د. رسول عدنان - سيميولوجية النص

لا يقتصر النص الأدبي على كونه تراصفا لغويا أو بناءً نحويا وإنما يمثل منظومةً سيميولوجيةً تتآزر فيها العلامات داخل نسق متكامل، فكل عنصر في النص يؤدي وظيفةً دلاليةً تتجاوز معناه المباشر ليحيل إلى شبكة من العلاقات الداخلية والخارجية التي تمنح النص ثراءه الدلالي، ومن ثم فإن قيمة النص لا تكمن في ألفاظه وحدها بل في البنية التي تنظم هذه الألفاظ وفي العلاقات التي تنشأ بينها لتكوين أثر أدبي متكامل. ارتبط النص في مراحله الكلاسيكية بوظائف محددة كالتمجيد والتوثيق والسرد ونقل الوقائع لذلك اتسم بطابع مباشر يهدف إلى الإبلاغ والإقناع، غير أن ظهور المدارس الأدبية الحديثة مثل الرومانسية والرمزية والسوريالية أحدث تحولا عميقا في مفهوم النص فلم يعد مجرد وسيلة لنقل رسالة بل أصبح غايةً في ذاته، يعبّر عن بُنيته اللغوية وجمالياته الخاصة ويجعل من اللغة موضوعا للإبداع لا مجرد أداة للتواصل وهكذا انتقل النص من الأداء الوظيفي إلى تحقيق الشعرية والتكثيف الفني.
وعليه أصبح النص الحديث قائماً على الإيحاء أكثر من التصريح وعلى الرمز أكثر من التقرير، الأمر الذي جعله منفتحا على قراءات متعددة فلم يعد النص يقدم معنىً واحدا ثابتا وإنما ينتج دلالات متنوعة تبعا لثقافة القارئ وخبرته وآفاق استنباطه ومن هنا برزت أهمية القارئ بوصفه شريكا في بناء المعنى، إذ لا يكتمل النص إلا بفعل التأويل الذي يكشف ما تنطوي عليه بنيته من احتمالات دلالية متعددة.
يقوم النص الأدبي على مستويين متكاملين أولهما المكتوب وهو المستوى الظاهر الذي يتجسد في الألفاظ والتراكيب والأحداث والصور المباشرة، أما المستوى الثاني فهو اللامكتوب ويتمثل في المعاني الضمنية والعلاقات الخفية والرموز والإشارات التي لا تُدرك إلا من خلال القراءة العميقة التي تتجاوز ظاهر النص إلى بنيته الداخلية، ومن ثم فإن القراءة النقدية لا تقف عند حدود المكتوب وإنما تنفذ إلى اللامكتوب للكشف عن طبقاته الدلالية الكامنة، و من اختلفت طبيعة المعنى باختلاف الجنس الأدبي ففي النص السردي كالقصة والرواية تتجه القراءة غالبا إلى بناء معنى كلي يتشكل من تسلسل الأحداث وتطور الشخصيات، مما يجعل الدلالة أكثر استقرارا نسبيا، أما النص الشعري فيقوم على التكثيف والإيحاء والانزياح ولذلك يظل مفتوحا على احتمالات دلالية لا تنتهي بحيث تتجدد معانيه مع كل قراءة جديدة، وهذا ما يفسر استمرار حضور الشعر العربي القديم في الدراسات النقدية الحديثة وإمكان إعادة تأويله وفق مناهج مختلفة عبر العصور.
تجلّت جماليات اللامكتوب بوضوح في الشعر الحديث من خلال توظيف الأقنعة والرموز التراثية والإحالات الأسطورية، وهي أدوات مكّنت الشاعر من التعبير عن رؤيته بطريقة غير مباشرة، ومع تطور التجربة الشعرية المعاصرة تجاوز النص هذه الوسائط ليقدم تجربة لغوية وجمالية أكثر كثافة وتعقيدا تواجه القارئ مباشرة وتدعوه إلى المشاركة في إنتاج الدلالة دون الاعتماد على مفاتيح تفسير جاهزة وهو ما يزيد النص ثراءً وإثارةً للتأويل. ويمكننا أن نقسّم النص الأدبي الى ثنائية أساسية تتمثل في:
1- المكتوب هو المستوى الظاهر الذي يتجلى بصورة أوضح في البنية السردية والشعرية ويضم العناصر اللغوية والإنشائية التي يواجهها القارئ مباشرة.
2- اللامكتوب هو المستوى الضمني الذي يتجسد في التأويل والتعدد الدلالي والعلاقات الرمزية وما يختزنه النص من معانٍ لا يكشفها إلا التفاعل النقدي العميق.
ويتكامل هاذان المستويان في تشكيل التجربة الأدبية إذ لا يكتمل فهم النص بالاقتصار على ظاهره كما لا يمكن إدراك اللامكتوب بمعزل عن المكتوب الذي يشكل منطلقًا له.
كذلك يمكننا التمييز بين مظهرين رئيسين للنص الأدبي:
1- النص الكلاسيكي يرتبط بالوظيفة والسرد والمحاكاة ويهدف إلى نقل المعنى بصورة مباشرة مع التركيز على الإبلاغ والتوثيق والتمثيل.
2-النص الحديث يرتبط بالشعرية والرمزية والانفتاح الدلالي ويجعل من اللغة فضاءً للإبداع ومن التأويل آليةً أساسيةً في إنتاج المعنى فيغدو النص مشروعا مفتوحا تتجدد دلالاته عبر الزمن.
الخلاصة:
تكشف فلسفة النص عن التحول العميق الذي شهده الأدب الحديث، حيث انتقل النص من كونه وعاءً للمعنى إلى كونه فضاءً لإنتاج المعاني، ولم يعد القارئ متلقيا سلبيا بل أصبح شريكا فاعلا في بناء الدلالة من خلال الانتقال من قراءة المكتوب إلى استكشاف اللامكتوب ومن الوقوف عند ظاهر النص إلى النفاذ في طبقاته الرمزية العميقة، وهكذا يغدو النص الأدبي كيانا حيا ومتجددا تتعدد قراءاته بقدر ما تتعدد آفاق قرائه وهو ما يمنحه القدرة على الاستمرار والتجدد عبر الأزمنة.
* رسول عدنان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى