 1991 ، بصحبة القاص سامي الكيلاني ، بسيارته ، قال لي إن مجلس أمناء الجامعة يريد فصلي ، ولكنه متردد بسبب أوضاعي الخاصة . هل أقول ليت المجلس فعل وسحت في هذه الدنيا ؟ لا أدري !
ومنذ ذلك اليوم وأنا معرض للفصل من وظيفتي ، أو هكذا يوحى إلي ، ثم يأتي الفرج من جهة ما ، أو هكذا يوحى إلي .
يأتي الفرج من ياسر عرفات أو من فصيل أحسب ، في ذلك اليوم ، عليه - كنت أرتدي الحطة الحمراء اللون فحسبت على الجبهة الشعبية كما أخبرني د.فواز - أو من إمرأه مثقفة لها سلطان ما ، لكونها تنحدر من أسرة متنفذة لها قرارها وترى في كاتبا نشيطا ، أو هكذا يوحي بعضهم إلي ، فيقرا قول مظفر النواب :
"أموت بنهد يحكم أكثر من كسرى في الليل" .
وربما يأتي الفرج من المحفل الماسوني الذي لا صلة لي به ، كما كان يوحي لي بعض زملائي ، ممن يغتاظون من آرائي ، زاعمين أنني متحرر ، مثل الماسونيين ، أو أنني ماسوني ، وربما كنت ( كرزاي ) فلسطين مفروضا على الجامعة .
منذ 25 عاما والأمر يتكرر ، وكما كتبت في " ليل الضفة الطويل " :
"من أنت ؟ وكل يوم أصنف على فصيل " ، أو قد يلمح إلي أنني من جماعة ( أبو نضال ) ، كما كتبت في " الوطن عندما يخون " 1996 ، فيخاف الجميع . حتى عندما أشتري الفواكه من محلات ( البنا ) يحسب للأمر حساب ، وابن أخي الذي فتح شقتي في غيابي ، ودون إذن مني ، فتش وراء المكتبة إن كنت أخفي شيئا ما ، سلاحا ما .
أنا مثل الاحتلال الإسرائيلي ، ومثل الحاكم العربي : لزقة كوكس .
الآن أنا في ال 63 من العمر ، ومنذ فترة أكرر سطر محمود درويش " لم يبق من الليل ومني شيء نتصارع فيه وعليه " ، ولا أظن أنني كنت سأفعل شيئا لو فصلت من عملي . كنت سأسيح في هذه الدنيا ، وربما كان هذا أفضل .
رهيب أنا ، وربما إرهابي أيضا ولا أعرف هذا.
هذه الأيام أجدني أكرر عبارة مراد العلمي في رواية إلياس خوري " أولاد الغيتو " :
"تفو علينا كيف صرنا " وأما عبارة سميرة عزام في " لأنه يحبهم " فلها كتابة أخرى .
لست خجولا حين أكتب هذا .
11/8/2016

٩
طموح السائق :

السائق يأمل بأن تجد البلدية موقفا للسيارات العمومية غير المجمع ، فهذا مكان مزعج في الصيف خانقة اجواؤه ، عدا أنه مظلم يسبب الاكتئاب .
السائق طلب مني أن أفعل أنا وزملائي من مدرسي الجامعة شيئا . أن نحرك الطلاب وأن نبادر ، فنحن من نقود المجتمع .
هل كان السائق يمزح ؟
قلت له :
- أنتم السائقون مع مجلس الطلبة من يستطيع .
وأوضحت له أن أساتذة الجامعة يقيمون في العامرية والمعاجين ومعهم سياراتهم ولا يدخلون إلى المجمع كل خمس سنوات مرة ، وأنا استثناء ومثلي عدد قليل .
هل كنت جادا وكان السائق حقا جادا أم أنه كان يمزح ؟
قلت للسائق إنني منذ 5 سنوات اقترحت على السيد عدلي يعيش أن يجرف المباني كلها من جزيرة شارع فيصل - لم تكن البنايات تكاثرت - فضحك السيد عدلي يعيش ولم يرق له اقتراحي ، وأضفت:
- نابلس تحتاج إلى حمدي كنعان ورئيس سلطة لا يلين لاتخاذ قرار جنوني .
في 60 ق 20 هدم حمدي كنعان سور دير بير يعقوب ووسع الشارع ولم يكترث لتهديد الراهب الخوري . يومها كان الملك حسين يدعم حمدي كنعان .
هل كنت جادا وكان السائق ساخرا ؟
يعتقد السائق أن أساتذة الجامعة يمكن ان يقودوا المجتمع نحو الأفضل ، وأنا أخذت أبتسم .
11/ 8 /2017

١٠
محمود درويش والشاعرة الإسرائيلية (شيرلي هوفمان ):

يتحفظ الروائي إلياس خوري في مقاله الطويل "موت الشاعر"على اسم الشاعرة الإسرائيلية التي أحبها محمود درويش لفترة قصيرة.
كان الشاعر في إحدى رسائله إلى الشاعر سميح القاسم كتب عن علاقة عابرة مع الشاعرة (شيرلي هوفمان ) حيث قرأ الشاعران شعرا في دولة أوروبية عن مدينة القدس." وإذا قابلت السيدة شيرلي هوفمان في القدس...سلم عليها وقل لها لعنة الله على سارة وعلى هاجر " ( هو...أو هو).
11 آب 2018

١١
حكايتي مع منى وحكايتها مع محمود درويش :

نسيت منى التي لم أعرف اسمها الكامل إلا أول أمس .
الجدل الذي ثار حول علاقة محمود درويش بحركة الأرض أتى على اسمها الكامل .
وأنا أبحث في الموضوع عثرت على مقالين حول رسالة الدكتوراه التي أنجزتها ؛ مقال لصبحي حديدي ومقال ثان لها ، وكلاهما نشر في جريدة القدس العربي ، وظهر أحدهما أيضا في " فسحة ثقافية " لموقع عرب ٤٨ ، وأدرجت الصديقة Afaf Ackall صورة غلاف رسالة منى التي أنجزتها بالعبرية ونشرتها أيضا بالإنجليزية ، فعرفت من عنوان الأطروحة أن منى أبو عيد هي منى التي كانت تتصل بي في العامين ٢٠٠٧ و ٢٠٠٨ تستفسر مني عن قصائد درويش .
كما أخبرتني منى من قبل ، إن لم تخني الذاكرة ، فإن أستاذها الإسرائيلي المحاضر في جامعة ( بار إيلان ) هو من اقترح عليها أن تسألني في موضوعها المتعلق بتأثير محمود درويش في صياغة الهوية الفلسطينية ، ولم تتردد منى في الاتصال .
في الوقت الذي كانت فيه منى تتصل بي كانت أيضا على اتصال بالشاعر الذي ضاق ذرعا باسئلتها فثار ثورة يعربية لا تبقي ولا تذر .
كانت منى مثل أكثر طلاب العلم الجادين تسأل وتسأل وتسأل ، فهي مهمومة بإنجاز رسالتها ، والعلم ضالتها ، وكان الشاعر يعاني من أوجاع الجسد .
شخصيا لم أنزعج من اتصالاتها في مواعيد مختلفة ؛ ظهرا وليلا و .. ، علما بأن الهاتف كان في بيت أبي ، ما جعل أمي دائما تناديني لأرد على الهاتف . محمود درويش هو الذي انزعج من اتصالات منى لدرجة أنه صرخ في وجهها قائلا لها إنه ضجر من اتصالاتها وإنه سيغير رقم هاتفه حتى لا تتصل به .
مرة اتصلت بي منى وقالت لي :
- من هو هذا محمود درويش شايف حاله علي وأنا أعد رسالة الدكتوراه عنه ؟ والله لولا أنني صرت قاطعة شوطا في الكتابة عنه لغيرت الموضوع ، وأضافت :
- اسمع . اسمع ماذا يقول لي الشاعر .
وكنت أهدئها وأوضح لها أنه رجل كبير في السن وأدمن الوحدة وله طقوسه الخاصة وانشغالاته وعلينا تحمل مزاجيته ومرضه .
بعد أيام من الحوار مات الشاعر ، واثر موته اتصلت منى بي ثانية وكانت حزينة ، فقلت لها :
- أرأيت ؟!!
وأمس ، وأنا أقرأ بعض مقالات عن الشاعر ، تذكرت منى ، فقد قرأت لها ورأيت صورة غلاف كتابها و ... .
هل نراعي خصوصيات بعضنا ؟ هل نقدر الظروف التي يكون عليها المرء حين يكبر والأوجاع التي يعاني منها ؟
أيا ما كان الأمر ، فقد حصلت منى على الدكتوراه وطبع كتابها في عاصمة الضباب ، وأعتقد أن ترجمته ضرورية لنا .
هل بالغت في الكتابة عن محمود درويش ، أم أنه شاعر يستحق وهذا ما أراه ؟ وهل من قصد أو مطمح وراء الكتابة ؟
في البحث وراء الحقيقة على الباحث الا يكل والا يمل ، ونشدان الحقيقة ينبغي أن تكون ضالته و ... .
" دقوا على الخشب "
ويا منى :
- ماذا كتب حبيب قهوجي عن محمود درويش وعلاقته بحركة الأرض ؟
والحقيقة والبحث عنهما هما ضالة طالب العلم ، و " اطلبوا العلم ولو في جزر الهونولولو .
١١ / ٨ / ٢٠٢١

١٢
رضوى عاشور و " الطنطورية " وسؤال الهوية : تصور مصري للفلسطينيين أم فلسطيني ؟

عادل الاسطة

أصدرت الكاتبة ، مصرية المولد والجنسية ، رضوى عاشور روايتها " الطنطورية " في العام ٢٠١٠ ، وتتمحور حول الموضوع الفلسطيني ، إذ تتبع الكاتبة رحلة عائلة فلسطينية من قرية الطنطورة الفلسطينية منذ ما قبل العام ١٩٤٨ وترصد حياتها في وطنها وما طرأ عليها على مدار سبعة عقود تقريبا ، وتترك رضوى رقية إحدى شخصيات روايتها تكتب قصة حياتها ، فتغدو رقية المؤلف الضمني إذا استعرنا مصطلح ( واين بوث ) .
نصغي إلى رقية المولودة في الطنطورة التي يحثها ابنها أن تكتب حكايتها ، ولا نصغي إلى رضوى المصرية ، تحكي عن الفلسطينيين . تترك رضوى إذن الفلسطينيين يحكون حكايتهم ويعبرون عما مروا به ، فيستخدمون لهجتهم أحيانا ويرددون أغانيهم الشعبية ويأكلون الطعام الفلسطيني ، ما يدفع المرء الذي يلم بحياة الكاتبة المتزوجة من الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي يتساءل إن كانت رضوى ، لاختلاطها أربعين عاما وأكثر بزوجها وأهله ، صارت تعد فلسطينية ، وبالتالي فإن الصورة التي تبرزها للفلسطينيين هي الصورة التي يرسمها الفلسطيني لذاته ، وعليه يجب أن تخرج رواية " الطنطورية " من الدراسات التي ترصد صورة الفلسطيني في الرواية العربية ؟
السؤال السابق يمكن أن يثار معكوسا في أثناء دراسة ليلى الأطرش الفلسطينية المولودة في بيت ساحور والمقيمة فيها عقدين من الزمن والمتزوجة من المثقف الأردني فايز صياغ . لقد أقامت ليلى في العالم العربي وفي الأردن وعاشت مع زوجها أكثر من أربعين عاما ، فهل تعد كاتبة فلسطينية أم أردنية ؟ وهل الصورة التي تبرزها في روايتها للفلسطيني تدرج تحت تصور الفلسطيني لذاته أم تصور الأردني للفلسطيني ؟
ايا كان الأمر فإن قراءة رواية رضوى في ضوء كتابي مريد البرغوثي " رأيت رام الله " و" ولدت هناك ... ولدت هنا " تضعنا أمام التساؤل السابق ، فهناك تقاطعات كبيرة كثيرة بين الرواية وكتابي مريد ؛ بين تصور الزوجة المصرية والزوج الفلسطيني ، ومنها مثلا الكتابة عن العلاقة بين الأخوة والروح التي تسود بينهم والكتابة عن الطعام أيضا .
إن صورة الأخ الأكبر في العائلة الفلسطينية التي كتب عنها مريد في " رأيت رام الله " وقال إنها تستحق أن يكتب فيها الكثير تتجسد في رواية " الطنطورية " خير تجسيد ، وما كتبه مريد لم يأت من فراغ ، فلطالما مدح هو شخصيا أخاه الأكبر منيف الذي كان له دور كبير في حياته وتعلمه . ( أنظر : مقالي في الأيام في ٢٨ آذار ٢٠٢١ ) .
في " الطنطورية " يقف صادق الأخ الأكبر إلى جانب إخوته ، فيشتري لأخيه الأصغر عبد من الملابس أثمنها ، ويستغرب منه أنه يعاني من أزمة مالية ولا يخبره . إن الصفحات التي تأتي على هذا الجانب ( ٣٤٤ وما بعدها ) تتشابه وما كان مريد يكتبه عن منيف ودوره في مساعدة إخوته . بل إن الأجواء الأسرية التي تسود بين أفراد الأسرة الفلسطينية في الرواية ، وهي أجواء لا تخلو من روح المرح والدعابة والميل إلى المزاح ، ليست بعيدة عن الأجواء الأسرية في أسرة مريد وغير بعيدة عن روح مريد نفسه ، فمن التقى به يعرف فيه هذه الصفات ، عدا أن قاريء أدبه يستشفها من نصوصه ومن الإصغاء إليه في المقابلات التي أجريت معه .
التقاطعات في الرواية مع نصوص الأدب الفلسطيني لا تقتصر على كتابي مريد وحسب ، فأنت أحيانا تتذكر نصوص محمود درويش ، وتحديدا ديوانه " ورد أقل " وكتابه النثري " ذاكرة للنسيان " . إن ما ألم بالفلسطينيين في لبنان في العام ١٩٨٢ وما بعده من مجازر وشتات وشكل مادة للشاعر حضر أيضا في الرواية . صار " مطار أثينا " ، كما في قصيدة درويش ، يوزعنا على المطارات ، وصارت اليونان في الرواية مكان التقاء العائلة الفلسطينية المشتتة ، بل إن إقامة العرس الفلسطيني تم فيها ، وصار الفلسطيني نزيل الفنادق ، بل صار الفندق عنوانه الشخصي - وهذا عنوان إحدى قصائد درويش أيضا .
وأنا أقرأ الفصل السادس والعشرين من الرواية سجلت الملاحظة الآتية " كما لو أنك تقرأ ذاكرة للنسيان لمحمود درويش . والفصل هذا عموما هو جوهر رواية " الطنطورية " ، ففيه تخبرنا رقية أن حسن هو الذي اقترح عليها كتابة حكايتها ، علما بأنها ليست كاتبة :
" قال :
- احك الحكاية ، اكتبي ما رأيته وعشته وسمعته ، وما تفكرين فيه ، وإن صعبت الكتابة احك شفاهة وسجلي الكلام ، بعدها ننقله على الورق . هذا مهم يا أمي ، أهم مما تتخيلين "
وما تحكيه رقية هو حكاية الشعب الفلسطيني . حكاية متشعبة . حكاية الطنطورة وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا والشتات وتفرق العائلة وتمزقها واستشهاد بعض أبنائها و ..
ما تجدر الإشارة إليه أن الرواية تأتي على شخصيات فلسطينية حقيقية مثل أنيس صايغ وناجي العلي . إن الكتابة عن شخصيات فلسطينية حقيقية ؛ سياسية وأدبية هي ظاهرة لافتة في الرواية العربية وقد توقفت أمامها مطولا في كتابي " أسئلة الرواية العربية : أولاد الغيتو ، اسمي آدم . إلياس خوري نموذجا " ( دار الآداب ٢٠١٨ ) وفي مواضع عديدة في هذا الكتاب . وتحديدا تحت ما كتبته عن رواية الجزائرية أحلام مستغانمي " ذاكرة الجسد " ورواية اللبناني الياس خوري " سينالكول " ورواية الكويتي اسماعيل فهد اسماعيل " على عهدة حنظلة " ورواية العراقي علي بدر " مصابيح اورشليم " ورواية السوري ياسين رفاعبة " من يذكر تاي " وغيرها . ولم يظهر أي من الكتاب الذين كتبوا عن شخصيات فلسطينية حقيقية صورة مغايرة للصورة الشائعة عنهم في مخيلة محبيهم من القراء العرب .
في " الطنطورية " نقرأ عن ناجي العلي في مقاطع عديدة من الرواية ، بخلاف ما نقرؤه في رواية اسماعيل فهد الذي كتب الرواية كلها عن ناجي وحياته وتجربته وترك " حنظلة " الذي اخترعه ناجي ولازم رسومه يقص ويروي .
في " الطنطورية " نقرأ عن أنيس صايغ المثقف الفلسطيني الجريء الذي تعرض لأكثر من محاولة اغتيال من الموساد الإسرائيلي ونجا بأعجوبة .
وأعود إلى رضوى وتمثل حياة الفلسطينيين .
تورد رضوى في نهاية الرواية قائمة بمفردات خاصة بحياة الفلسطينيين ؛ تحيتهم ولباسهم وبعض أكلهم / طعامهم الخاص بهم ، وقد وردت على لسان الشخصيات الفلسطينية بتلقائية ودون تكلف كالتكلف الذي نلحظه لدى بعض روائيين فلسطينيين أقحموا العبرية في رواياتهم متكلفين ودون أن يتقنوها ، ولذلك طبعا دلالته في السؤال الذي أثرته حول سؤال الهوية وسؤال مصدر التصور في الرواية : أهو تصور الآخر للفلسطيني أم تصور الفلسطيني للفلسطيني ؟ أهو تصور المصري للفلسطيني أم تصور الفلسطيني للفلسطيني ، وهو ما لم يكن ليتم لولا معاشرة رضوى للفلسطينيين وعيشها معهم وحبها لهم ، ويلحظ المرء الفارق الواضح بين كتابة رضوى عن الفلسطينيين وبين كتابة المصريين ناصر عراق في " العاطل " وعز الدين شكري فشير في " عناق عند جسر بروكلين " والروايات الثلاثة صدرت تقريبا في الفترة نفسها . إن الصورة السلبية للفلسطيني لدى ناصر عراق وصورة الفلسطيني الفدائي المتحول إلى داعية لدى عز الدين فشير تقابلهما صورة أشمل وأوسع لا تقتصر على تتبع حياة نموذج واحد ، صورة تتبع حياة عائلة فلسطينية منذ كانت في بلادها إلى ما آلت إليه وما مرت به من معاناة في وطنها وفي المنافي ، صورة تكتبها كاتبة عن قرب ومن الداخل ، كاتبة لم تر الفلسطيني ، في شركة أو في جامع ، رؤية عابرة .
في حياة الفلسطينيين قول شائع يلخص القول عن الفرق بين المعرفة الحقيقية والمعرفة العابرة هو :
- سأله : بتعرفه ؟
- أجابه : نعم !
- سأله : جربته ؟
- أجابه : لا .
- قال له : لا منك ولا من معرفتك " .
وهذا هو الفارق بين كتابة وكتابة ، بين " الرؤية من الداخل " الصادرة عن تجربة و" الرؤية من الخارج " التي تلامس الظاهر .

الأربعاء ١١ آب ٢٠٢١ .
( مقالي الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه ، ليوم الأحد ١٥ آب ٢٠٢١ )

١٣
كلام كثير حكي وقيل عن موقف أم الشه ، د إبراهيم ، وأكثر مما حكي تكرر بث مقطع شريط الفيديو وهي تزغرد .
تفاوتت ردود الأفعال ، فثمة امرأة فلسطينية تقيم في السويد نقلت ردود افعال الصحافة الأوروبية حول الشريط ، ولم يتعاطف الأوروبيون معنا ورسموا لنا صورة سلبية ووجهة نظرهم أننا نسترخص دمنا ، وردود الأفعال هذه مختلفة تماما عن ردود أفعالنا التي مجدت والدة الشه ، د ، ووجهة نظرنا أننا نقدم أرواحنا في سبيل حياة كريمة ، فماذا تساوي الحياة تحت الغزاة ، ومرة كتب محمود درويش في قصيدة " بيروت " ١٩٨١ " بوركت الحياة فوق الأرض ، لا تحت الطغاة " ويمكن استبدال الغزاة بالطغاة .
أعتقد أن ظاهرة زغاريد أمهاتنا يوم استشه ، اد أبنائهن تحتاج إلى تفكير وجدل .
والد الشه ، د كان حزينا هادئا قال كلاما موزونا وأعتقد أنه يعبر عن حزن عميق :
- كنت أعرف أنه ، منذ اختار هذا الطريق ودرب المقا ، مة ، كنت أعرف أنه وهب حياته للوطن وأن هذا مصيره . ( نقل معنى ) .
كم مرة نقلت أسطر محمود درويش :
" الشهيد يحذرني : لا تصدق زغاريدهن ،
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا :
كيف بدلت أدوارنا ، يا بني ،
وسرت أمامي ؟
أنا أولا
وأنا أولا ! " .

حقا إن الموضوع يحتاج إلى تفكير ، ولكن السؤال هو :
- متى كان الغرب يتعاطف معنا ويحترم إنسانيتنا وهو الذي خلق إسرائيل وأمدها بالسلاح لتنتصر علينا ؟

ومرة أخرى اقتبس من " حالة حصار " :

" قالت الأم : في باديء الأمر لم
أفهم الأمر . قالوا : تزوج منذ
قليل . فزغردت ، ثم رقصت وغنيت
حتى الهزيع الأخير من الليل ، حيث
مضى الساهرون ولم تبق إلا سلال
البنفسج حولي . تساءلت : أين العروسان ؟
قيل : هنالك فوق السماء ملاكان
يستكملان طقوس الزواج . فزغردت ،
ثم رقصت وغنيت حتى أصبت
بداء الشلل
فمتى ينتهي ، يا حبيبي ، شهر العسل ؟ "
( محمود درويش ، حالة حصار ، ٢٠٠٢ ) .
١١ آب ٢٠٢٢ .

١٤
الكتابة والسجن :
عالم الكتابة في السجن

كميل أبو حنيش

[ يتعين علي الاعتراف بأنني قد تعجلت في كتابة رواية " خبر عاجل " كما سأتعجل في إنجاز معظم أعمالي الكتابية - كما سنرى في سلسلة هذه الحلقات - من دون أن أتيح الوقت الزمني اللازم لإنجازها لتنضج . وأعيد ترتيبها وتنقيحها بشكل أفضل ، أما الأسباب التي كانت تدفعني للكتابة على هذا النحو ، فهي سلسلة الهواجس المشار إليها في حلقة سابقة ( الحلقة الثالثة ) وأهمها على الإطلاق هاجس السجن والإجراءات القمعية المتواصلة ، والتي تحرم أي كاتب في السجن من شروط الراحة النفسية والاستقرار والحرية في الكتابة . ]
( صفحة ٤٧ / الحلقة السابعة ( خبر عاجل )، (منشورات طباق ٢٠٢٣ ) .

١٥
يوميات غزة ( ٣١٠ ) مساء :
إنهم يسخرون منا


عندما قرأت ما كتبته مريم قوش في وداع أستاذها المرحوم يوسف شحدة الكحلوت سألتها إن كان هو من كان وزير ثقافة في الحكومة التي شكلتها حماس يوم انتخبت ، وإن كان هو من كتب عن محمود درويش وجوانب الانحراف العقدي والأخلاقي في شعره .
بحثت فيما كتبته عن محمود درويش في هذا الجانب فعثرت عليه ، وما كدت أجري تعديلا عليه حتى شطبه الأمن السيبراني الفيسبوكي بحجة جمع معلومات حساسة . ما كتبته كان في ذكرى رحيل الشاعر في العام ٢٠١٧ تحت عنوان " العودة إلى محمود درويش " .
وأنا أتابع أخبار قطاع غزة قرأت عن منشورات ألقتها الطائرات الإسرائيلية على أهالي قطاع غزة تحتوي على مغلف نايلون بسيجارتين ، وكتب في المنشور :
" بدكم قيادات ولا بدكم دخان " .
غنى الإسرائيليون في أعراسهم الدحية الفلسطينية ، وقد كتبت عن هذا ، واستخدم الإسرائيليون الشتائم الفلسطينية من الزنار وتحت ، وكتبت عن هذا وأنا أكتب عن رواية إلياس خوري " نجمة البحر " ، ولطشوا من تراثنا الحمص والفلافل والكوفية غير مكتفين بنهب الأرض وما فيها وطرد من عليها والآن ...
رئيس الوزراء الفلسطيني السابق الدكتور محمد اشتية خاطب أبناء شعبه بالعبارة المعروفة :
" بدكم مصاري أكثر ولا وطن أكثر " .
ولم يحصل الفلسطينيون على الوطن ولا على المصاري ، وكل ما جلبه لنا هو سخرية الإسرائيليين منا :
" قيادات أكثر ولا دخان أكثر "
وكنت كتبت من قبل تحت عنوان " تحشيش غزاوي أم يهودي ؟" .
كل الحق على ستنا سارة وستنا هاجر وتربيتهما أبناءهما تربية الضرائر .
هل شوى الغزاويون اليوم الميركفاه وجعلوا من النمر نمرا من ورق ، فردوا على السخرية بمثلها ؟
الدكتور يوسف شحدة الكحلوت شواه الإسرائيليون في مجزرة أمس وعدوه قائدا من خمسة عشر قائدا زعموا أنهم كانوا مختبئين بين المصلين ، وبعد فحص أسماء قسم من الخمسة عشر تبين أنهم لم يكونوا في مسجد مدرسة التابعين - أي المحرقة .
١١ / ٨ / ٢٠٢٤

١٦
غزة 675 :
ارتقاء مراسل قناة " الجزبرة " أنس الشريف :

آخر الأخبار من غزة تقول :
تم اغتيال مراسل قناة الجزيرة الفضائية في قطاع غزة أنس الشريف .
قبل أيام بدا المرحوم هزيلا من شدة الجوع ، وقد شكا منه وقال إنه يقف أمام الكاميرا وهو يكاد يقع ، ولكنه سيواصل مجرى النشيد ، ولو أن ورده أقل ، فليس أمامه إلا أن يروي ما يجري بالصوت وبالصورة .
كانت حرب طوفان الأقصى مجزرة الصحفيين بحق ، فقد ارتقى منهم ما يربو على المائتين وثمانية وعشرين حتى ٣٠ / ٦ / ٢٠٢٥.
أخبار آخر الليل كأخبار أول النهار :
ليس في غزة من لا ينام إلا الموت الذي تحمله إسرائيل لأهلنا هناك .
عندنا مثل يقول " ابن الحرام لا ينام ولا يترك غيره ينام "
و
لا حول ولا قوة إلا بالله !
كان أنس يكرر :
" هم يريدون الحرب "
وارتقى هو شهيدا .
هل تذكرون قول ( برتولد بريخت ) :
" على الحائط كتابة بالطباشير :
هم يريدون الحرب
والذي كتبها خر صريعا " .
متى سيخر البرابرة الجدد صرعى ؟
١١ / ٨ / ٢٠٢٥

١٧
غزة 675 / 2
زبيبة الفلسطينية / الغزاوية

عندما قرأت ما كتبه الدكتور سعيد محمد الكحلوت أمس في صفحته عن كبار السن في قطاع غزة، ممن قبضوا نهاية مكافأة الخدمة ، أو كادوا يقتربون من إنهاء عملهم ، وحلموا بقضاء فترة الشيخوخة مع أحفادهم ، ثم جاءت الحرب لتذهب أحلامهم وأمنياتهم وأموالهم هباء ، فلا تنعموا بما قبضوا ، ولا اصطحبوا أحفادهم إلى السوق ، ولا جلسوا في الحديقة ينظفونها ويشذبون أشجارها ، ولا رعوا غنمتين ليشربوا من حليبهما ، تذكرت سطرا شعريا أرجح أنه لمحمود درويش نصه :
" ذهب العمر هباء
وفقدت الجوهري "
وتذكرت أيضا مثلنا الشعبي " طول عمرك يا زبيبة في قفاك هالعودة " ، وتذكرت جدي المرحوم أحمد محمد الأسطة وزوجته صفية أبو الركب ، وتذكرت بيتهما في يافا ، ولطالما أوردت حكايتهما وحكاية بيتهما هناك .
كان جدي بائع الكعك على فرش يقيم وجدتي وأبناءهما في البلدة القديمة ، ثم في الأربعينيات من القرن العشرين اشتريا قطعة أرض وبنيا بيتا لهما في حي النزهة ، ولم يهنئا به ، فقد حلت النكبة وهاجرا إلى نابلس ، ليقيما عشر سنوات لاجئين في الخيام فيما عرف بمخيم عسكر ، قبل أن تبني وكالة غوث اللاجئين ، في العام ١٩٥٨ ، غرفا اسمنتية ضيقة صغيرة الحجم للاجئين .
في لقاء عصمت منصور مع النائب العربي في الكنيست ، المقرب من نتنياهو ، عباس منصور قال الأخير إنه عرف منذ ٨ / ١٠ / ٢٠٢٣ أن نتنياهو ووزراءه قرروا تسوية المباني في قطاع غزة بالأرض ، ليعيش أهل القطاع في الخيام والرمال عشر سنوات .
لا أعرف إن بقي من أحفاد عمتي رئيسة التي نزحت في العام ١٩٤٨ إلى غزة ، وكانت متزوجة من عائلة جهير ، لا أعرف إن بقي منهم أحد ليعيشوا من جديد تجربة الأجداد .
طول عمرك يا زبيبة في قفاك هالعودة ، وصباح الخير يا دكتور سعيد .
ما أرانا نعيش إلا ما عاشه آباؤنا وأجدادنا .
١١ / ٨ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى