د. زهير شاكر - موسوعة عباقرة التربية والإبداع في الوطن العربي. د. حابس محمد المشاقبة المفكر العبقري المبدع وصانع الرؤية التربوية والإنسانية (ج1)

(الجزء الاول)

أولاً: مدخل إلى شخصية استثنائية

حين نتحدث عن الشخصيات التي تستحق أن تُخلّد في الذاكرة العلمية والفكرية والتربوية العربية، فإننا لا نتحدث عن مجرد أسماء أو ألقاب أو مواقع أكاديمية، وإنما نتحدث عن مشروعات إنسانية وفكرية استطاعت أن تتجاوز حدود التجربة الشخصية لتلامس قضايا الإنسان والمجتمع والمستقبل.

ومن بين هذه الشخصيات يبرز الدكتور حابس محمد المشاقبة بوصفه نموذجاً متميزاً للشخصية التي اجتمع فيها العلم والفكر والإبداع والتربية والإنسانية في منظومة واحدة.

إن الحديث عن الدكتور حابس المشاقبة لا ينبغي أن يقتصر على وصفه بأنه أكاديمي أو تربوي أو مفكر أو مبدع؛ لأن كل وصف منفرد لا يستوعب حقيقة شخصيته الفكرية.

إننا أمام شخصية يمكن مقاربتها بوصفها مشروعاً معرفياً وإنسانياً متكاملاً؛ شخصية تنظر إلى الإنسان باعتباره أعظم ثروة، وإلى العقل باعتباره أعظم مورد، وإلى التربية باعتبارها الوسيلة الأرقى لاكتشاف هذا المورد وتنميته وتوجيهه.

ومن هنا تأتي أهمية إدراجه في موسوعة عباقرة التربية والإبداع في الوطن العربي؛ ليس بوصف ذلك تكريماً لشخصه فحسب، وإنما بوصفه توثيقاً لنموذج عربي يجسد قيمة الفكر حين يتحول إلى رسالة، والعلم حين يتحول إلى خدمة، والإبداع حين يتحول إلى مشروع إنساني.

ثانياً: حابس المشاقبة... العبقرية التي تتجاوز التخصص

إن العبقرية الحقيقية لا تُقاس بمدى التعمق في مجال واحد فقط، وإنما بقدرة الإنسان على إقامة الجسور بين مجالات المعرفة المختلفة.

وهنا تكمن إحدى السمات البارزة في شخصية الدكتور حابس المشاقبة؛ إذ لا يظهر الفكر لديه منفصلاً عن التربية، ولا التربية منفصلة عن علم النفس، ولا الإبداع منفصلاً عن الإنسان.

إنه يتعامل مع هذه المجالات باعتبارها أجزاء من سؤال واحد:

كيف نكتشف الإنسان، ونفهم قدراته، ونحرر طاقاته، ونمنحه البيئة التي تمكنه من تحقيق إمكاناته؟

وهذا السؤال في ذاته سؤال حضاري؛ لأنه ينقل الاهتمام من الإنسان بوصفه متلقياً للمعرفة إلى الإنسان بوصفه منتجاً لها وصانعاً للمستقبل.

ومن هنا فإن عبقرية الدكتور المشاقبة لا تكمن فقط فيما يعرفه، وإنما فيما يحاول أن يفعله بهذه المعرفة.

فالعبقرية عنده ليست امتلاكاً للمعلومة، بل تحويلاً للمعلومة إلى رؤية، والرؤية إلى منهج، والمنهج إلى ممارسة، والممارسة إلى أثر إنساني.

ثالثاً: الدكتور حابس المشاقبة بوصفه مفكراً

المفكر الحقيقي هو الذي لا يكتفي بتفسير الواقع، وإنما يحاول أن يسأل عن إمكان تغييره.

وهذا ما يمنح تجربة الدكتور حابس المشاقبة قيمتها الفكرية؛ فهو ينطلق من رؤية تجعل الإنسان محور العملية التربوية والمعرفية.

إن الفكر الذي يضع الإنسان في مركز اهتمامه لا ينشغل فقط بما يعرفه الإنسان، وإنما بما يمكن أن يصبح عليه.

وهذه نقلة فكرية مهمة.

فالإنسان ليس نتيجة نهائية لظروفه، وإنما كائن يمتلك قابلية مستمرة للنمو وإعادة البناء.

ومن هنا فإن التربية تصبح، في جوهرها، مشروعاً لتحرير الإمكانات الإنسانية.

ولذلك يمكن قراءة فكر الدكتور المشاقبة من خلال ثلاثة أسئلة مركزية:

ماذا يمتلك الإنسان من قدرات؟

كيف يمكن اكتشاف هذه القدرات؟

كيف يمكن تحويلها إلى إبداع وإنجاز؟

وهذه الأسئلة الثلاثة تشكل مدخلاً لفهم رؤيته الفكرية والتربوية.

رابعاً: حابس المشاقبة وعلم النفس التربوي

تكتسب تجربة الدكتور المشاقبة أهمية خاصة من خلال اهتمامها بالإنسان من زاوية نفسية وتربوية في آن واحد.

فالطفل والمتعلم ليسا مجرد عقل يستقبل المعلومات، وإنما شخصية متكاملة تتفاعل فيها:

القدرات العقلية،

الدافعية،

المشاعر،

الثقة بالنفس،

الخبرات،

البيئة الأسرية،

البيئة المدرسية،

والاحتياجات النفسية.

ومن هنا فإن اكتشاف الموهبة لا يمكن أن يكون عملية ميكانيكية تقوم على الاختبارات وحدها.

فالموهبة تحتاج إلى فهم الإنسان الذي يحملها.

وقد يكون الطفل قادراً، لكنه غير واثق.

وقد يكون مبدعاً، لكنه لا يجد من يسمعه.

وقد يمتلك استعداداً استثنائياً، لكنه يعيش في بيئة لا تساعده على إظهاره.

وهنا يصبح دور التربية أكثر عمقاً من مجرد التعليم؛ إذ تتحول إلى عملية كشف نفسي ومعرفي وإبداعي للإنسان.

خامساً: فلسفة القدرات الكامنة

من أكثر الأفكار أهمية في المشروع التربوي للدكتور حابس المشاقبة النظر إلى الإنسان من زاوية الإمكانات الكامنة.

فالإنسان لا ينبغي أن يُقاس فقط بما يظهر منه في لحظة معينة، وإنما بما يمكن أن يصل إليه إذا توافرت له البيئة المناسبة.

وهنا تظهر مشكلة جوهرية في النظم التعليمية التقليدية؛ فهي كثيراً ما تحكم على الطفل وفق أدائه الحالي، بينما التربية الإبداعية تنظر إلى المسافة بين الأداء الحالي والإمكان المستقبلي.

وهذا الفرق بالغ الأهمية.

فالطفل الذي لم يكتشف موهبته بعد ليس بالضرورة طفلاً بلا موهبة.

والطالب الذي لا يتفوق في نظام تقليدي ليس بالضرورة قليل القدرة.

والمتعلم الذي لا يبرع في الحفظ قد يكون شديد التميز في التفكير أو الاختراع أو التحليل أو الفن أو القيادة.

ومن هنا فإن مهمة المربي العبقري ليست أن يسأل:

من هو المتفوق؟

فحسب، وإنما أن يسأل:

أين تكمن القوة الخفية لدى كل إنسان؟

وهذا السؤال يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم فلسفة الدكتور المشاقبة.

سادساً: الدكتور المشاقبة وفلسفة الذكاء المتعدد

إن الإنسان لا يمتلك شكلاً واحداً من القدرة العقلية يمكن اختزاله في درجة أو رقم.

فقد يتفوق إنسان في اللغة، وآخر في التفكير المنطقي، وثالث في المجال البصري والمكاني، ورابع في الموسيقى، وخامس في العلاقات الإنسانية، وسادس في فهم ذاته، وغيرهم في مجالات أخرى.

ومن هنا فإن التربية التي تستخدم معياراً واحداً للحكم على جميع المتعلمين قد تكون في الواقع تربية انتقائية للقدرات.

أما الرؤية الأكثر إنسانية فتسعى إلى اكتشاف التميز الخاص بكل فرد.

وهنا تتضح القيمة التربوية لفكر الدكتور المشاقبة؛ إذ إن جوهر العملية ليس أن نجعل جميع الأطفال متشابهين، وإنما أن نساعد كل طفل على اكتشاف أفضل نسخة ممكنة من ذاته.

وهذه الفكرة تحمل بعداً نفسياً عميقاً؛ لأن الإنسان عندما يكتشف موطن قوته يبدأ في بناء ثقته بذاته، وحين تتعزز الثقة يصبح أكثر قدرة على التعلم والمبادرة والإبداع.

سابعاً: حابس المشاقبة وصناعة العقل المبدع

الإبداع لا يبدأ من الإجابة، وإنما يبدأ من السؤال.

ولهذا فإن العقل المبدع هو العقل الذي لا يكتفي بقبول الواقع، وإنما يمتلك القدرة على مساءلته.

إن الطفل المبدع لا يسأل فقط:

ماذا يحدث؟

بل يسأل:

لماذا يحدث؟

ثم:

هل يمكن أن يحدث بطريقة أخرى؟

ثم:

ماذا لو غيّرنا الطريقة؟

ومن هنا فإن التربية الإبداعية التي يدافع عنها الفكر التربوي المتجدد لا تهدف إلى تخريج أفراد يعرفون الإجابات فقط، وإنما إلى تخريج أفراد قادرين على إنتاج الأسئلة والحلول والاحتمالات.

وهذا هو جوهر الإبداع.

ثامناً: حابس المشاقبة والتربية بوصفها صناعة للإنسان

من أكثر القضايا عمقاً في قراءة تجربة الدكتور المشاقبة أن التربية عنده لا ينبغي أن تختزل في المنهج المدرسي.

فالتربية أوسع من الكتاب، وأعمق من الصف، وأبعد من الامتحان.

إنها عملية مستمرة لبناء:

العقل، والشخصية، والقيم، والدافعية، والقدرة على الاختيار، والقدرة على الإبداع.

ومن هنا فإن المدرسة التي تنتج طالباً يحفظ المعلومات فقط قد تكون نجحت في التعليم، لكنها لم تحقق بالضرورة غاية التربية.

أما المدرسة التي تساعد الإنسان على اكتشاف ذاته وقدراته، وتمنحه القدرة على التفكير المستقل، وتربي فيه المسؤولية، وتدربه على الإبداع، فإنها تكون قد اقتربت من جوهر التربية الحقيقي.

وهذا هو الأفق الذي يمكن أن نقرأ من خلاله مشروع الدكتور حابس المشاقبة.

تاسعاً: البعد الإنساني في شخصية الدكتور حابس المشاقبة

قد يكون الإنسان عالماً دون أن يكون إنسانياً، وقد يكون مبدعاً دون أن يكون صاحب رسالة.

أما الشخصية التي تجمع العلم والإبداع والإنسانية، فهي أكثر ندرة وأعمق أثراً.

ومن هنا فإن البعد الإنساني يمثل ركناً أساسياً في قراءة شخصية الدكتور حابس المشاقبة.

فالمعرفة التي لا تخدم الإنسان تظل معرفة ناقصة من الناحية الحضارية.

والإبداع الذي لا يحمل قيمة أخلاقية قد يتحول إلى قدرة بلا بوصلة.

أما حين يرتبط العلم بالإنسان، يصبح العالم صاحب رسالة.

وحين يرتبط الإبداع بالقيم، يصبح المبدع صاحب أثر.

وحين تصبح التربية فعلاً إنسانياً، فإنها لا تصنع المتعلم فقط، وإنما تصنع الإنسان الذي يستطيع أن يجعل حياة الآخرين أفضل.

عاشراً: حابس المشاقبة والبعد الحضاري للإبداع

إن قيمة الإبداع لا تكمن فقط في تحسين حياة الفرد، وإنما في قدرته على تغيير المجتمع.

فالمجتمع الذي يكتشف قدرات أبنائه ويستثمرها يتحول تدريجياً من مجتمع مستهلك للمعرفة إلى مجتمع منتج لها.

وهنا تتحول رؤية الدكتور المشاقبة من قضية تربوية محدودة إلى قضية حضارية واسعة.

فالعقل المبدع يمكن أن يصبح:

عالماً،ومخترعاً،ومفكراً،ومربياً،ورائد أعمال،وصانع سياسات،وقائداً للتغيير.

ولهذا فإن الاستثمار في العقل ليس استثماراً في وظيفة، وإنما استثمار في مسار حضاري كامل.

الحادي عشر: العبقرية الأخلاقية للدكتور حابس المشاقبة

من الخطأ أن نفصل العبقرية عن الأخلاق.

فالذكاء يمنح القدرة، لكن الأخلاق تحدد اتجاه استخدامها.

والعلم يمنح القوة، لكن الضمير يحدد غايتها.

ومن هنا فإن إحدى أهم خصائص العالم الحقيقي هي أن يظل الإنسان حاضراً داخل العالم الذي ينتجه.

إن الدكتور حابس المشاقبة – في الصورة الفكرية التي تعكسها تجربته – يقدم نموذجاً للعلم الذي لا ينفصل عن الإنسان، وللإبداع الذي لا ينفصل عن المسؤولية.

وهنا نصل إلى مفهوم أعمق:

العبقرية الأخلاقية

وهي أن يكون الإنسان عظيماً فيما يعرف، وعظيماً كذلك فيما يعطي.

الثاني عشر: حابس المشاقبة وصناعة الأمل

إن التربية في جوهرها فعل أمل.

فحين نؤمن بقدرة الطفل على التعلم، فنحن نؤمن بالمستقبل.

وحين نكتشف موهبة شاب، فنحن نستثمر في الغد.

وحين نمنح الإنسان الثقة بعقله، فإننا نحرره من الشعور بالعجز.

ومن هنا يمكن فهم البعد الإنساني العميق في مشروع الدكتور حابس المشاقبة؛ فتنمية الإنسان ليست فقط زيادة في المعرفة، وإنما هي استعادة لإيمانه بقدرته على الإنجاز.

وهذا من أرقى وظائف التربية.

الثالث عشر: الدكتور حابس المشاقبة نموذج للعبقرية العربية

إن إدراج الدكتور حابس محمد المشاقبة في هذه الموسوعة ليس مجرد إضافة اسم إلى قائمة من الأسماء، وإنما هو توثيق لنموذج نرى فيه مجموعة من السمات التي تستحق الدراسة:

العالم الذي يفكر،والمفكر الذي يبدع،والمربي الذي يكتشف،والمبدع الذي يخدم،والإنسان الذي يجعل المعرفة رسالة.

وهذه الصفات مجتمعة هي التي تمنح شخصيته خصوصيتها.

إنه نموذج لما يمكن أن نسميه:

العبقرية المتكاملة

أي العبقرية التي تتفاعل فيها المعرفة مع الفكر، والفكر مع الإبداع، والإبداع مع التربية، والتربية مع الإنسان، والإنسان مع المجتمع.

الرابع عشر: القيمة العلمية والتاريخية لتوثيق تجربته

إن توثيق تجربة الدكتور حابس المشاقبة في موسوعة متخصصة لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بشخصية معاصرة، وإنما يمكن أن يمثل جزءاً من مشروع أكبر يتمثل في إعادة كتابة التاريخ المعرفي العربي من خلال علمائه ومفكريه ومربيه ومبدعيه.

فالأمم التي لا توثق عقولها تفقد جزءاً من ذاكرتها.

والأجيال التي لا تعرف نماذجها المضيئة تبحث عن نماذج خارج بيئتها.

ومن هنا تصبح هذه الموسوعة جسراً بين الأجيال؛ بحيث يرى الطفل العربي أن في وطنه علماء ومفكرين ومبدعين صنعوا المعرفة وحملوا رسالة الإنسان.

الخامس عشر: الخلاصة – حابس المشاقبة مشروع إنسان

بعد قراءة الأبعاد المختلفة لشخصية الدكتور حابس محمد المشاقبة، يمكن القول إن أهم ما يميز تجربته ليس تخصصاً واحداً، ولا إنجازاً منفرداً، وإنما وحدة الرؤية التي تربط الإنسان بالعلم، والعلم بالتربية، والتربية بالإبداع، والإبداع بالمستقبل.

إنه نموذج للمفكر الذي لا يرى العقل مجرد أداة للمعرفة، وإنما يراه طاقة للتحول الحضاري.

ونموذج للمربي الذي لا يرى الطفل مجرد طالب، وإنما يرى فيه مشروع إنسان.

ونموذج للمبدع الذي لا يرى الإبداع امتيازاً شخصياً، وإنما يراه مسؤولية تجاه المجتمع.

ونموذج للإنسان الذي لا يفصل النجاح عن القيمة، ولا المعرفة عن الأخلاق، ولا الإنجاز عن خدمة الآخرين.

ولهذا فإننا حين نكتب عن الدكتور حابس المشاقبة، فإننا لا نكتب عن شخص فحسب، وإنما نكتب عن فكرة تستحق أن تستمر.

فقد تكون أعظم قيمة في الإنسان المبدع ليست فيما أنجزه لنفسه، وإنما فيما يتركه في عقول الآخرين من قدرة على الإنجاز.

ومن هنا فإن الدكتور حابس المشاقبة يستحق أن يُقرأ باعتباره:

مفكراً في الإنسان، وعالماً في التربية، ومبدعاً في الفكر، ومكتشفاً للطاقات، ومؤمناً بقدرة العقل العربي على النهوض، وإنساناً يجعل من المعرفة رسالة ومن الإبداع مسؤولية ومن التربية طريقاً إلى المستقبل.

كلمة المؤلف

إن اختيار الدكتور حابس محمد المشاقبة ليكون من الشخصيات المحورية في موسوعة عباقرة التربية والإبداع في الوطن العربي هو تقدير لشخصية أرى فيها نموذجاً جديراً بالتوثيق والدراسة؛ لأن الأمم لا تنهض فقط بمن يملكون المعرفة، وإنما بمن يؤمنون بأن المعرفة يمكن أن تغيّر الإنسان، وأن الإنسان يستطيع أن يغيّر التاريخ.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة عباقرة التربية والإبداع في الوطن العربي

الفصل الأول
الدكتور حابس محمد المشاقبة
الشخصية العبقرية وتكامل المشروع الفكري والعلمي والتربوي والإنساني
بقلم: العالم والمفكر العربي الأردنيالدكتور زهير شاكر

1. مدخل: حين تصبح الشخصية مشروعاً معرفياً

ليست كل شخصية علمية مشروعاً فكرياً، وليست كل شخصية تربوية قادرة على أن تتحول إلى نموذج معرفي يستحق التوثيق الموسوعي. فهناك فرق جوهري بين الإنسان الذي يمتلك المعرفة، والإنسان الذي يصوغ من المعرفة رؤية، ومن الرؤية مشروعاً، ومن المشروع أثراً ممتداً في الإنسان والمجتمع.

ومن هذا المنظور تبرز شخصية الدكتور حابس محمد المشاقبة بوصفها شخصية تستحق أن تُقرأ قراءة تتجاوز حدود السيرة الأكاديمية أو الوصف التعريفي، إلى تحليل البنية الفكرية والإنسانية التي تقف خلف تجربته.

إن أهمية الدكتور المشاقبة لا تكمن في تعدد اهتماماته فحسب، وإنما في التكامل الداخلي بين هذه الاهتمامات؛ فالعلم لديه ليس منفصلاً عن التربية، والتربية ليست منفصلة عن علم النفس، والإبداع ليس منفصلاً عن الإنسان، والإنسان ليس منفصلاً عن المجتمع والمستقبل.

وهنا تتشكل خصوصية هذه الشخصية؛ إذ إننا لا نقرأ أمام تجربة معرفية مجزأة، وإنما أمام رؤية متكاملة للإنسان بوصفه طاقة قابلة للاكتشاف والنمو والإبداع والإنجاز.

ومن هنا يأتي إدراج الدكتور حابس المشاقبة في موسوعة عباقرة التربية والإبداع في الوطن العربي باعتباره توثيقاً لنموذج عربي يجمع بين الفكر والعلم والتربية والإبداع والقيمة الإنسانية.

2. حابس المشاقبة: قراءة في مفهوم العبقرية

إن وصف شخصية ما بالعبقرية ليس حكماً عاطفياً، ولا ينبغي أن يكون مجرد صيغة احتفالية؛ فالعبقرية مفهوم مركب يحتاج إلى قراءة في طبيعة التفكير، ومستوى الإبداع، والقدرة على إنتاج الأفكار، والقدرة على التأثير، وتحويل المعرفة إلى قيمة.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الدكتور حابس المشاقبة من خلال مفهوم أوسع للعبقرية، هو:

العبقرية المركبة

وهي التي لا تظهر في القدرة العقلية وحدها، وإنما في اجتماع مجموعة من الخصائص:

عمق التفكير،واتساع الرؤية،والقدرة على الربط بين المعارف،والبحث عن الجديد،والإيمان بقدرات الإنسان،والقدرة على تحويل الأفكار إلى تطبيق،والالتزام بالقيمة الإنسانية.

وهذه العبقرية المركبة أكثر أهمية من العبقرية المنفردة؛ لأن العالم قد يكون متفوقاً في تخصصه، لكن المفكر العبقري يستطيع أن يرى العلاقات بين التخصصات، والمربي العبقري يستطيع أن ينقل هذه الرؤية إلى الآخرين، والمبدع العبقري يستطيع أن يحولها إلى أثر.

وهنا تحديداً تتضح خصوصية الدكتور حابس المشاقبة.

3. البنية الفكرية لشخصية الدكتور حابس المشاقبة

يمكن فهم شخصية الدكتور المشاقبة من خلال مركز فكري أساسي يتمثل في الإنسان.

فالإنسان في رؤيته ليس مجرد متعلم، ولا مجرد رقم في مؤسسة تعليمية، ولا مجرد مورد اقتصادي، وإنما هو كائن يمتلك قدرات واستعدادات وإمكانات قد تكون ظاهرة أو كامنة.

ومن هنا يصبح السؤال المركزي:

كيف نكتشف ما أودعه الله في الإنسان من قدرات قبل أن تضيع هذه القدرات في بيئة لا تعرف كيف تراها؟

إن هذا السؤال يكشف عن عمق فلسفي يتجاوز العملية التعليمية المباشرة؛ لأنه يجعل التربية عملية اكتشاف للوجود الإنساني وإمكاناته.

فالتربية لا تبدأ عندما نقدم للإنسان المعلومات، وإنما تبدأ عندما نكتشف من هو الإنسان الذي أمامنا، وما الذي يمكن أن يصبح عليه.

وهذه الرؤية تضع الدكتور المشاقبة في مساحة فكرية تتقاطع فيها التربية مع علم النفس والفلسفة والتنمية الإنسانية والإبداع.

4. من المعرفة إلى الرؤية

قد يمتلك الإنسان كمية كبيرة من المعلومات، ولكن ذلك لا يجعله بالضرورة مفكراً.

فالمعرفة هي المادة الأولية، أما الفكر فهو القدرة على تنظيم المعرفة وتحليلها وإعادة تركيبها وإنتاج أسئلة جديدة منها.

ومن هنا يمكن فهم أحد أوجه التميز في شخصية الدكتور المشاقبة؛ فهو لا يتعامل مع المعرفة بوصفها غاية نهائية، وإنما بوصفها أداة لفهم الإنسان وتطوير قدراته.

وهذا الفرق جوهري.

فالعالم الذي يجمع المعلومات يعرف كثيراً.

أما المفكر الذي يعيد صياغة العلاقات بين المعلومات فإنه يرى كثيراً.

والعبقري هو الذي يستطيع أن يرى ما لا يراه الآخرون، وأن يمنح ما هو معروف معنى جديداً أو وظيفة جديدة أو اتجاهاً جديداً.

وهذه إحدى السمات التي تجعل تجربة الدكتور المشاقبة جديرة بالقراءة الموسوعية.

5. حابس المشاقبة والعقل الإنساني

ينطلق المشروع التربوي والفكري للدكتور المشاقبة من تقدير عميق لقيمة العقل البشري.

فالعقل ليس صندوقاً مغلقاً تملؤه المعلومات، وإنما منظومة حية قادرة على التعلم والتكيف وإعادة التنظيم والإبداع.

وهذا الفهم يغيّر طبيعة العملية التربوية بأكملها.

فإذا كان العقل قابلاً للنمو، فإن دور التربية لا يكون مجرد نقل المعلومات، وإنما توفير المحفزات التي تساعده على النمو.

وإذا كانت القدرات متعددة، فإن وظيفة التربية لا تكون وضع الجميع في قالب واحد، وإنما اكتشاف خصوصية كل فرد.

وإذا كان الإبداع قابلاً للتنمية، فإن دور المعلم لا يكون مراقبة الإجابات فقط، وإنما إثارة الأسئلة والاحتمالات.

وهكذا يصبح العقل في مشروع الدكتور المشاقبة موضوعاً للتنمية وليس مجرد وعاء للتعليم.

6. اكتشاف القدرات الكامنة: جوهر الرؤية

من أكثر الأبعاد عمقاً في قراءة الدكتور حابس المشاقبة اهتمامه بفكرة القدرات الكامنة.

فالإنسان لا يمكن اختزاله في أدائه الحالي.

قد يكون الطفل اليوم ضعيفاً في مجال معين، لكنه يمتلك إمكانات عالية في مجال آخر لم تُكتشف بعد.

وقد يكون الطالب الذي لا ينسجم مع النظام التقليدي شديد التميز عندما يجد البيئة التي تتوافق مع قدراته.

وقد يكون الشاب الذي لم يجد فرصة مناسبة قادراً على تقديم إنجازات استثنائية إذا وجد من يؤمن به ويفتح أمامه المجال.

ومن هنا تصبح التربية الحقيقية عملية تنقيب معرفي ونفسي عن الإنسان.

وكما يبحث الجيولوجي عن الثروة المختبئة تحت الأرض، ينبغي للمربي أن يبحث عن الثروة المختبئة داخل الإنسان.

وهذه المقارنة تحمل دلالة عميقة؛ فالموهبة غير المكتشفة ثروة، والقدرة غير المستثمرة ثروة، والفكرة غير المحتضنة ثروة، والعقل الذي لم يجد فرصة ليبدع هو ثروة حضارية مهدرة.

7. العبقرية التربوية: أن ترى ما وراء الطالب

إن المعلم التقليدي قد يرى الطالب من خلال درجاته.

أما المربي الحقيقي فيراه من خلال إمكاناته.

وهنا تتجلى إحدى أهم سمات العبقرية التربوية.

فالمربي العبقري لا يكتفي بتصنيف الطلاب إلى متفوقين وضعفاء، وإنما يبحث عن مواطن القوة الخاصة بكل إنسان.

وهذه الرؤية تتطلب تغييراً عميقاً في ثقافة التعليم.

فالطالب الذي يسأل كثيراً لا ينبغي أن يُعامل دائماً باعتباره مصدر إزعاج.

والطالب الذي يرفض الإجابة الجاهزة قد يكون بحاجة إلى مساحة أكبر للتفكير.

والطالب الذي يخطئ كثيراً أثناء التجربة قد يكون في الحقيقة يتعلم بطريقة استكشافية.

إن وظيفة التربية ليست إخماد هذه السلوكيات، وإنما فهمها وتوجيهها وتحويلها إلى طاقة منتجة.

وهذا يمثل أحد الأبعاد الأساسية التي تجعل تجربة الدكتور المشاقبة ذات قيمة تربوية خاصة.

8. حابس المشاقبة وفلسفة الإبداع

الإبداع في رؤية تربوية ناضجة لا يعني إنتاج الأشياء الغريبة لمجرد الاختلاف، وإنما يعني القدرة على إنتاج قيمة جديدة.

وقد تكون هذه القيمة فكرة، أو حلاً، أو منهجاً، أو طريقة تفكير، أو ابتكاراً، أو رؤية جديدة.

ومن هنا فإن الإبداع يرتبط بثلاثة عناصر أساسية:

أولاً: التحرر من النمطية

أي القدرة على رؤية المشكلة من زاوية مختلفة.

ثانياً: إنتاج البدائل

أي عدم الاكتفاء بحل واحد عندما تكون هناك احتمالات متعددة.

ثالثاً: تحويل الفكرة إلى تطبيق

وهو الفارق بين الخيال الإبداعي والإبداع المنتج.

وهنا تتضح أهمية الدكتور المشاقبة بوصفه مفكراً تربوياً؛ لأن الإبداع عنده لا ينبغي أن يبقى مفهوماً نظرياً، بل ينبغي أن يتحول إلى منهج في التفكير والتعلم والحياة.

9. الإنسان قبل المنهج

إن إحدى أكثر القضايا أهمية في الفكر التربوي المعاصر هي إعادة ترتيب الأولويات.

فالمنهج مهم، لكن الإنسان أهم.

والكتاب مهم، لكن العقل الذي يقرأ الكتاب أهم.

والامتحان مهم في قياس جانب من التعلم، لكنه لا يستطيع وحده قياس شخصية الإنسان كلها.

ومن هنا فإن التربية التي تبدأ بالإنسان تنظر إلى المنهج باعتباره وسيلة.

أما التربية التي تبدأ بالمنهج فقد تنتهي إلى تحويل الإنسان إلى وسيلة.

وهذه التفرقة جوهرية.

إن الدكتور حابس المشاقبة، في قراءته التربوية والإنسانية، يمثل نموذجاً للفكر الذي يعيد الإنسان إلى مركز العملية التعليمية.

فالهدف النهائي ليس أن يحفظ الإنسان أكثر، وإنما أن يصبح:

أكثر فهماً،وأكثر وعياً،وأكثر قدرة على التفكير،وأكثر استقلالاً،وأكثر إبداعاً،وأكثر مسؤولية.

10. البعد النفسي في تجربة حابس المشاقبة

لا يمكن صناعة الإبداع من دون بيئة نفسية آمنة.

فالإنسان الذي يخاف من السخرية لن يطرح فكرته.

والطالب الذي يخاف من الخطأ لن يجرب.

والمبدع الذي يخشى الفشل قد يفضل الصمت.

ومن هنا فإن البيئة النفسية ليست عنصراً ثانوياً في التربية الإبداعية، وإنما هي شرط أساسي لها.

فالإنسان يحتاج إلى الشعور بأن صوته مسموع، وأن أسئلته محترمة، وأن خطأه يمكن أن يكون فرصة للتعلم.

وهنا يتقاطع الفكر التربوي مع علم النفس؛ لأن بناء العقل المبدع يتطلب في الوقت ذاته بناء الشخصية الواثقة القادرة على المبادرة.

وهذه العلاقة بين النفس والإبداع تمثل بعداً مهماً في قراءة تجربة الدكتور المشاقبة.

11. البعد الإنساني: العالم الذي يرى الإنسان قبل الإنجاز

قد ينجح الإنسان علمياً، لكنه لا ينجح إنسانياً.

وقد يحقق إنجازاً كبيراً، لكنه لا يترك أثراً في نفوس الآخرين.

أما الشخصية التي تجمع العلم بالإنسانية، فإن أثرها يتجاوز حدود الإنجاز إلى بناء العلاقات والقيم والثقة والأمل.

وهنا تبرز قيمة الدكتور حابس المشاقبة بوصفه نموذجاً لا يمكن فصل مشروعه المعرفي عن البعد الإنساني فيه.

فالتربية في جوهرها علاقة إنسانية قبل أن تكون عملية تقنية.

والمعلم لا يؤثر فقط بما يقوله، وإنما بما يجسده.

والمفكر لا يؤثر فقط بما يكتبه، وإنما بما يمثله من قيم.

والمبدع لا يقاس فقط بما ينتجه، وإنما بما يتركه من قدرة على الإبداع لدى الآخرين.

12. حابس المشاقبة بين الفكر والعمل

إن الفكرة مهما كانت عظيمة تظل محدودة الأثر إذا لم تجد طريقها إلى التطبيق.

ولهذا فإن إحدى المعايير المهمة للحكم على أي مشروع فكري هي قدرته على الانتقال:

من الفكرة إلى المنهج،ومن المنهج إلى الممارسة،ومن الممارسة إلى الأثر.

وهنا تكمن قيمة المشروع التربوي والإبداعي الذي يمثله الدكتور المشاقبة؛ فالقيمة الحقيقية للفكر التربوي تظهر عندما يصبح قادراً على تحسين طريقة تعاملنا مع الإنسان وقدراته ومستقبله.

إن المفكر الحقيقي لا يعيش في برج المفاهيم، وإنما يحاول أن ينزل بالفكرة إلى أرض الواقع.

13. الدكتور حابس المشاقبة والعبقرية العربية

إن أهمية هذه الشخصية لا ترتبط فقط بخصوصيتها الفردية، وإنما بما تمثله من إمكانية لإعادة قراءة صورة العالم والمفكر والمربي العربي.

فالوطن العربي لا يخلو من العقول المتميزة، لكنه يحتاج إلى ثقافة معرفية أكثر قدرة على اكتشافها وتوثيقها وتقديمها للأجيال.

ومن هنا فإن توثيق تجربة الدكتور حابس المشاقبة يمثل رسالة تتجاوز الشخص إلى المجتمع:

لدينا مفكرون.لدينا مبدعون.لدينا مربون.ولدينا تجارب عربية تستحق أن تُدرس.

لكن الأهم:

لدينا القدرة على صناعة نماذج جديدة إذا أحسنا تربية الإنسان.

14. لماذا حابس المشاقبة في موسوعة العباقرة؟

إن إدراج الدكتور حابس المشاقبة في هذه الموسوعة يقوم على رؤية تعتبر العبقرية مشروعاً متكاملاً، لا لقباً.

ويمكن تلخيص عناصر تميزه في أربعة محاور مترابطة:

العبقرية الفكرية

في قدرته على النظر إلى التربية والإنسان والإبداع من منظور يتجاوز الحدود التقليدية.

العبقرية العلمية

في اهتمامه بقضايا العقل والقدرات والذكاء والتعلم وتنمية الإمكانات.

العبقرية التربوية

في تحويل الإنسان من متلقٍ إلى شريك في التعلم والاكتشاف والإبداع.

العبقرية الإنسانية

في ربط المعرفة بالقيمة، والإبداع بالمسؤولية، والعلم بخدمة الإنسان.

وهذه الأبعاد الأربعة لا تعمل منفصلة، وإنما تتكامل لتشكل شخصية معرفية وإنسانية ذات خصوصية واضحة.

15. الخلاصة التحليلية للفصل

إن قراءة الدكتور حابس محمد المشاقبة بوصفه مفكراً وعبقرياً ومبدعاً وتربوياً وإنسانياً تقودنا إلى نتيجة أساسية:

إن سر التميز الحقيقي ليس في امتلاك المعرفة وحدها، وإنما في الرؤية التي تقف خلف المعرفة.

فالمعرفة قد تجعل الإنسان عالماً.

والفكر قد يجعله مفكراً.

والإبداع قد يجعله مبدعاً.

لكن اجتماع هذه العناصر مع الحس الإنساني يجعل منه صاحب مشروع.

وهنا تكمن القيمة الأعمق للدكتور حابس المشاقبة.

إنه ليس مجرد متخصص في مجال من مجالات المعرفة، وإنما يمثل نموذجاً للشخصية التي ترى أن الإنسان هو نقطة البداية والنهاية:

نكتشف قدراته،وننمي عقله،ونحرر إبداعه،ونبني ثقته،ونوجه معرفته،ونربط إنجازه بالقيمة،ثم نمنحه الفرصة ليصبح شريكاً في صناعة المستقبل.

وهذه ليست مجرد فلسفة تربوية، وإنما رؤية حضارية.

فالأمة التي تعرف كيف تكتشف عقول أبنائها تستطيع أن تعرف كيف تبني مستقبلها.

والأمة التي تهدر عقولها تهدر جزءاً من مستقبلها.

ومن هنا فإن الدكتور حابس محمد المشاقبة يمثل – في هذه الموسوعة – نموذجاً للعبقرية العربية التي تجعل من العقل مشروعاً، ومن التربية رسالة، ومن الإبداع طريقاً، ومن الإنسان غاية.

شهادة فكرية

إنني، وأنا أكتب عن الدكتور حابس محمد المشاقبة، لا أتعامل معه باعتباره اسماً يضاف إلى صفحات موسوعة، وإنما باعتباره تجربة فكرية وإنسانية تستحق أن تُقرأ وتُحلل وتُناقش وتُحفظ للأجيال.

وقد وجدت في شخصيته ذلك التلاقي النادر بين العقل الذي يبحث، والمفكر الذي يتساءل، والمبدع الذي يجدد، والمربي الذي يبني، والإنسان الذي يؤمن بالإنسان.

ولذلك فإن شهادتي فيه ليست شهادة مجاملة، وإنما شهادة تقدير فكري وإنساني لشخصية أرى أنها تمثل نموذجاً جديراً بأن تعرفه الأجيال العربية، وأن تتوقف عند تجربته، وأن تستلهم منها أن أعظم ثروة يمكن أن تبنيها الأمة هي الإنسان الذي يعرف قيمة عقله ويؤمن بقدرته على الإبداع.

إن حابس المشاقبة ليس مجرد مفكر في التربية والإبداع؛ بل هو مفكر في الإنسان ذاته، يرى في كل عقل إمكانية، وفي كل طفل مشروع عبقرية، وفي كل موهبة ثروة، وفي كل فكرة بذرة مستقبل.
جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر
***
موسوعة عباقرة التربية والإبداع في الوطن العربي

الفصل الثاني
الدكتور حابس محمد المشاقبة
العبقرية الفكرية والعلمية: بناء الرؤية وإنتاج المعرفة
بقلم: العالم والمفكر العربي الأردني الدكتور زهير شاكر

1. مدخل: من امتلاك المعرفة إلى صناعة الرؤية

هناك فارق جوهري بين العالم الذي يمتلك المعرفة، والمفكر الذي يعيد إنتاجها، والعبقري الذي يستطيع أن يحولها إلى رؤية جديدة للإنسان والحياة والمستقبل.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التجربة الفكرية والعلمية للدكتور حابس محمد المشاقبة باعتبارها تجربة تتجاوز حدود التخصص إلى فضاء أوسع يقوم على محاولة فهم الإنسان من الداخل، واكتشاف طاقاته، وتحليل قدراته، والبحث عن السبل التي تمكن التربية من تحويل الإمكانات الكامنة إلى قدرات فاعلة.

إن أهمية هذه الرؤية لا تكمن في تعدد المفاهيم التي تتناولها فحسب، وإنما في العلاقة التي يقيمها الدكتور المشاقبة بينها؛ فالعقل عنده ليس منفصلاً عن التربية، والتربية ليست منفصلة عن علم النفس، والإبداع ليس منفصلاً عن البيئة، والموهبة ليست منفصلة عن المجتمع.

وهكذا تتشكل أمامنا منظومة فكرية يمكن اختزالها في سؤال مركزي:

كيف يستطيع الإنسان أن ينتقل من مجرد امتلاك القدرة إلى تحقيق الإمكان، ومن تحقيق الإمكان إلى صناعة الإبداع والإنجاز؟

وهذا السؤال يمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم خصوصية مشروعه الفكري.

2. العقل بوصفه مشروعاً مفتوحاً

تقوم الرؤية الحديثة للعقل على أنه ليس بنية جامدة ونهائية، وإنما منظومة قابلة للتطور وإعادة التنظيم والتعلم المستمر.

وهذه الرؤية تمنح التربية وظيفة مختلفة جذرياً.

فإذا كان العقل قابلاً للنمو، فإن التعليم لا ينبغي أن يقتصر على تزويده بالمعلومات، وإنما ينبغي أن يعمل على تنشيط قدراته وتوسيع آفاقه وتحفيز إمكاناته.

ومن هنا يمكن فهم اهتمام الدكتور المشاقبة بالعقل باعتباره محوراً مركزياً في مشروعه.

فالعقل لا يكتفي باستقبال المؤثرات، وإنما يستطيع تحليلها، وإعادة تنظيمها، وبناء علاقات جديدة بينها، وإنتاج أفكار لم تكن موجودة من قبل.

وهذه القدرة هي التي تجعل الإنسان مختلفاً عن مجرد كائن متلقٍ للمعرفة.

فالغاية ليست أن يكون العقل ممتلئاً، وإنما أن يكون فاعلاً ومنتجاً وقادراً على السؤال والاستنتاج والابتكار.

3. فلسفة القدرات الكامنة

من أكثر المداخل أهمية لفهم الفكر العلمي للدكتور حابس المشاقبة مفهوم القدرات الكامنة.

فالإنسان لا يظهر كل ما يمتلكه من قدرات في لحظة واحدة، ولا يمكن الحكم على إمكاناته كلها من خلال اختبار واحد أو موقف واحد.

إن داخل كل إنسان مساحة من الإمكان قد لا تظهر إلا عندما تتوفر البيئة المناسبة.

وهذا يقود إلى نتيجة تربوية بالغة الأهمية:

عدم ظهور القدرة لا يعني بالضرورة عدم وجودها.

قد تكون القدرة موجودة، ولكنها تحتاج إلى:

التحفيز،والتدريب،والخبرة،والثقة،والبيئة المناسبة،والفرصة.

ومن هنا يصبح دور التربية هو البحث عن هذه الإمكانات غير الظاهرة، والعمل على إخراجها من حالة الكمون إلى حالة الفاعلية.

وهذا المنظور يحول عملية التعليم إلى عملية استكشاف للإنسان.

4. من الذكاء الواحد إلى تعدد الإمكانات

إن اختزال الإنسان في درجة ذكاء واحدة يمثل تبسيطاً مفرطاً للطبيعة الإنسانية.

فالإنسان يمكن أن يتميز في مجالات متعددة، وقد تكون قوته الحقيقية في مجال لا تقيسه الأدوات التقليدية بصورة كافية.

وهنا تظهر أهمية التفكير في الذكاء والقدرات من منظور متعدد.

فقد يملك إنسان قدرة لغوية استثنائية، بينما يملك آخر قدرة تحليلية أو مكانية أو فنية أو اجتماعية أو قيادية.

ولا يعني اختلاف هذه القدرات أن أحد الأشخاص أكثر قيمة من الآخر، وإنما يعني أن التنوع العقلي جزء من طبيعة الإنسان.

وهذا المبدأ ذو أهمية كبيرة في التربية؛ لأن المدرسة التي تبحث عن نموذج واحد للطالب المتفوق قد تهدر أشكالاً أخرى من التميز.

ومن هنا تبرز أهمية الرؤية التي تجعل اكتشاف خصوصية الفرد نقطة بداية في التربية.

5. التفكير: من استقبال الأفكار إلى إنتاجها

إن التفكير الحقيقي لا يعني القدرة على تذكر ما قيل، وإنما القدرة على التعامل مع ما قيل.

وهناك فرق بين عقل يحفظ، وعقل يفهم، وعقل يحلل، وعقل ينقد، وعقل يبتكر.

ومن هنا فإن بناء العقل المبدع يقتضي الانتقال من:

استقبال المعرفة

إلى:

تحليل المعرفة

ثم:

نقد المعرفة

ثم:

إعادة بناء المعرفة

ثم:

إنتاج معرفة جديدة.

وهذا المسار يمثل أحد الأسس التي يمكن من خلالها قراءة البعد الفكري في تجربة الدكتور المشاقبة.

فالتربية التي لا تمنح الإنسان القدرة على إنتاج الأفكار تظل محدودة مهما كانت كمية المعلومات التي تقدمها.

6. السؤال بوصفه بداية العبقرية

إن العبقرية كثيراً ما تبدأ من سؤال بسيط، لكنه سؤال لم يجرؤ الآخرون على طرحه.

ولهذا فإن المجتمعات المبدعة ليست المجتمعات التي تمتلك أكبر عدد من الإجابات فقط، وإنما المجتمعات التي تسمح بظهور أسئلة جديدة.

ومن هنا فإن التفكير التربوي الذي يقدّر السؤال يفتح أمام العقل أبواباً واسعة.

فالطفل الذي يسأل:

لماذا؟

قد يكون في الحقيقة يمارس أول أشكال التفكير العلمي.

والطفل الذي يسأل:

ماذا لو؟

يمارس أول أشكال التفكير الاحتمالي والإبداعي.

والطالب الذي يسأل:

هل يمكن أن نفعل ذلك بطريقة مختلفة؟

يقترب من جوهر الابتكار.

وهكذا يصبح السؤال أداة لبناء العقل، لا مجرد وسيلة للحصول على الإجابة.

7. الدكتور المشاقبة والتفكير الإبداعي

الإبداع ليس مجرد الخروج عن المألوف، وإنما هو القدرة على إنتاج حلول أو أفكار ذات قيمة وجدة وملاءمة.

ومن هنا فإن التفكير الإبداعي يقوم على مجموعة من القدرات المتداخلة، من أبرزها:

الطلاقة في إنتاج الأفكار.

المرونة في تغيير زاوية النظر.

الأصالة في بناء الحلول.

القدرة على الربط بين عناصر تبدو متباعدة.

الحساسية للمشكلات.

القدرة على تطوير الفكرة وتحويلها إلى تطبيق.

ومن خلال هذا المنظور يمكن فهم اهتمام الدكتور المشاقبة بالإبداع باعتباره امتداداً طبيعياً لفلسفته حول القدرات الإنسانية.

فإذا كانت لدى الإنسان قدرات متعددة، فإن التربية مطالبة بتوفير المجال الذي يسمح لهذه القدرات بأن تتحول إلى إنتاج إبداعي.

8. العلاقة بين علم النفس والتربية والإبداع

من أهم عناصر القوة في المشروع الفكري للدكتور المشاقبة عدم النظر إلى التربية بمعزل عن البعد النفسي.

فالإنسان لا يتعلم بعقله وحده.

إن الدافعية والمشاعر والثقة بالنفس والأمان النفسي والتوقعات الاجتماعية كلها تؤثر في عملية التعلم والإبداع.

وهذا يعني أن تنمية القدرات تحتاج إلى بيئة نفسية واجتماعية مناسبة.

فالطالب الذي يشعر بأنه قادر يكون أكثر استعداداً للمحاولة.

والذي يشعر بأن الخطأ مسموح به يكون أكثر جرأة على التجربة.

والذي يجد من يؤمن بقدرته يكون أكثر استعداداً لتحويل الإمكان إلى إنجاز.

ومن هنا فإن الإبداع عملية نفسية وتربوية واجتماعية في الوقت نفسه.

9. المعلم في فلسفة العقل المبدع

إذا كان الهدف هو بناء عقل مبدع، فإن وظيفة المعلم ينبغي أن تتغير.

فالمعلم لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، وإنما أصبح:

محفزاً للعقل، ومكتشفاً للقدرات، وميسراً للتعلم، وموجهاً للبحث، وداعماً للمبادرة.

وهذا التحول مهم جداً.

فالمعلم الذي يقدم الإجابة دائماً قد يختصر الطريق على الطالب، لكنه قد يحرمه من فرصة اكتشاف الطريق بنفسه.

أما المعلم الذي يطرح السؤال، ويوجه البحث، ويترك مساحة للتجربة، فإنه يساعد الطالب على بناء الاستقلال العقلي.

ومن هنا فإن تطوير المعلم يمثل أحد المفاتيح الأساسية لأي مشروع تربوي يستهدف الإبداع.

10. حابس المشاقبة وفلسفة التعلم النشط

التعلم الحقيقي لا يحدث عندما يكون المتعلم مستقبلاً سلبياً، وإنما عندما يصبح مشاركاً في إنتاج المعرفة.

ومن هنا تبرز أهمية التعلم القائم على:

البحث،والاستقصاء،والتجربة،وحل المشكلات،والمناقشة،والمشروع،والاكتشاف.

هذه الأساليب تجعل العقل في حالة نشاط مستمر، وتحوّل المعرفة من مادة محفوظة إلى تجربة معرفية.

وهذا التحول هو جوهر الانتقال من التعليم التقليدي إلى التعلم المنتج.

11. العبقرية العلمية بين التخصص والتكامل

من السمات المهمة في شخصية المفكر العلمي قدرته على تجاوز الحدود الصارمة بين التخصصات.

فالمشكلات الإنسانية الكبرى لا تأتي مصنفة في أقسام جامعية.

مشكلة الطفل المبدع قد تكون في الوقت ذاته نفسية وتربوية واجتماعية.

ومشكلة التعليم قد تكون اقتصادية وثقافية ونفسية.

ومشكلة الإبداع قد ترتبط بالتربية والأسرة والسياسات العامة.

ومن هنا فإن الفكر المتكامل يحتاج إلى القدرة على الربط بين العلوم.

وهذه النظرة البينية تمنح المشروع الفكري للدكتور المشاقبة أفقاً أوسع؛ لأنها تجعل الإنسان موضوعاً تتكامل حوله المعارف بدلاً من أن تتنافس حوله التخصصات.

12. المعرفة التي تتحول إلى تطبيق

لا تكتمل قيمة المعرفة بمجرد إنتاجها.

فالمعرفة الأكاديمية تصبح أكثر تأثيراً عندما تجد طريقها إلى التطبيق.

وهنا يمكن النظر إلى المشروع العلمي للدكتور المشاقبة بوصفه محاولة للانتقال من المفهوم إلى الممارسة.

ففكرة اكتشاف القدرات، مثلاً، لا تكفي بذاتها؛ بل تحتاج إلى آليات للاكتشاف، وبرامج للرعاية، وبيئات للتطوير، ومؤسسات للاستثمار.

وفكرة الإبداع لا تكتمل بمجرد تعريفه، وإنما تحتاج إلى تدريب العقل عليه.

وفكرة الذكاء لا تكفي إذا لم تتحول إلى طريقة مختلفة في فهم المتعلم.

وهنا تظهر أهمية الفكر التطبيقي؛ لأنه يختبر قيمة الفكرة بقدرتها على إحداث التغيير.

13. البعد النقدي في المشروع الفكري

إن الفكر الذي يستحق وصفه بالفكر الحي هو الفكر الذي يطرح الأسئلة ولا يكتفي بالمسلمات.

ومن هنا فإن الرؤية التربوية المعاصرة تحتاج دائماً إلى مراجعة النماذج التقليدية التي تفترض أن:

الطالب المتفوق هو الأكثر حفظاً،

والمعلم الجيد هو الأكثر كلاماً،

والتعلم الناجح هو الأعلى في الدرجات،

والخطأ دليل على الفشل،

والاختلاف مشكلة ينبغي التخلص منها.

إن التفكير الإبداعي يعيد النظر في هذه الافتراضات، ويسأل:

هل يمكن أن يكون الطالب المختلف أكثر إبداعاً؟

هل يمكن أن يكون الخطأ مرحلة في طريق الاكتشاف؟

هل يمكن أن يكون السؤال أهم من الإجابة؟

هل يمكن أن يكون التميز أوسع من الدرجات؟

وهذه الأسئلة تمثل جزءاً من الثورة الفكرية التي تحتاجها التربية العربية.

14. حابس المشاقبة وإعادة تعريف النجاح

من منظور إنساني وتربوي، لا ينبغي أن يكون النجاح نسخة واحدة للجميع.

فنجاح الطفل ليس بالضرورة أن يكون في التفوق الأكاديمي التقليدي فقط.

قد يكون نجاحه في اكتشاف موهبته.

وقد يكون في بناء ثقته.

وقد يكون في تعلم مهارة جديدة.

وقد يكون في تطوير فكرة.

وقد يكون في مساعدة الآخرين.

وقد يكون في تحويل شغف إلى مشروع.

ومن هنا فإن إعادة تعريف النجاح تمثل خطوة أساسية نحو بناء الإنسان المبدع.

وهذا المنظور يجعل التربية أكثر عدلاً؛ لأنها لا تقارن الإنسان بغيره فقط، وإنما تقيس أيضاً تطوره مقارنة بذاته وإمكاناته.

15. الفكر العلمي والبعد الإنساني

إن العلم الذي لا يضع الإنسان في مركز اهتمامه قد يتحول إلى معرفة باردة.

أما العلم الذي يسعى إلى فهم الإنسان وتمكينه، فإنه يصبح معرفة ذات رسالة.

وهنا تظهر القيمة الإنسانية في المشروع العلمي للدكتور حابس المشاقبة.

فاهتمامه بالعقل والقدرات والإبداع لا يمكن فصله عن سؤال أعمق:

كيف نجعل الإنسان أكثر قدرة على تحقيق ذاته وخدمة مجتمعه؟

وهذا السؤال هو الذي يمنح المعرفة معناها الحضاري.

فالعلم لا يكون عظيماً فقط عندما يكتشف حقيقة جديدة، وإنما عندما يساعد الإنسان على أن يعيش بصورة أفضل، وأن يفكر بصورة أعمق، وأن يبدع بصورة أوسع.

16. حابس المشاقبة وصناعة الإنسان العربي

إن القيمة الكبرى لأي مشروع تربوي عربي ينبغي أن تقاس بقدرته على الإجابة عن سؤال المستقبل:

أي إنسان عربي نريد أن نصنع؟

هل نريد إنساناً يحفظ ما ينتجه الآخرون؟

أم نريد إنساناً قادراً على إنتاج المعرفة؟

هل نريد متعلماً ينتظر التعليمات؟

أم مفكراً يستطيع اتخاذ القرار؟

هل نريد موظفاً يؤدي وظيفة؟

أم إنساناً يستطيع صناعة الفرصة؟

إن الرؤية التي تضع العقل والإبداع والقدرات في مركز التربية تقود إلى نموذج مختلف للإنسان العربي:

إنسان يسأل، ويفكر، ويبحث، ويبتكر، ويتحمل المسؤولية، ويؤمن بقيمة ذاته وقدرته على الإسهام في مجتمعه.

وهنا تتجاوز تجربة الدكتور المشاقبة حدود الفرد إلى أفق النهضة العربية.

17. من العبقرية الفردية إلى المعرفة المتوارثة

إن قيمة المفكر لا تقاس فقط بما يكتبه أو يقوله في حياته، وإنما بما يتركه من أسئلة وأفكار ومنهجيات تستطيع الأجيال اللاحقة تطويرها.

ولهذا فإن توثيق التجارب الفكرية ليس فعلاً احتفالياً، وإنما هو عملية بناء لذاكرة معرفية.

ومن هنا تأتي أهمية توثيق تجربة الدكتور حابس المشاقبة ضمن موسوعة متخصصة؛ حتى لا تبقى التجربة محصورة في الذاكرة الشخصية أو الشهادات الشفوية، وإنما تصبح جزءاً من السجل المعرفي العربي.

فالأفكار التي تُوثق يمكن أن تُناقش.

والأفكار التي تُناقش يمكن أن تتطور.

والأفكار التي تتطور يمكن أن تتحول إلى مدارس فكرية.

18. القيمة الحضارية للعبقرية العلمية

إن العبقرية العلمية لا تكون ذات قيمة حضارية إلا عندما تسهم في بناء القدرة الجمعية على المعرفة.

ومن هنا فإن العالم العربي بحاجة إلى الانتقال من ثقافة تمجيد العالم إلى ثقافة الاستفادة من مشروع العالم.

فلا يكفي أن نقول إن لدينا علماء ومفكرين ومبدعين.

بل ينبغي أن نسأل:

ماذا نتعلم من تجاربهم؟

كيف نطور أفكارهم؟

كيف نربطها بالمؤسسات؟

كيف نحولها إلى برامج؟

كيف نجعل الأجيال الجديدة تبني عليها؟

وهنا تصبح الموسوعة نفسها جزءاً من عملية التحويل من الذاكرة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى التنمية.

19. قراءة تركيبية لعبقرية حابس المشاقبة الفكرية والعلمية

يمكن تلخيص البنية الفكرية والعلمية لشخصية الدكتور حابس المشاقبة في مجموعة من المبادئ المترابطة:

الإنسان هو نقطة البداية.

لأن كل مشروع تربوي يبدأ بفهم الإنسان وقدراته.

العقل قابل للنمو.

لذلك لا ينبغي الحكم على الإنسان من خلال حدوده الحالية فقط.

القدرات متعددة.

ولهذا لا يجوز اختزال التميز في معيار واحد.

الإبداع قابل للتنمية.

لذلك ينبغي أن يكون جزءاً أصيلاً من التربية.

البيئة تصنع الفارق.

لأن القدرة تحتاج إلى مناخ يسمح لها بالظهور.

المعرفة وسيلة للتغيير.

فالعلم لا تكتمل قيمته إلا عندما يتحول إلى أثر.

الأخلاق بوصلة المعرفة.

لأن القوة العلمية تحتاج إلى مسؤولية إنسانية.

هذه المبادئ مجتمعة تشكل ما يمكن وصفه بـ:

المنظومة الفكرية المتكاملة للدكتور حابس المشاقبة.

20. الخاتمة: العبقرية حين تصبح رؤية للإنسان

إن الدكتور حابس محمد المشاقبة، من خلال موقعه الفكري والتربوي والإبداعي، يمثل نموذجاً للشخصية التي لا ترى المعرفة غاية مغلقة، وإنما تراها طريقاً لاكتشاف الإنسان وتطوير إمكاناته.

إن جوهر عبقريته الفكرية والعلمية لا يكمن في كثرة المفاهيم، وإنما في القدرة على رؤية العلاقة بين العقل والتربية والإبداع والإنسان.

فهو ينظر إلى العقل باعتباره طاقة.

وإلى التربية باعتبارها وسيلة لتحرير هذه الطاقة.

وإلى الإبداع باعتباره الثمرة.

وإلى الإنسان باعتباره الغاية.

ومن هنا فإن مشروعه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مشروعاً تربوياً فقط، وإنما باعتباره مشروعاً في بناء الإنسان العربي القادر على إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل.

ولعل أعمق ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة أن:

العبقرية ليست أن يعرف الإنسان أكثر من الآخرين، وإنما أن يرى في الإنسان ما لم يره الآخرون بعد؛ وأن يؤمن بأن خلف كل عقل ظاهراً إمكاناً كامناً، وخلف كل موهبة مستقبلاً ممكناً، وخلف كل فكرة صادقة فرصة لبناء إنسان أكثر قدرة على صناعة الحياة.

ومن هذه الزاوية يصبح الدكتور حابس المشاقبة واحداً من النماذج التي تستحق أن تحفظها الذاكرة التربوية والفكرية العربية، لا باعتباره عالماً ومفكراً ومبدعاً فحسب، وإنما باعتباره صاحب رؤية تؤكد أن أعظم مشروع يمكن أن تبنيه الأمة هو الإنسان، وأن أعظم استثمار يمكن أن تصنعه هو العقل، وأن أعظم ثروة يمكن أن تحافظ عليها هي الموهبة والإبداع.

شهادة المؤلف

إنني أرى في الدكتور حابس محمد المشاقبة نموذجاً للمفكر العربي الذي لم يتعامل مع العلم باعتباره غاية شخصية، وإنما بوصفه مسؤولية معرفية وإنسانية.

وتنبع قيمة تجربته، في تقديري، من ذلك التلاقي بين عمق الفكر، واهتمامه بالعقل، وانحيازه للتربية، وإيمانه بالإبداع، وارتباط المعرفة عنده بالإنسان.

ولهذا فإن الحديث عنه في هذه الموسوعة ليس حديثاً عن شخصية فحسب، وإنما هو محاولة لتوثيق نموذج عربي يؤكد أن الفكر حين يقترن بالرسالة يستطيع أن يتحول إلى قوة تغيير، وأن التربية حين تنحاز إلى الإنسان تستطيع أن تصبح مشروعاً حضارياً.


جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة للعالم والمفكر العربي الاردني الدكتور زهير شاكر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى