تتنوع احتياجاتنا بين المعقول واللا معقول، كما نجتهد في سبيل تحقيقها إلى درجة الإبداع أحيانا، فلا يتوقف النَّهَم عند أي حد من الحدود، ويتحول الطلب إلى غاية، فيظل الإنسان يلهث وراء المأكل والمشرب والملبس والمال، لتُختزَل الحياة في إشباع الجسد، فيتحقق التردي من مستوى الإنسانية إلى البَهَمِية، أو ربما أضل.
أتساءل: هل خُلِق الإنسان ليُشبِع غرائز بعينها، ثم ينتهي به الأمر أسيرا لها؟ وهل حقيقة الحياة أن نأكل ونشرب ونلبس ونملك وفق روتين يومي يتكرر ما دام في العمر بقية؟ أم أن وراء هاته الحاجات أمور أعمق، لا تُمَس ولا تُرى، ولكن يشعر اللبيب بثقل غيابها كما يشعر بجمال حضورها؟
لعل الإجابة تكشف شيئا من الأزمة الحقيقية التي تجعل الإنسان حبيس رؤية محدودة حاكمها الجسد، ويختزل معنى وجوده فيما يملك وفيما يستهلك. إن الغرائز ضرورية لبقاء الإنسان -لا أُشكك في ذلك- لكن إشباعها لا يصلح لأن يكون الغاية الأوحد لخلقه، فالمأساة أن تصبح الوسيلة غاية، وأن يصبح ما نحتاجه لنعيش هو نفسه ما نعيش من أجله.
لعل الأمر يتعلق بتعبير الأطباء بقصر النظر، لكنه داء يتجاوز حدود الرؤية العينية إلى الرؤية القلبية والعقلية، لذلك فنحن نحتاج إلى أطباء من نوع خاص، لم يتخرجوا من كليات الطب، ولم يطأوا يوما غرف العمليات، لكنهم خبروا الحياة وشرَّحوها كما شرَّحتهم بآلامها وآمالها، ففهموا أن متطلبات الروح أرقى وأقدس، فقد يسكن الإنسان أوسع البيوت لكن يظل داخلُه موحشا، وقد يمتلك ما يسعه أن يمتلكه لكن تبقى روحه جائعة، فليس ذلك ما يمنح الحياة معناها، وإلا بماذا نفسر حجم التعاسة التي يعيشها كثير ممن فتحت لهم الحياة ذراعيها، ورغم ذلك عوض مبادلتها العناق بالعناق صاروا كثيري التردد على عيادات الطب النفسي، وشبه مدمنين على مضادات الاكتئاب وقلة النوم.
إن للإنسان افتقارات أخرى لا تسدها الخزائن، فهو يحتاج لأن يُحترم، وأن يُقدَّر، وأن يكون لوجوده معنى، ولكلمته آذان تَسمع، ببساطة هناك حاجة إلى الكرامة، وهي حاجة لا تُرى، ولكن غيابها يُشعره بالفقر ولو أوتِي من كل شيء، فالامتيازات المادية ليست بالضرورة ضامنة للحضور، لأنها كمساحيق التجميل تصنع وَهْمَ الجمال، لكنها لا تمنح الجمال.
قد يعيش الإنسان بوزن مالي بسيط، لكنه يرفض الانحناء أو التنازل عن مبادئه، مسجلاً أعلى معاني العزة والشموخ، فالجوع قد تسده كسرة خبز، والأمر بسيط، لذلك ليست المشكلة في أن نأكل ونشرب ونملك، فذلك بعض حقنا في الحياة، المشكلة أن نصبح عبيدا لما ينبغي أن يكون في خدمتنا، أن نجتهد في البحث عن الأشياء، ثم ننتهي بِالتِّيه الذي يدفعنا إلى البحث عَنَّا، لنعيش الألم بدل الأمل، معاكسين بذلك أرسطو وهو يقول: "غاية الإنسان الحكيم ليست حياة مليئة بالمتع، بل حياة خالية من الألم قدر الإمكان"، ومن ذلك نفهم أن غاية الحياة الإنسانية ليس العيش فقط، فهو أمر تشترك فيه كل الكائنات، وإنما الغاية الحقيقية حياة فاضلة تليق بالإنسان، فالعاقل مَن لا يكتفي بأن يكون حيا، وإنما بأن يكون لوجوده معنى، دون أن يستنزف عمره في البحث عن حاجات يدرك في حالة النضج الفكري أنها ليست الجوهر، وإنما غطت على الجوهر، نتيجة غباء مستفيض ينتهي بسؤال يجسد ذكاء الغباء عند البعض منا: ماذا فعلنا بوجودنا، غير أننا استهلكناه؟
ربما تكون الحكمة في الموازنة بين حاجة الجسد التي تضمن البقاء، وحاجة الروح التي تمنح لهذا البقاء معنى، لكن ما يجب فهمه بدرجة أساس أن الإنسان ليس فَمًا يبحث عن طعام، أو جسدا يبحث عن راحة، أو يدًا تبحث عن امتلاك، وإنما كائن يبحث عن كرامة، وهي كلمة جامعة لمعانٍ عدة ترسم معالم الإنسانية الحقة، وقد يكون أعظم اكتشاف يصله الإنسان في رحلة العمر، أن الافتقار الحقيقي ليس أن ينقصنا شيء من الدنيا، وإنما أن ينقصنا كل ما من شأنه أن يجعل لوجودنا قيمة تُعتبر، فشَتَّان بين من يجتهد في ترميم العظام ومن يسعى لتجميل الروح وجعلها في برجها المقدس الذي يقيها الانكسار ويُنَزِّهُها عن الوقوع في مزالق الإذلال، وكثيرون هم من يستسلمون للصَّغار، ويَسْتَمرِئون الذل، حتى يفقدوا من كرامة الإنسان ما فُطر عليه، وقد يَتَرَدَّون إلى مستويات حيوانية وربما أقل، وهنا ألتقي بالمفكر الفرنسي فولتير وهو يقول: "الكلب يعوي إذا ضُرب أفلا يحق للإنسان أن يفعل كذلك، ولكن هناك أقوام أحط من الكلاب فهم لا يعوون ولو ضُربوا"... إن للكلاب مروءة، وقد يتعلم منها بعض البشر كيف يكون للكائن كرامة لا تستكين، فما أغرب المفارقة !!!
أتساءل: هل خُلِق الإنسان ليُشبِع غرائز بعينها، ثم ينتهي به الأمر أسيرا لها؟ وهل حقيقة الحياة أن نأكل ونشرب ونلبس ونملك وفق روتين يومي يتكرر ما دام في العمر بقية؟ أم أن وراء هاته الحاجات أمور أعمق، لا تُمَس ولا تُرى، ولكن يشعر اللبيب بثقل غيابها كما يشعر بجمال حضورها؟
لعل الإجابة تكشف شيئا من الأزمة الحقيقية التي تجعل الإنسان حبيس رؤية محدودة حاكمها الجسد، ويختزل معنى وجوده فيما يملك وفيما يستهلك. إن الغرائز ضرورية لبقاء الإنسان -لا أُشكك في ذلك- لكن إشباعها لا يصلح لأن يكون الغاية الأوحد لخلقه، فالمأساة أن تصبح الوسيلة غاية، وأن يصبح ما نحتاجه لنعيش هو نفسه ما نعيش من أجله.
لعل الأمر يتعلق بتعبير الأطباء بقصر النظر، لكنه داء يتجاوز حدود الرؤية العينية إلى الرؤية القلبية والعقلية، لذلك فنحن نحتاج إلى أطباء من نوع خاص، لم يتخرجوا من كليات الطب، ولم يطأوا يوما غرف العمليات، لكنهم خبروا الحياة وشرَّحوها كما شرَّحتهم بآلامها وآمالها، ففهموا أن متطلبات الروح أرقى وأقدس، فقد يسكن الإنسان أوسع البيوت لكن يظل داخلُه موحشا، وقد يمتلك ما يسعه أن يمتلكه لكن تبقى روحه جائعة، فليس ذلك ما يمنح الحياة معناها، وإلا بماذا نفسر حجم التعاسة التي يعيشها كثير ممن فتحت لهم الحياة ذراعيها، ورغم ذلك عوض مبادلتها العناق بالعناق صاروا كثيري التردد على عيادات الطب النفسي، وشبه مدمنين على مضادات الاكتئاب وقلة النوم.
إن قيمة الحياة ليست فيما نستهلكه منها، وإنما في مقدار ما نمنحه لها من معنى، وهو معنى يغيب مع غياب الرؤية الناضجة التي تمكن من سبر الأغوار واستكناه الخبايا، وتتيح فرص الترفع عن الحضيض وخلق شروط الاستثناء الذي يتيح التميز، فمنسوب الوعي هو الذي يحدد الأهداف ويرسم المآلات، وما يحمله الإنسان بين أضلعه من روح يسهم في تشكيل مستوى تطلعاته، فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم /// وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها /// وتصغر في عين العظيم العظائم
أظن أن المتنبي وهو ينظم شعره هذا، يقدم لنا مفتاحا من مفاتيح الحياة، تاركا للقارئ فرصة الاختيار بين أن يكون صغيرا أو عظيما، وبعبارة ربما تكون أشد قسوة، بين أن يكون إنسانا أو مجرد كائن حي يقتات إلى أن يقتاته التراب، لكن أصحاب الهِمم من الرجال، لهم مسارات خاصة - ولا علاقة عندي للرجولة بالذكورة، فكم من ذكور نساء، وكم من نساء رجال، والجنس لا يحدد الإنجاز كما لا يحدد القوامة - وتلك المسارات تتطلب فهما عميقا للواقع وأفقا مستوعبا لحقيقة الوجود الإنساني، الذي لا يمكن أن يرتبط يقينا بالجانب الاستهلاكي، فما الذي يجعل حياة الإنسان جديرة بأن تُعاش؟ إنه سؤال من أعمق الأسئلة الفلسفية التي تجرنا لمحاولة فهم مكامن نقصنا، فالمشكلة ليست في المال ولا في سائر النِّعم، وإنما في أن يستولي التكاثر على القلب حتى يصبح الإنسان لا يرى من الحياة إلا ما يمكن أن يُسَمِّن رصيده، لذلك جاء المعنى القرآني قوي الدلالة في سورة التكاثر: "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر".وتعظم في عين الصغير صغارها /// وتصغر في عين العظيم العظائم
إن للإنسان افتقارات أخرى لا تسدها الخزائن، فهو يحتاج لأن يُحترم، وأن يُقدَّر، وأن يكون لوجوده معنى، ولكلمته آذان تَسمع، ببساطة هناك حاجة إلى الكرامة، وهي حاجة لا تُرى، ولكن غيابها يُشعره بالفقر ولو أوتِي من كل شيء، فالامتيازات المادية ليست بالضرورة ضامنة للحضور، لأنها كمساحيق التجميل تصنع وَهْمَ الجمال، لكنها لا تمنح الجمال.
قد يعيش الإنسان بوزن مالي بسيط، لكنه يرفض الانحناء أو التنازل عن مبادئه، مسجلاً أعلى معاني العزة والشموخ، فالجوع قد تسده كسرة خبز، والأمر بسيط، لذلك ليست المشكلة في أن نأكل ونشرب ونملك، فذلك بعض حقنا في الحياة، المشكلة أن نصبح عبيدا لما ينبغي أن يكون في خدمتنا، أن نجتهد في البحث عن الأشياء، ثم ننتهي بِالتِّيه الذي يدفعنا إلى البحث عَنَّا، لنعيش الألم بدل الأمل، معاكسين بذلك أرسطو وهو يقول: "غاية الإنسان الحكيم ليست حياة مليئة بالمتع، بل حياة خالية من الألم قدر الإمكان"، ومن ذلك نفهم أن غاية الحياة الإنسانية ليس العيش فقط، فهو أمر تشترك فيه كل الكائنات، وإنما الغاية الحقيقية حياة فاضلة تليق بالإنسان، فالعاقل مَن لا يكتفي بأن يكون حيا، وإنما بأن يكون لوجوده معنى، دون أن يستنزف عمره في البحث عن حاجات يدرك في حالة النضج الفكري أنها ليست الجوهر، وإنما غطت على الجوهر، نتيجة غباء مستفيض ينتهي بسؤال يجسد ذكاء الغباء عند البعض منا: ماذا فعلنا بوجودنا، غير أننا استهلكناه؟
ربما تكون الحكمة في الموازنة بين حاجة الجسد التي تضمن البقاء، وحاجة الروح التي تمنح لهذا البقاء معنى، لكن ما يجب فهمه بدرجة أساس أن الإنسان ليس فَمًا يبحث عن طعام، أو جسدا يبحث عن راحة، أو يدًا تبحث عن امتلاك، وإنما كائن يبحث عن كرامة، وهي كلمة جامعة لمعانٍ عدة ترسم معالم الإنسانية الحقة، وقد يكون أعظم اكتشاف يصله الإنسان في رحلة العمر، أن الافتقار الحقيقي ليس أن ينقصنا شيء من الدنيا، وإنما أن ينقصنا كل ما من شأنه أن يجعل لوجودنا قيمة تُعتبر، فشَتَّان بين من يجتهد في ترميم العظام ومن يسعى لتجميل الروح وجعلها في برجها المقدس الذي يقيها الانكسار ويُنَزِّهُها عن الوقوع في مزالق الإذلال، وكثيرون هم من يستسلمون للصَّغار، ويَسْتَمرِئون الذل، حتى يفقدوا من كرامة الإنسان ما فُطر عليه، وقد يَتَرَدَّون إلى مستويات حيوانية وربما أقل، وهنا ألتقي بالمفكر الفرنسي فولتير وهو يقول: "الكلب يعوي إذا ضُرب أفلا يحق للإنسان أن يفعل كذلك، ولكن هناك أقوام أحط من الكلاب فهم لا يعوون ولو ضُربوا"... إن للكلاب مروءة، وقد يتعلم منها بعض البشر كيف يكون للكائن كرامة لا تستكين، فما أغرب المفارقة !!!