أ. د. عادل الأسطة - يوآف غالانت والخروج من معطف الأدب العبري

أصغيت مؤخرا إلى شريط فيديو يتحدث فيه وزير الدفاع الإسرائيلي السابق ( يوآف غالانت ) الذي أسهم في حرب إبادة غزة ، منذ يومها الأول في ٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ ، فقد صرح بأن لا طعام ولا كهرباء ولا وقود ولا ماء ستدخل إلى القطاع ؛ لأنه يحارب حيوانات بشرية ، أصغيت إليه يحكي عن طفولته في يافا وسكنه في بيوتها مع شقيقين عربيين لم يغادرا في نكبة ١٩٤٨ وظلا يحرسان البيت وأملاك العائلة . لقد تقاسم أبوه غرف المنزل معهما .
كان والد ( يوآف ) مقاتلا في العصابات الصهيونية وكان برتبة رقيب ، ولما انتهت الحرب أراد إحضار أسرته من أوروبا ، ولكنه لم يكن يملك سكنا ، وعندما أخبر قائده ، وهما يسيران في شوارع يافا ، بذلك . نظر القائد إلى بيت من طابقين وأشار إليه وقال :
- تسكن هنا.
ولما كان البيت مسكونا وأعلم قائده بذلك أجابه :
- تسكن مع سكانه العرب . أنت في غرفة وهم في غرفة .
أقام سكان البيت مع القادمين الجدد وكان المطبخ والحمام مشتركا . وفي هذا البيت ولد ( يوآف ) في العام ١٩٥٨. ولم يكن الشقيقان في تعاملهما معه طفلا ، ومع أهله ، قاسيين ، على الرغم مما حل بعائلتهما وبأهل يافا من تهجير وتشتيت شمل وخسران مدنهم وقراهم وأرضهم وتقتيل وحشر من تبقى منهم في المدن بأحياء أشبه بالغيتو ، وفرض الحكم العسكري عليهم حتى ١٩٦٦.
لقد كان الشقيقان ودودين مع ( يوآف ) يجلسه أحدهما على ركبته ويحاكيه ويلاعبه ويطعمه الملبس / السوس .
ويبدو أن الشقيقين لم يختلف سلوكهما عن سلوك أهل المدينة بخاصة ، وعن سلوك أهل فلسطين بعامة، في بدايات علاقتهم مع المهاجرين اليهود الأوائل ، وهو ما نقرأه في أدبيات إسرائيلية ، عدا ما كنا نسمعه من آبائنا وأجدادنا .
في الأدب العبري هناك قصة - ترجمت إلى العديد من اللغات ومنها العربية عنوانها " منا٥سة سباحة " للكاتب ( بنيامين تموز ) ( ١٩٥١) - تحكي عن امرأة فلسطينية من يافا تدعو إلى بيارتها ممرضة يهودية عالجتها واهتمت بها ، لتبيت عندها وتقضي معها بضعة أيام .
تلبي الممرضة الدعوة وتستجيب لطلب المرأة ، وتذهب مع ابنها ،وفي البيارة يلتقي الولد مع نهيدة الطفلة الفلسطينية ومع عمها عبد الكريم الذي كان يخشى من الهاغاناة ، كما يتنافس الطفل اليهودي مع عبد الكريم في السباحة وفي المعلومات .
يفوز عبد الكريم في السباحة ولا يفوز في المعلومات .
حين يغدو الطفل اليهودي شابا يقيم أياما مع عائلة فلسطينية ثانية هي عائلة ابو النمر ، وتعامله العائلة معاملة محترمة أيضآ ، كما لو أنه من أفرادها ، وتمر الأيام .
في حرب 1948 يشارك الشاب اليهودي في الحرب ، وفي إحدى المعارك القريبة من البيارة يقترب منها ومن البيت الذي أقام فيه ، ويدخل إلى المكان ، وهناك يقتاد الجنود عبد الكريم أسيرا ، وفيما كان صديق طفولته يسبح يطلق الجنود النار على عبد الكريم ويردونه شهيدا .
هل اختلف ما ورد في كتاب المؤرخ الإسرائيلي ( إيلان بابيه ) " الفلسطينيون المنسيون: تاريخ فلسطينيي ١٩٤٨" عما سمعناه من ( غالانت ) وما قرأناه في قصة ( تموز )،؟
يكتب ( بابيه ) في مقدمة كتابه عن المستوطنين الأوائل لحظة وصولهم إلى يافا الآتي :
" وفر السكان الفلسطينيون لأولئك القادمين الجدد بعض وسائل الراحة من مبيت وطعام ، ولم يكتفوا بذلك بل قدموا لهم أيضا النصائح في مسائل الزراعة والحراثة ؛ وكانت معرفة أهل صهيون بهذا الموضوع ضئيلة إن لم تكن معدومة ...
لم يقابل المستوطنون تلك المعاملة الكريمة بالمثل ؛ ففي المساء ، أي وقت انصرافهم لكتابة مدوناتهم الأولى في دفاتر يومياتهم على ضوء الشموع ، أشاروا إلى المواطنين الفلسطينيين كغرباء يجولون في الأرض التي هي ملك للشعب اليهودي ، وطلع بعضهم بفكرة فحواها أن الأرض كانت خالية ، وزعموا أن السكان الذين وجدوهم هناك ليسوا سوى غزاة أجانب ... " .
لماذا لم يتذكر ( يواف ) في بداية الحرب طفولته في يافا ومعاملة أحد الشقيقبن له معاملة ودية ؟ وهل بدا سلوكه في طوفان الأقصى مختلفا عن سلوك شخصيات قصة (تموز )وعن اليهود الأوائل الذين كتب عنهم ( بابيه )؟
والإجابة واضحة ف ( غالانت ) هو ابن المؤسسة العسكرية وولاؤه لها لا إلى الذكريات ، ثم إن ما حدث في ٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ أهان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي هو وزير دفاعها ، فلم يكن أمامه بد من رد الاعتبار إليها ولو ارتكب ما ارتكب .
أحيانآ أسأل : هل كان الأب الروحي للصهيونية ( ثيودور هرتسل ) أرحم ، إذ تقبل في روايته " أرض قديمة جديدة " ١٩٠٢ العربي وتعايش معه أم أنه تمسكن حتى يتمكن ؟
في أمثالنا الشعبية هناك مثل طالما رددته أمي يقول " اعمل منيح وارم في البحر "،
وأما في أمثالهم فمرة ردد سائق حافلة كان يعمل في شركاتهم ومصانعهم على مسامعي المثل العبري الآتي :" لا تعمل منيح مع أحد حتى لا تندم " ، وفي الليلة ٢٧ من كتاب التوحيدي " الإمتاع والمؤانسة " قصة عن يهودي ومجوسي يحسن الثاني للأول فيقابل الأول الإحسان بإساءة ، ولا أريد أن أستعير من فرانز كافكا فكرة العداوة في الدم " بنات آوى وعرب " .
٧ آب ٢٠٢٦
( مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ١٦ / ٨ / ٢٠٢٦ )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى