أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٨ آب من كل عام

١
نساء على ضفة نهر الراين " نساء أمام طبيعة نهرية " :

سألني :
- هل قرأت مسرحية ( هاينرش بول ) " نساء على ضفة نهر الراين " ؟
أجبته :
- أظن أنني تصفحتها ، وعموما فلدي نسخة بالألمانية متوفرة عندي .
وسألته :
- ولكن لماذا تسأل؟
أجابني :
- ربما تحتاج إليها ذات نهار لتكتب مسرحية على غرارها .
سألته :
- تقصد هل سأكتب يوما مسرحية عنوانها " نساء جبلي جرزيم وعيبال ".
أجابني :
- ربما ، وربما تكون الجزء الثاني من نص لك كتبته وسبب لك مشاكل .
قلت له :
- أفصح ، فأنا هذه الأيام أعاني من بطء الحركة وضعف النظر وأجد صعوبة في الفهم وثقل سمعي . أنت تعرف ماذا يلم بالمرء حين يبلغ الستين من العمر .
قال لي :
- لا . لا . إنما .. إنما
قلت له :
- اليوم عرفت من سيدة أن سيدة أفتت بشأني وبمصيري وبمستقبلي . هل تقصد ان النساء غدت تقرر مصيرنا ؟
أجابني :
- شيء من هذا ، إنهن نساء نهر الراين هنا أيضا .
قلت له :
- سأسأل صديقي د . خليل الشيخ إن ترجم نص ( بول ) لأعيره إليك ، فقد تكتب أنت المسرحية نيابة عني . أنا ما عاد لي قدرة على كتابة مثيرة مزعجة ، فنسبة السكر في دمي قد ترتفع ارتفاع عدد شهداء غزة أيام الحرب عليها .
قال لي :
- عليك نور . احضر لي نسخة من المسرحية بالعربية ، وأنا سأكتب .
( عرفت لاحقا أن الدكتور السوري صلاح حاتم قد نقلها إلى العربية )
٢٠١٤

٢
خفة الكائنات غير المحتملة 26 :

انتشار المخدرات في الضفة بشكل غير مسبوق .
عصابة سرقة سيارات في الضفة .
فتح تعترض على محادثات حماس واسرائيل .
كنت أظننني ، هذا الصباح ، الكائن الوحيد غير المحتمل في الضفة الغربية وقطاع غزة وفلسطين 1948، ثم جاءت أخبار الصباح لتقول لي :
- اطمئن ، فهناك حشاشون ولصوص سيارات .
هل وجدت مبررا لهؤلاء ورددت عبارة إميل حبيبي : " لا تلوموا الضحية !"؟
الذين يدخنون الحشيش يريدون أن ينسطلوا هاربين من الواقع الصعب ، وقد يتعاطونها بحثا عن لذة ما .
والذين يسرقون السيارات يمارسون سلوكا قديما عرفه العرب ومنهم عروة بن الورد وهو الصعلكة ، وتوزيع اﻷموال بين الناس ونشر العدالة الاجتماعية ، ما دام اليسار الفلسطيني عجز عن إنجاز المهمة بالنضال السياسي . وربما حجة اللصوص هي :" خذ من أموالهم صدقة " أو إنهم لصوص كبار ونحن نسرق بعض ما يسرقون . كم نسبة من يسرقون الماء والكهرباء ؟
وأما فتح وحماس ، فلسان حماس يقول لفتح :
- أنتم السابقون ونحن اللاحقون . أوسلو 1994 وأوسلو 2015 يعني 1+2 .
اﻷجواء هذا الصباح حارة وكثيرون وكثيرات يشكون من حرارة الجو .
هل يتعاطى الحشيش في الحر ؟
هل يسرق سارقو السيارات السيارات غير المكيفة / اللي ما فيها مزجان/ مكيف؟
وهل ستعلن دولة غزة عما قريب ؟
وهل سيتحدث خطباء مساجد غزة عن صلح الحديبية كما فعلت فتح في 1994 ؟
وماذا سيكون رأي فتح في صلح الحديبية ؟
يا لي ، هذا الصباح ، من كائن مفذلك / كائن غير محتمل : حشيش/ سرقة سيارات/ خلاف فتحاوي حمساوي وأوسلو 1وأوسلو 2 .
٢٠١٥

٣
مقالاتي في الصحف العربية والعالمية :

هل ما أكتبه من مقالات يظل مقروءا على مستوى محلي ؟
كانت الصحف الأردنية ، قبل ثورة الإنترنت ، تعيد نشر مقالاتي ، فمثلا كتبت ثلاثة مقالات عن رواية أحمد حرب " بقايا " 1996 أعادت جريدة الدستور الأردنية نشرها .
الآن ، ومنذ 2003 ، يعاد نشر مقالاتي هنا وهناك ، وأحيانا يطلب مني معيدو نشرها إذنا ولا أمانع .
الآن تعيد الروائية دينا سليم حنحن ، ابنة اللد ، المهاجرة ، نشر مقالاتي ، عن رواية الياس خوري ، في جريدة ( التلغراف ) الصادرة في استراليا .
اليوم يعيد العراقي أحمد معن البياري نشر مقال قديم لي عنوانه " اغتيال مظفر النواب شعريا " ، في جريدة الحقيقة العراقية باعتبار المقال ، كما كتب لي ، مقالا مميزا .
هذا شيء لافت يسخر مما سخرت منه ذات مرة من أننا نحن ، جيل ما بعد جيل حبيبي ودرويش والقاسم وزياد ، كتاب الفراغ واننا غير مقروئين محليا أصلا وأنه لا يسمع بنا أحد عربيا .
ربما هذه أيضا كتابة موجهة إلى إدارات جامعاتنا التي سخرت منا مرة حين اعترضنا على فرار رفع العبء التدريسي لمن هم برتبة استاذ دكتور .
نعم لقد سخروا منا زاعمين أنه لا أحد يسمع بنا ويمكن أن يعيننا لأننا نكرات مجهولة .
أردت هذا الصباح أن ادحض ادعاء الصديق زياد خداش في مقاله " الجمال متجاهلا " فحرفت رسالة الصديق العراقي ، عن إعادة نشر مقالي عن النواب ، مسار الكتابة .
النواب شاعر مقاوم وهذا لا يروق لبعض كتابنا .
18/8/2016

٤
يفترض في الأساتذة الجامعيين الذين يعينون بالواسطة أن يبذلوا جهدا مضاعفا في كتابة الأبحاث والمشاركة فى المؤتمرات و الندوات حتى يبيضوا وجه من عينهم ، لا أن ينفقوا وقتهم في القيل والقال والثرثرات .
غالبا ما يكون عطاء هؤلاء البحثي والعلمي والثقافي صفرا . إنهم لا يسودون وجوههم السود وحسب ، بل يسودون وجوه من عينهم السود أصلا .
18/ 8/2017

٥
بيان رقم 1 / بلاغ رقم 1 :

من منكم يذكر بيان أو بلاغ رقم 1 في حرب حزيران 1967 ؟
حسب ما أتذكر ، وغالبا ما أكتب هذا ، فإن البيان / البلاغ رقم 1 ذكر أن المضادات المصرية للطائرات أسقطت 23 طائرة حربية إسرائيلية وغدت في البيان / البلاغ 2 حوالي 44 طائرة .
كنت أقرأ في رواية الكاتب نبيل عمرو " وزير إعلام الحرب " ( دار شروق / 2019 ) فإذا به يذكر أن البيان / البلاغ رقم 1 نص على أن عدد الطائرات التي أسقطت كان 8 لا 23 .
من منكم يذكر ؟
يرصد نبيل عمرو في روايته أجواء حرب حزيران قبل وقوعها وفي أثناء جريانها ويقدم صورة تبدو بائسة وكاريكاتورية لما كنا عليه .
شخصيا أتذكر تلك الأجواء وقد كتبت عنها في سيرتي " حزيران الذي لا ينتهي " الصادرة عن دار الرقمية العام الماضي .
الفرق بين كتابتي وبين كتابة نبيل عمرو واضح لغة وتفاصيل .
يقص نبيل عمرو عن تلك الفترة مركزا على الأحداث بالدرجة الأولى ويرصد الواقع الفلسطيني زمن الحكم الأردني عشية الحرب وأستطيع القول إن ما كتبه قد تكون له قيمة تاريخية فقط ، فما كتبه هو رصد عام تقريبا ولكن الرواية من ناحية فنية عادية جدا ولا أعتقد أنها تضيف جديدا في عالم السرد الروائي الفلسطيني - أعني أنها لا تشكل علامة متميزة .
١٨ آب ٢٠١٩

٦
حرائق الغابات في القدس : " يا ربي شو هالعيشة "

ما إن تقرأ عن الحرائق المشتعلة في غابات المدينة المقدسة حتى تعود بك الذاكرة إلى إحراق المسجد الأقصى وقبة الصخرة بعد حزيران ١٩٦٧ . يومها فعلها فاعل بقصد واتهم بأنه مجنون .
وما إن تقرأ عن الحرائق هناك حتى تتذكر القصة الطويلة التي كتبها الكاتب الإسرائيلي أستاذ الأدب المقارن في جامعة حيفا ( ا . ب . يهوشع / ابراهام يهوشع ) ، وقد تتذكر أيضا حرائق الكرمل في العام ٢٠١٠ .
هل كانت الحرائق بفعل فاعل ؟
ثمة بارانويا بالتأكيد تلازم الإسرائيليين ، بهذا الخصوص ، ملازمة الشخصيتين العربيتين للشخصيات اليهودية في رواية ( عاموس عوز ) " ميخائيل الذي يخصني " .
في العام ٢٠١٠ كانت أصابع الاتهام تشير إلى العرب ، والآن ثمة ترجيح أن تكون الحرائق اشتعلت بفعل فاعل لم تحدد هويته القومية .

الخيالي هو الواقعي :

قبل أن تشتعل الحرائق في هذه الأيام في غابات القدس اشتعلت فيها في النصوص الأدبية .
يكتب ( يهوشع ) قصته الطويلة عن طالب إسرائيلي يدرس التاريخ في الجامعة ويؤدي خدمته الاجتماعية في القدس حارسا لإحدى الغابات ، وفيها تطالعه شخصية عربي مقطوع اللسان ينتمي للمكان ، ويبحث الطالب في فترة الحروب الصليبية .
ما صلة العربي بالمكان ؟
إن لم تخني الذاكرة فإن النار تشتعل في الغابة . هل كان ذلك العربي هو من أشعلها ؟
قرأت " أمام الغابات " في بداية ٩٠ القرن ٢٠ ، وترجمت في العام ١٩٩٦ دراسة من الألمانية عن صورة العربي فيها ، ولكني سمعت ملخصها من الدكتور شوكت زيد في نهاية ٧٠ القرن ٢٠ ، وكان يعمل طبيبا في وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وكان أحد أمناء جامعة النجاح الوطنية ثم رئيسا لها في فترة ، وقد نقلت القصة إلى اللغة العربية .
غابات القدس الآن تحترق ، والسلطة الفلسطينية مستعدة للإسهام في اطفائها كما أسهمت من قبل في إطفاء حرائق الكرمل ، وأظن أن الدولة العبرية يومها لم تقدم جزيل شكرها للطواقم الفلسطينية ، كما قدمته لطواقم المساعدة من الدول الأوروبية .
الدولة منذ تأسيسها تحيا حرائق في حرائق .
حرائق الحروب وحرائق الغابات وإحراق المسجد الأقصى وقبة الصخرة وإحراق محمد أبو خضير . حرائق في الروايات وحرائق على أرض الواقع وحرائق في النفوس و ... وكان محمود درويش قال :

" يا دامي العينين والكفين
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقية
ولا زرد السلاسل
نيرون مات وروما لم تمت
روما بعينيها تقاتل "
و :

" فإذا احترقت على صليب عبادتي
أصبحت قديسا بزي مقاتل " .

وهذه هي حياتنا . إنها مثل حياة جبر ، ورحم الله زميلي جبر ، وليس هو المقصود بالقصة التي انتهت بالسطر الدال :
" مثل جبر من بطن أمه للقبر " .
١٨ آب ٢٠٢١

٧
صورة الفلسطيني في الرواية العربية :
( آخر تعديل
مساء الأربعاء ١٨ آب )

" الخلاصة "

في البحث عن فلسطين في الرواية الفلسطينية قبل العام ١٩٤٨ لا يعثر المرء عليها إلا شتاتا متناثرة ، لسبب مهم جدا هو قلة التأليف في هذا الفن في حينه ، فالروايات التي كتبت كانت قليلة العدد بحيث لم تتجاوز أصابع عدد اليدين ، وغالبا ما قارب كتابها فيها موضوعات اجتماعية أو دينية أو أخلاقية ( خليل بيدس في " الوارث " ) ، ونادرة هي الأعمال التي قارب كتابها فيها المكان الفلسطيني والموضوع الوطني الفلسطيني ( جمال الحسيني في " على سكة الحجاز " ) ، وقد لجأ بعض الكتاب إلى الأسلوب الرمزي الذي يلمح ولا يفصح ( اسحق موسى الحسيني في " مذكرات دجاجة " ) وكتب آخرون عن تجاربهم الشخصية ( محمد العدناني في " في السرير " ) ، ولم تتلق هذه الروايات ، إلا أقلها ، تلقيا واسعا ، فلم تعد طباعتها إلا في العقدين الأخيرين .
شكلت هذه الروايات وتلقيها وإشكالات تلقيها القسم الأول من هذا الكتاب ، فيما تشكل قسمه الثاني الأكبر من الرواية العربية ومقاربتها لصورة الفلسطيني فيها .

التفت الدارسون ، منذ النصف الثاني من القرن العشرين ، إلى مدى حضور الموضوع الفلسطيني ، ومن ثم الفلسطيني ، في الأدب العربي بعامة ؛ في الشعر والقصة القصيرة والمسرحية والرواية ، وأنجزت في ٨٠ القرن ٢٠ دراسات عديدة حول ذلك ، وصار المرء يقرأ عناوين دراسات عن صورة الفلسطيني أو الموضوع الفلسطيني في أدب هذا البلد أو ذاك ، أو في أدب هذا الكاتب أو ذاك ، وغالبا ما أنجز هذه الدراسات الدارسون الفلسطينيون ، وغالبا ما كانت صورة الفلسطيني إيجابية ، وغالبا ما خلص الدارسون إلى أن الأدباء العرب الذين خاضوا في الموضوع تعاطفوا مع الفلسطينيين وقضيتهم ، وإن لاحظ قسم من الدارسين والأدباء أن أبرز الكتاب العرب في ٥٠ و ٦٠ القرن ٢٠ ، مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ، لم يقاربوا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي . هنا أشير إلى ما كتبه الشاعر الفلسطيني معين بسيسو في مقدمة كتابه " نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة " ( ط ١ في ١٩٧١ ) وما كتبه الدارس الإسرائيلي عراقي المولد والنشأة شمعون بلاص في كتابه " الأدب العربي في ظل الحرب من ١٩٤٨ حتى العام ١٩٧٣ " ( ترجم إلى العربية في ١٩٨٤ ) . لقد لاحظ الاثنان قلة كتابة الكتاب العرب في الموضوع ، وإن توقف بلاص أمام بعض الأعمال لكتاب مصريين وسوريين ولاحظ الصورة الإيجابية للفلسطيني في بعض الأعمال ، مثل رواية السوري أديب نحوي " عرس فلسطيني " .
ظلت صورة الفلسطيني حتى نهاية القرن ٢٠ ، بشكل عام ، إيجابية ، وظلت في المقابل صورة اليهود سلبية ، ومع توقيع اتفاقية أوسلو في ١٩٩٣ بدأ الأمر يختلف ، إذ التفت كتاب عرب عديدون إلى اليهود وبدأوا يكتبون عنهم ويبرزون لهم صورة إيجابية وأنجزت في السنوات الأخيرة كتب ودراسات عديدة تناولت أعمال هؤلاء الكتاب ، وخصصت بعض المجلات العربية في الأعوام الثلاثة الأخيرة ، مثل مجلة " الجديد " اللندنية ومجلة " أفكار " الأردنية ، ملفات خاصة للموضوع ، فيما صارت صورة الفلسطيني تتعدد وتتنوع ولم تعد الصورة الإيجابية غالبا هي الصورة الوحيدة له ، بل ولم يعد الموضوع الفلسطيني يؤرق كثيرا بعض من تناوله .
في هذا الكتاب تناولت روايات عربية صدرت في ٨٠ و ٩٠ القرن ٢٠ ، مثل روايتي حيدر حيدر " حقل أرجوان " و " شموس الغجر " ، ومثل روايات إلياس خوري " الوجوه البيضاء " و " مملكة الغرباء " و " باب الشمس " ، ومثل ثلاثية أحلام مستغانمي " ذاكرة الجسد " وبدت فيها صورة الفلسطيني صورة مشرقة غالبا . وكثيرا ما كان الفلسطيني هو الفدائي المقاوم والثوري صاحب المبدأ والمقاتل من أجل قضية وطنه وعدالتها .
لم تختف صورة الفلسطيني في رواية القرن ٢١ ، بل لقد ظهرت بقوة ، ولكن هذه الرواية صارت ترصد مآل هذا الفلسطيني وتحولاته ؛ من فدائي مقاتل ومناضل إلى بقايا فدائي يعيش على ماضيه في تبرير حاضره البائس والمزري . صار الفدائي القديم يتردد على البارات ويمارس النضال فيها ، فيقتل رفيقه وهو يتجادل معه ( فواز حداد في " المترجم الخائن " ) ، وصار أيضا لاجئا في هذه الدولة الأوروبية أو تلك يردد حكايات ماضيه ويحن إليه باعتباره ماضيا جميلا ( هوشنك أوسي في " وطأة اليقين ، محنةالسؤال وشهوة الخيال " ).
لم يكتب بعض الروائيين عن فلسطينيين فدائيين وحسب ، بل صار يتناول شخصيات فلسطينية أخرى غالبا ما كانت شخصيات مثقفة حقيقية مشهورة ومعروفة ، مثل غسان كنفاني وادوارد سعيد ومحمود درويش وجبرا إبراهيم جبرا ، وكانت الصورة التي ترسم لهؤلاء صورة إيجابية وهي الصورة السائدة لهم والمعروفة عنهم ( إلياس خوري في " أولاد الغيتو ، اسمي آدم" وياسين رفاعية في " من يتذكر تاي ؟ "، وصار بعض الكتاب يكتبون عن شخصيات فلسطينية تعمل في الصحافة وتعيش في باريس وتقيم علاقات جنسية مثلية ، وهذا ما كان مفاجئا ( الحبيب السالمي في " عواطف وزوارها " ) ، بل إن من بعض الكتاب من كتب عن فلسطيني انتهازي تاجر مقامر يشارك بعض اليهود في مشاريع تجارية ولا يشغله الهم العام إطلاقا ، علما بأنه لاجيء طرد في طفولته من أرضه ( ليلى الأطرش في " لا تشبه ذاتها " ) . لا يعني هذا أن صورة الفلسطيني الجميل النوراني اختفت ، فعدا الشخصيات الفلسطينية الحقيقية التي أشرت إليها كتب بعض الروائيين عن فلسطينيين نورانيين أسهموا في بناء الدول التي حصلوا على جنسياتها ، ليس في الدول العربية وحسب ، بل وفي دول أميركا اللاتينية ( إنعام كجه جي في " النبيذة " ) .
شغلت الكتابة عن الفلسطيني باعتباره ضحية الصهيونية حيزا لا بأس به في بعض الروايات ، وفي أثناء الكتابة تحت هذه اللازمة كتب الكتاب عن اليهود باعتبارهم ضحية للنازية ، وأبدوا دهشتهم من تحول الضحية إلى جلاد ، وهذه اللازمة ظهرت في الرواية الفلسطينية في فترة مبكرة ( النشاشيبي وكنفاني ) وفي الشعر الفلسطيني أيضا وبقوة كما في أشعار محمود درويش ، ولعل بروز هذه اللازمة بدا أوضح ما يكون في بعض روايات الياس خوري ( " أولاد الغيتو ، اسمي آدم " و " أولاد الغيتو، نجمة البحر " ) وفي رواية واسيني الأعرج ( " سوناتا لأشباح القدس " ) .
هنا أشير إلى أن الكتابة عن الفلسطيني لم تكن دائما مقترنة بالكتابة عن اليهود ، فثمة روايات كتبت عن الطرفين ؛ الفلسطيني واليهودي ، وثمة روايات صورت الفلسطيني وخلت من الكتابة عن اليهودي .
لم يكتب الروائيون العرب عن جيل اللجوء وحسب ، بل أخذوا يكتبون عن الجيل الفلسطيني الذي ولد في المنفى ، ليثيروا من خلاله أسئلة عما تعنيه فلسطين له ، وربما ليمهدوا إلى ضرورة عدم العيش في الماضي ، بل وإلى ضرورة تقبل الواقع والاعتراف بالدولة العبرية على أنها صارت أمرا واقعا ( زينب حفني في " سيقان ملتوية " ، وواسيني الأعرج في " سوناتا لأشباح القدس " ) .
ثمة سؤال لافت ظل يلازمني وأنا أخوض في صورة الفلسطيني في الرواية العربية وهو :
- هل تختلف الصورة التي أبرزها الكتاب العرب للفلسطيني في رواياتهم عن صورته في الرواية الفلسطينية ؟

غالبا ما كنت ، في أثناء الكتابة ، أشير إلى روايات فلسطينية ظهرت فيها صورة شبيهة للصورة التي تقدمها الروايات المدروسة ، والقصد من ذلك واضح ، وهو أن الصورة المشرقة للفلسطيني في الرواية العربية ، أو الصورة المعتمة والمنفرة له ، لهما حضور في الرواية التي كتبها الفلسطينيون أنفسهم ، ولقد خطر ببالي أن أرسم جدولا للروايات العربية المدروسة وصورة الفلسطيني فيها ، تقابلها فيه - أي في الجدول - الصورة الشبيهة التي ظهرت في الرواية الفلسطينية ، فربما يجد القاريء الفلسطيني تسويغا وتبريرا لصورته في الرواية العربية - بخاصة إن كانت سلبية - بأنها ظهرت أيضا في الرواية الفلسطينية .

نقطة أخيرة أود الإشارة إليها وهي إن درجة اقتراب الكتاب العرب من الفلسطينيين انعكس بدوره على طبيعة كتابتهم وتصورهم ، وتبدو درجة الاقتراب أوضح ما تكون لدى الياس خوري ( باب الشمس ) ورضوى عاشور ( الطنطورية ) ، وهذا ما التفت إليه في أثناء مقاربة بعض أعمالهما .
١٨ آب ٢٠٢١

٨
في كتاب بشير أبو منة " الرواية الفلسطينية من سنة ١٩٤٨ حتى الحاضر " ( ٢٠٢٠ مؤسسة الدراسات الفلسطينية ترجمة مصعب حياتلي ) يرد في هامش ٣٠ ص ١٩٤ الآتي :
" ترى إشارة إلى قمع وكبت فلسطيني ال ٤٨ في تلاعب إميل حبيبي باسم عمة سعيد في بداية الرواية ، فاسم عمته هو محصية ، لكن الجنود اليهود يلفظون اسمها مخصية . فبعد تشريد سنة ١٩٤٨ ، وضمن جهود الدولة الاسراىيلية لمنع عودة اللاجئين ، قامت إسرائيل باحصاء للسكان الفلسطينيين ، وكأن حبيبي يلمح إلى أن من تم إحصاؤه تم إخصاؤه " .
ترد الحكاية في المقطع ال ١٥ من الكتاب الأول " يعاد " من المتشائل ، وليس لسعيد عمة اسمها محصية ولا مخصية .
يخاطب سعيد الراهبة أم أسعد التي تكنس كنيسة الكاثوليك بالخالة ، فتظنه من أمن الدولة الإسرائيلية ، فتخاف أن يبعدها بحجة أنها متسللة :
" وانحنيت على يدها أقبلها . فصاحت : أنا محصية يا خواجا ! ولفظتها " مخصية " كما يلفظها العسكر .. وأسرعت إلى غرفتها وأنا وراءها لا أفهم شيئا " .، وفي الهامش يكتب إميل حبيبي :
" أي أنه جرى إحصاؤها في سجل السكان فهي محصية .
هل الخطأ خطأ المؤلف أم خطأ المترجم ؟

٩
صفحة من كتاب " إدوارد سعيد : أماكن الفكر " ل ( تمثي برنن ) من ترجمة دكتور محمد عصفور ( عالم المعرفة عدد ٤٩٢ ، آذار ٢٠٢٢ ) ( ص ١٧٦ ) .
أراد سعيد أن يعمل في الجامعة الأميركية في بيروت ، فدفع الحسد أعضاء هيئة التدريس إلى تجاهل عرضه ، فشعر بالإحباط وقرر العودة إلى أميركا . هل تتذكرون رواية المصري عز الدين شكري فشير " عناق عند جسر بروكلين " وشخصية الدكتور فيها .

١٠
زكريا محمد والنقاد : لماذا نكتب عن شعر شاعر ليس بحاجة إلى نقاد ؟

كان الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي كثير الهجوم على النقاد ، وأذكر أنني قرأت له في مجلة " المعرفة " السورية ، في اواسط ٧٠ القرن ٢٠ سطرا يقول :
" وزنتك يا وزان الشعر ، فكنت خفيفا في الميزان " .
ومع أن محمود درويش طالب النقاد أن يرحموه من حبهم القاسي ، إلا أنه كان أحيانا يضيق ذرعا بهم ، فخاطبهم ألا يفسروا كلامه " بملعقة الشاي " وذهب إلى أنهم يؤولون كلامه تأويلا لم يخطر على باله يحول بينه وبين النوم ، ثم عاد بعد سنوات قليلة ورأى أن تأويلاتهم هي سوء تفاهم فشكرهم ليمضي إلى قصيدته الجديدة .
زكريا محمد يعلنها علنا " فأنا لا أستطيع الركون إلى رأي النقد في نصي ، فليس من مبرر كاف كي أقبل هذا الرأي ، كما أنه ليس هناك من سلطة تلزمني بقبوله ، فأنا الوحيد الذي أملك أن أحكم على نصي - أي أن الشاعر مثل اله العهد القديم الذي نظر إلى صنع يديه فرآه حسنا " .
وجهة نظر زكريا هذه تحيلنا إلى مقولة " موت الناقد / موت النقد " .
يحدد زكريا وظيفة الناقد بالآتي : وضع نص في سياقه . فك رسائله الاجتماعية . فك بنيانه . لكنه لا يستطيع أن يصدر حكم قيمة ، كأن يقول هذا نص جيد أو هذا نص سيء .
بناء على ما سبق قررت شخصيا أن آخذ باقتراحه وألا أقيم شعره . على فكرة فإن النقد البنيوي لا يصدر حكم قيمة وتتساوى النصوص لديه ؛ جيدها ورديئها ، نصوص الشعراء الكبار ونصوص الشعراء المبتدئين . الكتابة نشاط لغوي ليس أكثر ، وهذا يختلف عن النقد الماركسي الأيديولوجي .
ومع عدم احتفال زكريا بالنقاد وآرائهم إلا أنني سأشارك في ندوة يوم الاثنين في حديقة مكتبة بلدية نابلس / المنشية .
الدعوة عامة
الاثنين ٢١ / ٨ / ٢٠٢٣ الساعة الخامسة والنصف .
١٨ / ٨ / ٢٠٢٣

١١
يوميات غزة ( ٣١٧ )
لولا هذه الدول اللقيطة !

لفتت أشرطة الفيديو هذا النهار انتباهي .
في أحدها ثمة طفلان يجريان وراء أبيهما ويصرخ أحدهما باكيا :
- يابا
يجريان في أرض ترابية . لم أر الأب الذي سبقهما ، آملا أن يلحقا به . كما لو أنه مشهد من مشاهد يوم القيامة كما وصف في القرآن . يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه .يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت . أرض خلاء والجنود لا يعرفون الرحمة.
وفي ثانيها عائلة تسير في الشارع . أب يحمل طفليه على ذراعيه وزوجته تصرخ :
- يا إبراهيم !
وتضيف :
فراشنا في الشارع ، وثمة فرشتان ملقتان على أرض الشارع لم تلتقطهما يد .
وفي منشور صورة لأخوين بقيا على قيد الحياة ارتقى لهما أربعة إخوة . كتب أحدهما ، وهو محمد : كنا ستة . بعد ٣٠٠ يوم من الحرب لم يبق لي إلا أخي الوحيد حسين . Mohammed S Abu Shmala
في الشريط الثالث حصان يجر عربة عليها أكياس طحين . يطلق الجندي النار على الحصان فيرديه قتيلا . هل يعد الحصان شهيدا ويدخل إلى الجنة ؟ ربما ينشغل العلماء المسلمون بهذا الموضوع ويقترحونه على طالب دكتوراه ليكتب فيه .
هل ألم بحصان والد محمود درويش بعد أن تركه وحيدا ما ألم بالحصان الغزاوي ؟
" - لماذا تركت الحصان وحيدا ؟
- لكي يؤنس البيت ، يا ولدي
فالبيوت تموت إذا غاب سكانها ... " .
لم يبق في غزة بيوت لكي تؤنسها الأحصنة . دمرت البيوت كلها وراح سكانها وصارت غزة خرابا في خراب .
آخر الإحصائيات تقول إن مليونا وثمانمائة ألف مواطن غزاوي يحشرون الآن في ١١ بالمائة من مساحة القطاع البالغة ٣٦٥ كم ٢ .
أشرطة الفيديو تقول ما نعجز عن قوله . هل جفت الأقلام ؟
وماذا بعد ؟ ماذا بعد ؟
أمس أعلن الجيش الإسرائيلي أن العمليات العسكرية انتهت في القطاع بالقضاء على لواء رفح ، واليوم تراجع وقرر أنها ستتواصل للضغط على حماس في المفاوضات .
مرة كتب محمود درويش مقالا عنوانه " جنون أن تكون فلسطينيا " وأعتقد أن أهل غزة يقولون " جنون أن تكون غزاويا " !
وماذا بعد ؟ ماذا بعد ؟
منذ الصباح وأنا أكرر سطر محمود درويش في " مديح الظل العالي " :
" لولا هذه الدول اللقيطة لم تكن بيروت ثكلى !
بيروت كلا "
لقد حلت غزة محل بيروت .
١٨ / ٨ / ٢٠٢٤

١٢
غزة 682 :
البرابرة

الآن يقرع البرابرة طبول الحرب للمرة الألف ، فيوزعون ، من جديد ، المنشورات طالبين من أهل مدينة غزة إخلاءها إلى الجنوب ، حتى يتم تسوية مبانيها بالأرض . هل سيتساءل أهل المدينة كما تساءل أهل قصيدة الشاعر ( كافافي ) :
- والآن ، ماذا سنفعل دون البرابرة ؟ لقد كانوا نوعا من الحل .
قسم من سكان المدينة جربوا ، من قبل النزوح ، وقرروا أن لا يعيدوا التجربة ، وقسم آخر بدأ يعيش جحيم الحياة في الخيمة ثانية .
" أين نذهب حين نذهب ؟ "
تساءل فلسطينيو لبنان ١٩٨٢ في قصيدة محمود درويش " نزل على بحر " .
هل سيردد أهل غزة أو قسم منهم الآن :
" - لقد كانوا نوعا من الحل " . .
أي البرابرة الجدد ،
" فلم يبق ما نخشى منه وعليه " .
ما تفعله إسرائيل بقطاع غزة ليس وليد تفكير ٧ / ١٠ / ٢٠٢٣ . لا . لا . أبدا .
هل شاهدتم أمس شريط الفيديو الذي تم فيه العام الماضي قصف طفلة في شمال القطاع كانت تحمل دلو ماء . نعم دلو ماء !؟
( ل كافافي ديوان شعر عنوانه " وداعا للاسكندرية التي تفقدها " ترجمه الشاعر العراقي سعدي يوسف ، ومنه قصيدة " بانتظار البرابرة " التي تأثر بها محمود درويش )
هل كتب أحد شعراء غزة ، ممن غادروها في الحرب ، ديوانا شعريا عنوانه " وداعا غزة التي أفتقدها " ؟
أمس كتبت " غزة - الأندلس " فكتب لي قراء " لا تقلها يا أستاذ . رجاء لا تقلها !" وكنت كتبتها .
١٨ / ٨ / ٢٠٢٥

١٣
عطاالله والمهمة الروحانية والتاريخية :

[ " سيأتي برابرة آخرون "
محمود درويش " ورد أقل " ١٩٨٥ . ]

" فما شأننا نحن ؟ ما شأن أولادنا بسلالة هذا المجون ؟"
" فما شأننا نحن ؟ ما شأن خمسين ألف قتيل بهذا الزواج السريع ؟

أيولد " هومير " من بعدنا .. والأساطير تفتح أبوابها للجميع ؟"

قال عطاالله مقتنع بأن على عاتقه تقع مهمة روحانية وتاريخية . ! قال !

١٤
روايات الواقعية الاشتراكية :

ما هو مآل عشرات ، وربما مئات ، روايات " الواقعية الاشتراكية " التي فصلت شخصياتها وأحداثها وفكرتها ، بناء على مبنى ذهني جاهز لكتابها ؟
كتب كتاب الواقعية الاشتراكية رواياتهم من وحي أفكار آمنوا بها حتى صارت لديهم مقدسة وغير قابلة للنقض . وأغلب الظن أنهم كتبوها وهم في مكاتبهم أو بيوتهم يحتسون الفودكا والنبيذ ، أو يجلسون في مقاهي خاصة بالمثقفين ، وأغلب الظن أنهم كتبوا عن العمال والفلاحين دون أن يعيشوا بينهم ويستمعوا إليهم ، وهكذا جاءت كتابتهم كما قال منظر الواقعية ( جورج لوكاش ) " نتاج مبنى ذهني جاهز ورؤى فكرية مسبقة " للواقع ، وأما الواقع المحيط بهم فبعيد عن رواياتهم ، وكان خليل بيدس في تنظيره لفن الرواية ، في المقدمة التي كتبها لمجموعته " مسارح الاذهان " كتب أن من أهم مقومات الروائي أن يعيش مع العامة ويختلط بهم ويصغي إليهم وان يدرس شخوصه ويحلل نفسياتها .
هل اختلف رأي غسان كنفاني في مقالته عن ( شولوخوف ) في كتابه " فارس ..فارس " عن رأي بيدس ؟
عندما ترجمت كتاب ( استيفان فيلد ) " غسان كنفاني : حياة فلسطيني " ( ١٩٧٥ ) لفت انتباهي عبارة عن تلقي الأوروبيين لأدب الواقعية الاشتراكية . ما عادت الروايات التي تنتمي لهذه المدرسة تلقى قبولا . ذهب إلى هذا الرأي وهو يكتب عن رواية كنفاني " أم سعد " .
أكثر روائيينا اليوم يفرخون ، من وراء مكاتبهم ، روايات ، فيصدر الواحد منهم رواية كل عام ؛ رواية ما إن تبدأ تقرأ فيها حتى تضعها جانبا .
هل سيكون مآل رواياتهم مآل روايات الواقعية الاشتراكية ؟
مجرد سؤال !
١٨ / ٨ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى