إنَّ من يتناول مصطلح الجندر تبرز له في سياق التناول المصطلحي بعض المسميات الأخرى التي من الممكن أن تؤدي إلى الخلط بينها وبين الجندر، فهل هذه التسميات مشتركة مع مسمى الجندر؟ أم هي مكملة لهذا المصطلح؟ أم مختلفة عنه؟ في بعض الدراسات التي تتناول النسويات وحركاتها المختلفة، تتناول في داخل اشتغالاتها مصطلح الجنوسة مثلاً، وهذا المصطلح يشير إلى التمايز الجنسي بين الذكر والأنثى، أو قد يشير المصطلح إلى بُعد آخر غير ما يُراد من مفهوم الجنس.
في موضوع التعريف بمصطلح الجنوسة، إذ تناولت الناقدة الفنزويلية كارولينا كوندا مصطلح الجنوسة على أنه مصطلح "مركزي في النظرية النسوية، وتقدم وصفاً لظاهرة خضوع النساء، فضلاً عن تقديمها تفسيراً لأسباب هذا الخضوع، وتقترح استراتيجيات لتجاوزها؛ لأن هدفها يكمن في تحويل دور النساء داخل المجتمع، من دور إخضاعي إلى دور تشاركي، يتيح تطبيق مفهوم الجنوسة في دراسات التاريخ إمكانات واسعة"(1). إنَّ مصطلح الجنوسة – حسب رأي كارولينا كوندا - قد يشير إلى طبيعة مفهومية متقدمة عن مفهوم الجنس على النحو البيولوجي، ومن ثم فإنها تعتقد بأنه يتلاءم مع المراجعات التاريخية الداخلة في دراسة ظاهرة الدور النسوي في مراحله المختلفة. لكن أين يقع الاختلاف بين مصطلحي الجنوسة والجندر؟ إذا ما اعتبرناهما يقعان في سياق اشتغالي واحد، ولكل منهما مفصل في هذا المجال، إن هذا التنوع في الدلالة يتشكل من التصور الآتي: "إذا كانت الجنوسة/ Genre على مستوى الاشتقاق اللغوي، في اللغات اللاتينية، قد ارتبطت باللسانيات، والنحو، ونظرية الأجناس الأدبية والأنثولوجيا والأنثروبولوجيا، فإن الجندر Gender قد ارتبط بالعلوم الاجتماعية والإنسانية بصفةٍ خاصة.
ويعني هذا أن الجندر مصطلح تمحورت حوله الدراسات النسائية في كافة المجالات: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيولوجية الطبية، والنفسية، والعلوم الطبيعية، والقانونية، والدينية، والتعليمية، والأدبية، والفنية، وفضاءات العمل والتوظيف، والاتصال، والإعلام، والتراجم، والسير الذاتية"(2).
إذن، فإن الجنوسة هي أكثر اشتغالاً في مجالات تقترب من الأدب وأجناسه، وما يتضمنه النحو واللسانيات، والأنثولوجيا والأنثروبولوجيا، والمصطلح يأخذ بُعداً آخر عند جوديث بتلر في أنه "هوية يتم تكوينها على نحو غامض في سياق الزمن، تُدشن في فضاء خارجي من خلال تكرار مؤسلب للأفعال، يحدث تأثير الجنوسة من خلال أسلبة الجسد، وبالتالي، يجب فهمها بوصفها الطريقة الدنيوية التي تشكل بها الإيماءات والحركات والأساليب الجسدية من مختلف الأنواع وهمَ ذاتٍ مجنوسة دائمة"(3). وفي هذا الفضاء المؤسلب للجسد الأنثوي، تقترح فيه بتلر قراءة أبطال الجنوسة، ومن خلاله يتم التفريق بين استخدام صيغة الجنوسة بين السوسيولوجية وبين اللغة والثقافة.
ترى جوديث بتلر في نظرية الأدب النسوي أن العمل على عرض مشكلة الجنوسة يشكّل التصور الآتي: "بالعمل في عرضي لهذا الانتقال من الاختلاف الجنسي إلى مشكلة الجنوسة، أو في الواقع، من الاختلاف الجنسي إلى نظرية الشذوذ، أليسا هما نفسهما، بما أن مشكلة الجنوسة ليست سوى لحظة من نظرية الشذوذ، ثمة تفاوت بين الاختلاف الجنسي كمقولة تشرط النشوء في اللغة والثقافة، والجنوسة كمصطلح سوسيولوجي، يوصف كمعيار"(4). وهذا الاختلاف هو ما تركّز عليه الصيغة الاشتغالية للمصطلح بين المجالين المعرفيين، حسب فهم بتلر لهذا الاستخدام المفاهيمي لمصطلح الجنوسة. في فضاء الجندر توجد مصطلحات أخرى عديدة تطورت بفعل استخدام هذا الفضاء الجندري الذي أخذ في الاتساع مع تزايد تغلغله في مناحي الحياة المختلفة، وحسب ما يريده دعاة النسوية والتناسل المفاهيمي للجندر، وهذه المصطلحات هي:
ومن بين هذه البرامج التي يُراد لها أن تطبق عملية التحول في طبيعة العلاقة إلى شكلها الجديد، برنامج التنمية الأمريكي الذي يعمل على تطبيق المفاهيم والمصطلحات الجندرية على وفق مشروع EMERGE في الأردن، وهذا المشروع طرح ورقته الإطارية في هذا السياق، وحملت عنوان "إعادة تأطير الرجال والفتيان في السياسة المتعلقة بالمساواة على أساس الجندر" وحمل عنواناً ثانوياً يركز على التوجيه المفاهيمي وبرنامج التغيير، وذكر في هذا البرنامج ثلاثة أسباب أساسية لإدماج الرجال والفتيان وإشراكهم في مبادرات المساواة على أساس الجندر، وهذه الأسباب هي من تتيح البحث في آليات تطبيق البرنامج الذي يقع في (266) صفحة، وجاءت هذه الأسباب كالآتي:
ومن جهة أخرى، إن كانت الرؤية للأنثى على أنها تقع في مجال الهامش، والرجل يقع في مجال المركز، فإن هذه الرؤية قد تكون سليمة إذا ما أخذنا تطبيقاتها التاريخية على مستوى المجتمعات الغربية وقارناها بالواقع الحالي، على اعتبار أن البيئات الغربية بعد التحول من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وبعد التحول من المركزية الغربية إلى مفاهيم ارتبطت بالفردية والتشظي، وهذا ما يحوّل الأسرة إلى مكان للعزلة والفردانية بعد أن كانت في السابق تراعي العمل الجماعي في داخلها وتنميه. ومن ثم فإن الرؤية الجديدة قد لا تتطابق في المجتمعات الأخرى التي تكون فيها المرأة ليست هامشاً بل جزءاً رئيساً ومكملاً للأجزاء الأخرى في العائلة، ومن ثم فإن تطبيقات تحويلها حسب النظام الجندري لا تصلح في المجتمعات الأخرى المغايرة للمجتمعات الغربية، وقد لا يكون التطبيق سليماً وهذا يؤدي إلى تغيرات على المستوى الأخلاقي للعائلة في عالمنا العربي ذي الانطباعات المغايرة.
ومن ثم تصبح هذه القضية - أي تحويل الهوامش إلى مراكز منافسة ومغايرة للمراكز السابقة المتبدلة عن طبيعتها البيولوجية والسوسيولوجية - لعبة غربية قائمة على أساس تطبيقات ما بعد الحداثة، أو فرضها على مناطق تقع خارج الجغرافيا الجندرية الغربية، ومن ثم تكون هذه اللعبة هي النتاج الجديد والمغري للآخر تحت مبدأ هدم المركز للسيطرة الغربية على الآخر، ولكن هذا الهدم الجديد هو في حقيقته موجه إلى كل مركزية على وفق هذه المفاهيم، ومنها مركزية العائلة في عالمنا العربي وقلب الأدوار الاجتماعية والإنسانية بين أفراد العائلة، ومحاولة تقسيم العائلة من عائلة مبنية على الفطرة الإنسانية إلى عائلة قائمة على الفرديات المتصارعة على الأدوار، وكل هذه المسميات الجديدة تدخل في تشكيل لعبة تطبيقات مفاهيم ما بعد الحداثة في بيئات مغايرة ومنها منطقتنا العربية، وتحويل ما يُعتقد بالهوامش في هذه اللعبة إلى مراكز تسهم في تهديد آخر وتدخل وتتسلل إلى حياتنا اليومية بحجج مختلفة منها: المساواة والعدالة، والتمكين، والحرية للنساء، وأبعادهن عن أدوارهن الحقيقية لصالح الأدوار الأخرى.
الهوامش
في موضوع التعريف بمصطلح الجنوسة، إذ تناولت الناقدة الفنزويلية كارولينا كوندا مصطلح الجنوسة على أنه مصطلح "مركزي في النظرية النسوية، وتقدم وصفاً لظاهرة خضوع النساء، فضلاً عن تقديمها تفسيراً لأسباب هذا الخضوع، وتقترح استراتيجيات لتجاوزها؛ لأن هدفها يكمن في تحويل دور النساء داخل المجتمع، من دور إخضاعي إلى دور تشاركي، يتيح تطبيق مفهوم الجنوسة في دراسات التاريخ إمكانات واسعة"(1). إنَّ مصطلح الجنوسة – حسب رأي كارولينا كوندا - قد يشير إلى طبيعة مفهومية متقدمة عن مفهوم الجنس على النحو البيولوجي، ومن ثم فإنها تعتقد بأنه يتلاءم مع المراجعات التاريخية الداخلة في دراسة ظاهرة الدور النسوي في مراحله المختلفة. لكن أين يقع الاختلاف بين مصطلحي الجنوسة والجندر؟ إذا ما اعتبرناهما يقعان في سياق اشتغالي واحد، ولكل منهما مفصل في هذا المجال، إن هذا التنوع في الدلالة يتشكل من التصور الآتي: "إذا كانت الجنوسة/ Genre على مستوى الاشتقاق اللغوي، في اللغات اللاتينية، قد ارتبطت باللسانيات، والنحو، ونظرية الأجناس الأدبية والأنثولوجيا والأنثروبولوجيا، فإن الجندر Gender قد ارتبط بالعلوم الاجتماعية والإنسانية بصفةٍ خاصة.
ويعني هذا أن الجندر مصطلح تمحورت حوله الدراسات النسائية في كافة المجالات: السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيولوجية الطبية، والنفسية، والعلوم الطبيعية، والقانونية، والدينية، والتعليمية، والأدبية، والفنية، وفضاءات العمل والتوظيف، والاتصال، والإعلام، والتراجم، والسير الذاتية"(2).
إذن، فإن الجنوسة هي أكثر اشتغالاً في مجالات تقترب من الأدب وأجناسه، وما يتضمنه النحو واللسانيات، والأنثولوجيا والأنثروبولوجيا، والمصطلح يأخذ بُعداً آخر عند جوديث بتلر في أنه "هوية يتم تكوينها على نحو غامض في سياق الزمن، تُدشن في فضاء خارجي من خلال تكرار مؤسلب للأفعال، يحدث تأثير الجنوسة من خلال أسلبة الجسد، وبالتالي، يجب فهمها بوصفها الطريقة الدنيوية التي تشكل بها الإيماءات والحركات والأساليب الجسدية من مختلف الأنواع وهمَ ذاتٍ مجنوسة دائمة"(3). وفي هذا الفضاء المؤسلب للجسد الأنثوي، تقترح فيه بتلر قراءة أبطال الجنوسة، ومن خلاله يتم التفريق بين استخدام صيغة الجنوسة بين السوسيولوجية وبين اللغة والثقافة.
ترى جوديث بتلر في نظرية الأدب النسوي أن العمل على عرض مشكلة الجنوسة يشكّل التصور الآتي: "بالعمل في عرضي لهذا الانتقال من الاختلاف الجنسي إلى مشكلة الجنوسة، أو في الواقع، من الاختلاف الجنسي إلى نظرية الشذوذ، أليسا هما نفسهما، بما أن مشكلة الجنوسة ليست سوى لحظة من نظرية الشذوذ، ثمة تفاوت بين الاختلاف الجنسي كمقولة تشرط النشوء في اللغة والثقافة، والجنوسة كمصطلح سوسيولوجي، يوصف كمعيار"(4). وهذا الاختلاف هو ما تركّز عليه الصيغة الاشتغالية للمصطلح بين المجالين المعرفيين، حسب فهم بتلر لهذا الاستخدام المفاهيمي لمصطلح الجنوسة. في فضاء الجندر توجد مصطلحات أخرى عديدة تطورت بفعل استخدام هذا الفضاء الجندري الذي أخذ في الاتساع مع تزايد تغلغله في مناحي الحياة المختلفة، وحسب ما يريده دعاة النسوية والتناسل المفاهيمي للجندر، وهذه المصطلحات هي:
- المساواة الجندرية: من بين أهم المصطلحات التي اشتغل عليها أصحاب هذا الاتجاه هو مصطلح المساواة الجندرية، أي المساواة بين الذكر والأنثى، ولكن أي مساواة ينادى بها في هذا الموضوع؟ فالمساواة هنا تأتي بمعانٍ عدة، منها:
- مساواة في الحقوق والواجبات الاجتماعية: ومنها الوظائف، والرتب والدرجات التي دائماً يتصدرها الرجال، فلا بد من المساواة بين الرجال والنساء فيها.
- مساواة على مستوى الأسرة: فلا بد للرجل أن يأخذ دور المرأة في حضانة الأطفال والواجبات البيتية، وغيرها من المسائل الخاصة في هذا الموضوع.
- المساواة في الاختيار: يجب أن يكون للمرأة نفس مجالات الاختيار الخاصة بالرجل، ومنها على المستوى الخاص بالتعددية في الزواج وغيرها من الأمور التي لا يمكن أن تفرز مجتمعات متماسكة.
- الهوية الجندرية: من المصطلحات الأخرى المهمة في مجال الحقل الجندري مصطلح الهوية الجندرية، التي أصبحت من الضروريات الملحة في تشكيل هذا الحقل، كون أن الهوية في مثل هكذا دراسات ومجالات تطبيقية ستكون هي الحجر الأساس في إبراز طبيعة الحقل المعرفي والتعامل معه بشكل واقعي إذا ما تم تحديده والاشتغال عليه. ويرى المحلل النفساني روبرت ج. ستولر عن الهوية الجندرية: تبدأ "بالمعرفة والإدراك سواءً الواعي أو اللاواعي، إنَّ المرء ينتمي إلى جنس واحد وليس إلى الآخر، مع أنه عندما يتطور المرء، تصبح الهوية الجنوسية أعقد بكثير، بحيث إنه، على سبيل المثال، قد يحس المرء نفسه ليس كذكر فقط بل كإنسان مذكر أو رجل متأنث أو حتى كرجل يتوهم أنه امرأة"(5). وتصبح على وفق تحليل وتقييم ستولر الهوية الجنوسية هي هوية غير واضحة الملامح ويفقد من خلالها الإنسان انتماءه الجنسي الحقيقي في كونه ذكراً أو أنثى، وعلى وفق توصيف ستولر يصبح لدينا عدد من الأوصاف على وفق الهوية الجنوسية:
- رجل/ مذكر.
- رجل / مؤنث أو يتشبه بالأنثى.
- امرأة / أنثى.
- امرأة / مذكر تتشبه بالرجل.
- العدالة الجندرية: ومن المصطلحات الأخرى الداخلة في المجالات الجندرية مصطلح "العدالة الجندرية" الذي يساوق تقريباً مصطلح المساواة، لكن العدالة تنحي منحىً أكثر تقدماً نحو القضايا الاجتماعية، وهذه العدالة تكمن في التعامل مع الحقوق والواجبات المكتسبة ليس على أساس الجنس، بل على أساس البناء الاجتماعي والاحتياجات الداخلة في هذا الموضوع الحيوي الذي من الممكن أن يخلط التصورات بين الجنسين على أساس العدالة التي تتبع المساواة بينهما، حتى وإن كانت في أمور لا يمكن المساواة فيها بين الذكر والأنثى. ويضاف إلى هذه المصطلحات مصطلحات أخرى داخلة في مجال الجندر، ومنها مصطلح جندرة الاتجاهات السائدة: وهي استراتيجية جعلت اهتمامات وخبرات الرجال والنساء عناصر أساسية في تصميم وتنفيذ وتقييم السياسات والبرامج في كافة السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية(8) بين الطرفين الذكر والأنثى، على وفق البحث في الفروق بينهما، ومن ثم فإن هذه الآليات ولّدت مصطلحاً آخر يدخل في تبيان طبيعة هذه الفروق على وفق جندرة الاتجاهات السائدة، وهذا المصطلح هو "التحليل الجندري": الذي يُعد أداة تحليل الفروقات بين الرجال والنساء مع مراعاة خصوصية الأنشطة والظروف والاحتياجات والوسائل التي تؤثر في تحكمهم في الموارد، وكذلك وسائل الإفادة من التنمية واتخاذ القرار، وهذه الفروق هي نتاج توجيه معين يخدم التلاؤم بين ما يريده أصحاب النظرية الجندرية وبين ما يخفونه من أمور قد لا تلبي نشاطهم الجندري، أي يتعارض بطبيعة الفطرة الإنسانية مع أهدافهم المعلنة في بناء نظام جندري لا يأخذ بالحسبان هذا الاختلاف البيولوجي بين الذكر والأنثى.
- لعب الأدوار: وفي المجال الجندري يبرز أيضاً مصطلح آخر مهم يشكل المحور الديناميكي في الدراسات الجندرية، وهذا المصطلح هو "لعب الأدوار"؛ الذي يشير إلى مجموعة من الأدوار والعلاقات ذات التكوين الاجتماعي والصفات والمواقف والسلوكيات والقيم وموازين القوى والقدرة على التأثير التي ينسبها المجتمع إلى الجنسين على أسس تفاضلية، وقد ألغى النظام الجندري هذه التفاضلية ليجعل من هذه الأدوار تؤسس هوية جديدة مكتسبة يتم تعلمها وتتغير مع مرور الوقت وتختلف على نطاق واسع داخل الثقافات وعبرها(9). أي أن العملية التي حددت الأدوار السابقة كانت مرتبطة بطبيعة الأدوار الاجتماعية المفروضة على النساء والتي يعدّها أصحاب النظرية الجندرية ليست قارة في طبيعة البشرية وخاصة للأنثى، بل هي مضافة إلى طبيعتها الإنسانية وليست أصيلة فيها، أدخلها نظام فضّل الرجل في كل الحقب السابقة على المرأة، لذلك اقترح أصحاب النظرية الجندرية أدواراً جديدة على وفق الرؤية الجديدة للعلاقة بين الذكر والأنثى تختلف عن سابقاتها من العلاقة التقليدية، وبدأ بقياس العلاقة من جديد على هذا الأساس الجندري.
ومن بين هذه البرامج التي يُراد لها أن تطبق عملية التحول في طبيعة العلاقة إلى شكلها الجديد، برنامج التنمية الأمريكي الذي يعمل على تطبيق المفاهيم والمصطلحات الجندرية على وفق مشروع EMERGE في الأردن، وهذا المشروع طرح ورقته الإطارية في هذا السياق، وحملت عنوان "إعادة تأطير الرجال والفتيان في السياسة المتعلقة بالمساواة على أساس الجندر" وحمل عنواناً ثانوياً يركز على التوجيه المفاهيمي وبرنامج التغيير، وذكر في هذا البرنامج ثلاثة أسباب أساسية لإدماج الرجال والفتيان وإشراكهم في مبادرات المساواة على أساس الجندر، وهذه الأسباب هي من تتيح البحث في آليات تطبيق البرنامج الذي يقع في (266) صفحة، وجاءت هذه الأسباب كالآتي:
- المساواة على أساس الجندر تعني معالجة عدم المساواة في علاقات الجندر: وتترسخ توقعات الجندر لدى الأفراد ذكوراً كانوا أم إناثاً وتصبح ذاتية، وكثيراً ما يتعرض من خلالها الرجال والفتيان لضغوط اجتماعية لإظهار الصفات الذكورية المتمثلة بالصلابة والقوة. وتمارس هذه الأدوار والهويات في الأسر والمجتمعات المحلية والمؤسسات وتعزز من قبلها. ولذا، فإن النظر إلى الجندر من ناحية العلاقات يعني التركيز على علاقات القوة بين الذكور والإناث. وتفسر هذه العلاقات الكثير من الحرمان الذي تعاني منه الإناث وتعمل على إدامته، وهو ما ينبغي أن يصحح.
- يمكن لإشراك الرجال والفتيان أن يحقق نتائج إيجابية للنساء والفتيات: ولا بد من تخصيص الموارد الكافية للعمل مع النساء والفتيات من أجل تمكينهن ولمعالجة أسباب حرمانهن. ومع ذلك، وبما أن الجندر مرتبط بالعلاقات، فمن الواضح أن العمل مع الرجال والفتيان مهم أيضاً لتحدي اعتمادهم على عدم المساواة البنيوية والمؤسسية عميقة الجذور والمعايير الاجتماعية غير المنصفة، فضلاً عن تحسين ديناميكيات العلاقات الفعلية بين الذكور والإناث.
- للهيمنة الذكورية آثار سلبية على الرجال والفتيان، وعلى المجتمعات ككل: هناك آثار ومساوئ قائمة على الجندر ضد الرجال في الصحة والرفاه، تعود إلى الضغوط الاجتماعية والسلوكيات المدمرة لبعض الرجال، التي تشكلها، جزئياً، معايير صارمة قائمة على الجندر. وهناك أثر مباشر وغير مباشر على الأسر والمجتمعات المحلية، وله تأثير مدمر على الرجل نفسه.(10)
- عملية تقييم ومعالجة أثر أي تشريع أو سياسات أو برامج أو خدمات حالية أو مستقبلية على المرأة والرجل بهدف المساواة الجندرية.
- استراتيجية لتحديد عناصر اللاعدالة في التطبيق والفوائد المؤسسة على حيثيات جندرية حالية أو ممكنة في المستقبل، ثم اقتراح تحسينات في التصميم، التطبيق، المراقبة، والتقييم بحيث يتوقف ارتكاب عناصر اللاعدالة تلك وتتم الاستجابة لحاجات الرجال والنساء.(11)
- الفهم الواضح لتباين واختلاف الاحتياجات بناءً على الجندر.
- حلول جندرية عادلة قائمة على المشاركة في التصميم.
- ميزانيات تتفاعل مع قضايا الجندر وتستجيب لهذه الحلول.
- التزام مستمر بمتابعة أثر التغييرات على النساء والرجال والمضي قُدماً نحو المساواة في الجندر.(12)
ومن جهة أخرى، إن كانت الرؤية للأنثى على أنها تقع في مجال الهامش، والرجل يقع في مجال المركز، فإن هذه الرؤية قد تكون سليمة إذا ما أخذنا تطبيقاتها التاريخية على مستوى المجتمعات الغربية وقارناها بالواقع الحالي، على اعتبار أن البيئات الغربية بعد التحول من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، وبعد التحول من المركزية الغربية إلى مفاهيم ارتبطت بالفردية والتشظي، وهذا ما يحوّل الأسرة إلى مكان للعزلة والفردانية بعد أن كانت في السابق تراعي العمل الجماعي في داخلها وتنميه. ومن ثم فإن الرؤية الجديدة قد لا تتطابق في المجتمعات الأخرى التي تكون فيها المرأة ليست هامشاً بل جزءاً رئيساً ومكملاً للأجزاء الأخرى في العائلة، ومن ثم فإن تطبيقات تحويلها حسب النظام الجندري لا تصلح في المجتمعات الأخرى المغايرة للمجتمعات الغربية، وقد لا يكون التطبيق سليماً وهذا يؤدي إلى تغيرات على المستوى الأخلاقي للعائلة في عالمنا العربي ذي الانطباعات المغايرة.
ومن ثم تصبح هذه القضية - أي تحويل الهوامش إلى مراكز منافسة ومغايرة للمراكز السابقة المتبدلة عن طبيعتها البيولوجية والسوسيولوجية - لعبة غربية قائمة على أساس تطبيقات ما بعد الحداثة، أو فرضها على مناطق تقع خارج الجغرافيا الجندرية الغربية، ومن ثم تكون هذه اللعبة هي النتاج الجديد والمغري للآخر تحت مبدأ هدم المركز للسيطرة الغربية على الآخر، ولكن هذا الهدم الجديد هو في حقيقته موجه إلى كل مركزية على وفق هذه المفاهيم، ومنها مركزية العائلة في عالمنا العربي وقلب الأدوار الاجتماعية والإنسانية بين أفراد العائلة، ومحاولة تقسيم العائلة من عائلة مبنية على الفطرة الإنسانية إلى عائلة قائمة على الفرديات المتصارعة على الأدوار، وكل هذه المسميات الجديدة تدخل في تشكيل لعبة تطبيقات مفاهيم ما بعد الحداثة في بيئات مغايرة ومنها منطقتنا العربية، وتحويل ما يُعتقد بالهوامش في هذه اللعبة إلى مراكز تسهم في تهديد آخر وتدخل وتتسلل إلى حياتنا اليومية بحجج مختلفة منها: المساواة والعدالة، والتمكين، والحرية للنساء، وأبعادهن عن أدوارهن الحقيقية لصالح الأدوار الأخرى.
الهوامش
- حفناوي بعلي: مدخل في نظرية النقد النسوي وما بعد النسوية، الجزائر: منشورات الاختلاف، 2009، ص45.
- خضر إ. حيدر: مفهوم الجندر، بيروت: مجلة الاستغراب، دورية فكرية تعنى بدراسة الغرب وفهمه معرفياً ونقدياً، 2019، ص248.
- ديفيد غلوفر – كورا كابلان: الجنوسة / الجندر، ترجمة: عدنان حسن، اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع، 2018، ص31.
- ماري إيجلتون: نظرية الأدب النسوي، ترجمة: عدنان حسن – رنا بشور، اللاذقية: دار حوار للنشر والتوزيع، 2016، ص404.
- ديفيد غلوفر – كورا كابلان: المصدر نفسه، ص24.
- الدليل المرجعي / المصطلحات والمفاهيم الأساسية وتمارين تدريبية حول الجندر، واشنطن: الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، تم نشره في عمان الأردن 2020، ص27.
- ديفيد غلوفر – كورا كابلان: المصدر نفسه، ص24.
- ينظر: ليلى الرفاعي: "مفاهيم جندرية".. من ملكية الجسد إلى تطبيع الشذوذ، إنترنت: الجزيرة نت.