تستحق خربشات د عادل الأسطة حول الأديب وليد أبو بكر وقفة أطول من تلك التي تسمح بها الخاطرة العابرة، لأنها لا تتعلق برواية «الخيوط» وحدها، ولا بضمير المخاطب الذي اختاره أبو بكر في بنائها، وإنما تفتح سؤالاً قديماً يتجدد كلما أعدنا النظر في تاريخ الأدب الفلسطيني: من يصنع هذا التاريخ؟ ومن يحدد أسماءه؟ ولماذا تدخل أعمال معينة إلى الذاكرة النقدية وتبقى أعمال أخرى خارجها، مع أنها كانت موجودة في وقتها، وربما كانت تحمل من الناحية الفنية ما يستحق القراءة؟
تكمن أهمية ما كتبه الأسطة في أنه لم يكتف بإعادة قراءة رواية قديمة، بل عاد إلى نفسه ناقداً. يقول، بمعنى واضح، إنه لو قرأ «الخيوط» عام 1998، عندما كان يكتب دراسته عن تطور السرد في الرواية الفلسطينية، لكتب عنها. وهذه ليست ملاحظة هامشية. فيها اعتراف بأن النصوص لا تصل دائماً إلى النقاد في اللحظة التي يكون فيها حضورها النقدي ممكناً.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
ليست كل الروايات التي كُتبت دخلت تاريخ الرواية
هناك فرق بين تاريخ الرواية كما حدث فعلاً، وتاريخ الرواية كما كتبناه لاحقاً.
الأول أوسع بكثير.
فالروايات التي صدرت في فلسطين أو في المنفى أو في العواصم العربية خلال عقود طويلة أكثر عدداً من الروايات التي استقرت في كتب النقد والمناهج الجامعية والمختارات. وما نقرأه اليوم باعتباره «تاريخ الرواية الفلسطينية» هو، في جانب منه، تاريخ الروايات التي نجت من آليات النسيان، لا تاريخ كل الروايات التي كتبت.
وهذه ليست مشكلة فلسطينية وحدها. كل تاريخ أدبي يقوم على الاختيار، وكل اختيار يخلق مركزاً وأطرافاً.
لكن المسألة الفلسطينية أكثر تعقيداً، لأن الأدب نفسه ارتبط، في مرحلة تاريخية طويلة، بالصراع الوطني وبالمنفى وبالمقاومة. ولذلك لم يكن الكاتب يُقرأ دائماً باعتباره منتجاً لنص أدبي فقط، بل باعتباره جزءاً من قضية أكبر.
وهذا مفهوم تماماً إذا وضعنا أنفسنا في زمنه.
لكن ما هو مفهوم تاريخياً قد يتحول إلى مشكلة نقدية إذا استمر بعد تغير الظروف.
«لم أنتمِ إلى فصيل»
الجملة التي نقلها الأسطة عن وليد أبو بكر تستحق أن نأخذها بجدية، لكن لا ينبغي أن نأخذها كحقيقة مكتملة.
«ربما لأنني لم أنتمِ إلى فصيل».
هذه الـ«ربما» مهمة.
فالكاتب نفسه لا يقدم حكماً قاطعاً، وإنما يقدم احتمالاً. وربما علينا أن نفعل الشيء نفسه.
كان الانتماء السياسي في الثقافة الفلسطينية خلال النصف الثاني من القرن العشرين أكثر من موقف سياسي. كان في أحيان كثيرة شبكة علاقات ومؤسسات ومنابر وفرص نشر وحضور. والفصائل لم تكن مجرد تنظيمات سياسية؛ كانت جزءاً من الحياة العامة الفلسطينية، وكان لها صحفها ومجلاتها ومؤسساتها الثقافية وأطرها الجماهيرية.
لذلك لا يمكن استبعاد أثر الانتماء أو القرب السياسي في تشكيل الحضور الثقافي.
لكن هذا لا يعني أن كل كاتب فصائلي كان ناجحاً، ولا أن كل كاتب مستقل كان مهمشاً، ولا أن العلاقة بين الأمرين ميكانيكية.
الأمر أكثر تعقيدا.
فالكاتب يحتاج إلى نص جيد، لكنه يحتاج أيضاً إلى وسيط ينقل النص، وناشر يوزعه، وناقد يقرأه، وصحيفة تكتب عنه، وبيئة ثقافية تتداول اسمه.
وهنا يمكن أن تكون المشكلة التي واجهها وليد أبو بكر مشكلة شبكة أكثر منها مشكلة نص.
وماذا عن «أدباء الأطراف»؟
أحب هذا التعبير، لكنني لا أراه كافياً.
فالأطراف ليست فقط من يعيش بعيداً عن المركز الجغرافي. جبرا إبراهيم جبرا عاش في بغداد، ومع ذلك أصبح مركزياً في الأدب الفلسطيني والعربي.
إذن ماذا صنع الفرق؟
جبرا لم يكن موجوداً في بغداد فقط. كان حاضراً في الحياة الثقافية العربية حضوراً كثيفاً: في الأدب، والنقد، والترجمة، والفن، والصحافة، والعلاقات الثقافية. استطاع أن يجعل بغداد نفسها منصة لحضوره، لا سبباً في غيابه.
وهنا يصبح الفرق بين جبرا وأبو بكر، إذا أردنا أن نبحث عنه، فرقاً في الموقع الثقافي لا في عنوان الإقامة وحده.
قد يكون الكاتب في «الطرف» جغرافياً لكنه في قلب المركز الثقافي.
وقد يكون الكاتب في مدينة عربية كبيرة لكنه يبقى خارج الشبكة التي تمنح الاعتراف.
لهذا فإن مصطلح «أدباء الأطراف» مفهوم يحتاج إلى أن نوسعه من الجغرافيا إلى علم اجتماع الأدب.
«الخيوط» وضمير المخاطب «أنت»
أما رواية «الخيوط» نفسها، فأعتقد أن ما يثير فيها الاهتمام ليس فقط أنها رواية فلسطينية كتبها فلسطيني في عام 1980، وإنما أنها تبدو، وفق القراءة التي قدمها الأسطة، محاولة مبكرة للذهاب بعيداً في استخدام ضمير المخاطب.
وهنا ينبغي ألا نكتفي بالقول إن أبو بكر كتب بـ«ضمير المخاطب».
ضمير المخاطب من أصعب الضمائر في الرواية.
«أنا» تضعنا في داخل الذات.
«هو» تضع مسافة بين الراوي والشخصية.
أما «أنت» فتضعنا في منطقة ملتبسة: شخص يتكلم إلى شخص آخر، لكن القارئ لا يعرف دائماً هل المخاطب هو المقصود فعلاً، أم أن الخطاب موجّه إلى الذات، أم إلى شخص غائب، أم إلى قارئ متخيل.
ولهذا فإن السؤال الذي طرحه الأسطة حول المرسل والمرسل إليه ليس سؤالاً نحوياً، وإنما سؤال في صميم الرواية.
من الذي يقول «أنت»؟
ومن الذي يسمعها؟
وهل يتغير الاثنان أثناء الرواية؟
إذا كان المخاطب يتبدل، فإن الرواية لا تستخدم «أنت» باعتبارها ضميراً فقط، بل باعتبارها أداة لإعادة توزيع الوعي داخل النص.
وهنا تحديداً أعتقد أن «الخيوط» تستحق قراءة سردية متخصصة.
لكن لا ينبغي أن نخلط بين المؤلف والراوي
ثمة نقطة في طرح الأسطة أختلف معها قليلاً.
حين يبدو الراوي عارفاً بما يجري في أعماق الشخصيات، لا يعني ذلك بالضرورة أن الراوي هو الكاتب نفسه، ولا أن السرد يتحول تلقائياً إلى «سارد إله».
هذه مصطلحات تحتاج إلى شيء من الحذر.
الكاتب يعرف كل شيء لأنه اخترع العالم الروائي، لكن الراوي ليس بالضرورة نسخة من الكاتب. قد يمنح الكاتب الراوي معرفة واسعة، وقد يحجبه عن بعض المعلومات، وقد يجعله يناقض نفسه، وقد يخلق راوياً لا يمكن الوثوق به.
لذلك فإن معرفة الراوي بما في داخل الشخصية ليست دليلاً كافياً على هويته.
بل قد يكون هذا الالتباس نفسه مقصوداً.
المقارنة مع غسان كنفاني
المقارنة بين «الخيوط» و«ما تبقى لكم» مهمة، ولكنها تحتاج إلى أن تكون مقارنة بين وظيفتين سرديتين، لا بين ضميرين.
استخدام «أنت» عند كنفاني ليس مجرد اختيار أسلوبي. إنه مرتبط بالزمن والذاكرة والانقسام الداخلي وبالعلاقة بين الشخصيات والمكان.
وإذا كان أبو بكر قد استخدم التقنية نفسها بطريقة مختلفة، فإن قيمة «الخيوط» تصبح في كيفية تحويل هذه التقنية إلى بنية خاصة بها.
هنا يجب أن نسأل: هل «أنت» عند أبي بكر ثابت أم متحرك؟ هل هو مخاطب محدد دائماً؟ هل يعرف القارئ المخاطب منذ البداية؟ وهل تتغير دلالة «أنت» كلما تغيرت الشخصية؟
هذه أسئلة يمكن أن تنتج دراسة كاملة، لا مجرد ملاحظة في هامش تاريخ الرواية الفلسطينية.
الغياب عن الدراسات
الأكثر إثارة في كلام الأسطة هو أن غياب وليد أبو بكر لا يقتصر، كما يبدو من الأمثلة التي يوردها، على تاريخ الرواية بشكل عام، وإنما يمتد إلى دراسات متخصصة في موضوعات يمكن أن تتقاطع مع رواياته.
وإذا صح أن «الخيوط» تتضمن نماذج نسائية قابلة للدراسة، ثم لا نجدها في بعض الدراسات التي تناولت المرأة في الرواية الفلسطينية، فإن الأمر يستحق البحث.
لكن هنا أيضاً لا أريد أن أقع في الخطأ المعاكس.
ليس كل غياب إقصاءً.
قد يكون السبب ببساطة أن الباحث لم يصل إلى الكتاب، أو أن الرواية لم تكن متاحة، أو أن منهج الدراسة كان محدداً بمعايير أخرى.
لكن إذا تكرر الأمر في أكثر من دراسة، وعبر أكثر من موضوع، وعبر سنوات مختلفة، يصبح من المشروع أن نطرح سؤالاً أكبر عن آليات الانتقاء.
كيف يصنع النقد «القائمة»؟
هذه ربما هي المسألة الأهم.
النقد لا يكتفي بقراءة الأعمال.
إنه يصنع، بطريقة غير مباشرة، قائمة بالأعمال التي ينبغي أن نتذكرها.
حين يكتب ناقد عن عشر روايات، ثم يأتي ناقد آخر فيستخدم الروايات العشر نفسها، ثم يأتي باحث جامعي فيبني دراسته على الدراسات السابقة، ثم يدخل بعضها إلى مقرر جامعي، تصبح هذه الروايات أكثر حضوراً.
وهكذا تتكون دائرة مغلقة.
الرواية التي تُقرأ تُدرّس.
والرواية التي تُدرّس يعاد البحث فيها.
والرواية التي يعاد البحث فيها تصبح جزءاً من «التاريخ».
أما الرواية التي لم تحصل على القراءة الأولى فقد تجد نفسها خارج هذا المسار كله.
وهنا لا يكون النسيان نتيجة مؤامرة بالضرورة.
قد يكون نتيجة التراكم.
وهذه نقطة مهمة جداً.
فالكاتب لا يحتاج فقط إلى ناقد أول؛ يحتاج إلى سلسلة من القراءات التي تحافظ على حضوره.
لهذا لا يكفي أن نقول إن وليد أبو بكر «مظلوم»
هذه العبارة سهلة ومغرية، لكنها نقدياً لا تكفي.
إذا أردنا إنصاف وليد أبو بكر، فلن يكون ذلك بمدحه أكثر مما يستحق، وإنما بقراءته كما نقرأ أي روائي آخر.
علينا أن نضع رواياته الأربع أمامنا.
نقرأها من جديد.
نقارن بينها.
نبحث عن تطور تجربته.
ننظر إلى لغته.
إلى بنائه للشخصيات.
إلى الزمن الروائي.
إلى المكان.
إلى علاقته بالمرأة.
إلى موقفه من المنفى.
إلى صورة الفلسطيني في رواياته.
وإلى التقنيات السردية التي استخدمها.
ثم نقارن ذلك كله بالرواية الفلسطينية والعربية التي كانت تصدر في السنوات نفسها.
عندها يمكن أن نصدر حكماً.
وقد يكون الحكم أن أبو بكر كان روائياً متقدماً على عصره في بعض الجوانب.
وقد يكون أنه روائي جيد لم يأخذ فرصته.
وقد يكون أن بعض ما نكتشفه اليوم لا يصمد أمام النقد.
كل ذلك مقبول.
المهم أن يكون الحكم نتيجة القراءة، لا نتيجة التعاطف مع المنسي.
هناك مسؤولية أخرى تقع على عاتقنا
أحياناً نعيد اكتشاف الكاتب بعد أن يصبح «منسياً»، فنمنحه قيمة إضافية لأنه منسي.
وهذا خطأ أيضاً.
المنسي ليس بالضرورة عظيماً.
والمشهور ليس بالضرورة عظيماً.
هذه بديهية، لكن تاريخ الأدب كثيراً ما ينسى بديهياته.
المطلوب ليس إعادة توزيع الألقاب، وإنما إعادة فتح النصوص.
ولهذا أرى أن خربشات الأسطة يمكن أن تتحول إلى مشروع نقدي مهم: إعادة قراءة الروايات الفلسطينية التي لم تدخل النظام النقدي، لا بوصفها ضحايا، وإنما بوصفها نصوصاً قابلة للاختبار.
ومن ضمنها، بالتأكيد، روايات وليد أبو بكر.
وليد أبو بكر ليس القضية كلها.
في النهاية، المسألة التي يثيرها الأسطة أكبر من وليد أبو بكر.
إنها تتعلق بالطريقة التي نكتب بها تاريخنا الأدبي.
نحن نعرف غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وجبرا، وسحر خليفة، وإبراهيم نصر الله وغيرهم، وكل واحد منهم يستحق مكانه لأسباب مختلفة. لكن هذا لا يعني أن القائمة اكتملت، ولا أن ما هو خارجها لا يستحق النظر.
الأدب الفلسطيني أوسع من الأسماء التي استقرت في الكتب.
وربما نحتاج اليوم، بعد تغير كثير من الظروف التي صنعت المشهد الثقافي الفلسطيني في النصف الثاني من القرن الماضي، إلى إعادة فتح الأرشيف كله.
ليس لإسقاط أسماء.
ولا لصناعة أسماء بديلة.
بل لمعرفة ما كتبناه فعلاً.
فالذاكرة الأدبية، مثل الذاكرة الإنسانية، ليست بريئة تماماً. إنها تتذكر، لكنها تنسى أيضاً. وفي كل مرة تعيد فيها ترتيب ما تتذكره، فإنها تعيد كتابة الماضي.
ومن هذه الزاوية تحديداً تصبح «الخيوط» أكثر من رواية يعاد اكتشافها بعد ستة وأربعين عاماً.
إنها سؤال عن الرواية الفلسطينية نفسها.
وسؤال عن النقاد الذين كتبوا تاريخها.
وسؤال عن المؤسسات التي صنعت حضورها.
وسؤال عن الكتاب الذين كانوا في المشهد، لكننا لم نكن نراهم.
وربما يكون السؤال الأهم:
كم رواية فلسطينية أخرى نحتاج إلى أن نقرأها اليوم للمرة الأولى، لا لأنها مجهولة، بل لأننا لم نقرأها بما يكفي عندما كان ينبغي أن نقرأها؟
هنا فقط يمكن أن يتحول الحديث عن وليد أبو بكر من محاولة لإنصاف روائي إلى مراجعة حقيقية لذاكرة الرواية الفلسطينية.
#اياد #اياد_شماسنة
عادل الأسطة. Adel Al-osta. @highlight
تكمن أهمية ما كتبه الأسطة في أنه لم يكتف بإعادة قراءة رواية قديمة، بل عاد إلى نفسه ناقداً. يقول، بمعنى واضح، إنه لو قرأ «الخيوط» عام 1998، عندما كان يكتب دراسته عن تطور السرد في الرواية الفلسطينية، لكتب عنها. وهذه ليست ملاحظة هامشية. فيها اعتراف بأن النصوص لا تصل دائماً إلى النقاد في اللحظة التي يكون فيها حضورها النقدي ممكناً.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
ليست كل الروايات التي كُتبت دخلت تاريخ الرواية
هناك فرق بين تاريخ الرواية كما حدث فعلاً، وتاريخ الرواية كما كتبناه لاحقاً.
الأول أوسع بكثير.
فالروايات التي صدرت في فلسطين أو في المنفى أو في العواصم العربية خلال عقود طويلة أكثر عدداً من الروايات التي استقرت في كتب النقد والمناهج الجامعية والمختارات. وما نقرأه اليوم باعتباره «تاريخ الرواية الفلسطينية» هو، في جانب منه، تاريخ الروايات التي نجت من آليات النسيان، لا تاريخ كل الروايات التي كتبت.
وهذه ليست مشكلة فلسطينية وحدها. كل تاريخ أدبي يقوم على الاختيار، وكل اختيار يخلق مركزاً وأطرافاً.
لكن المسألة الفلسطينية أكثر تعقيداً، لأن الأدب نفسه ارتبط، في مرحلة تاريخية طويلة، بالصراع الوطني وبالمنفى وبالمقاومة. ولذلك لم يكن الكاتب يُقرأ دائماً باعتباره منتجاً لنص أدبي فقط، بل باعتباره جزءاً من قضية أكبر.
وهذا مفهوم تماماً إذا وضعنا أنفسنا في زمنه.
لكن ما هو مفهوم تاريخياً قد يتحول إلى مشكلة نقدية إذا استمر بعد تغير الظروف.
«لم أنتمِ إلى فصيل»
الجملة التي نقلها الأسطة عن وليد أبو بكر تستحق أن نأخذها بجدية، لكن لا ينبغي أن نأخذها كحقيقة مكتملة.
«ربما لأنني لم أنتمِ إلى فصيل».
هذه الـ«ربما» مهمة.
فالكاتب نفسه لا يقدم حكماً قاطعاً، وإنما يقدم احتمالاً. وربما علينا أن نفعل الشيء نفسه.
كان الانتماء السياسي في الثقافة الفلسطينية خلال النصف الثاني من القرن العشرين أكثر من موقف سياسي. كان في أحيان كثيرة شبكة علاقات ومؤسسات ومنابر وفرص نشر وحضور. والفصائل لم تكن مجرد تنظيمات سياسية؛ كانت جزءاً من الحياة العامة الفلسطينية، وكان لها صحفها ومجلاتها ومؤسساتها الثقافية وأطرها الجماهيرية.
لذلك لا يمكن استبعاد أثر الانتماء أو القرب السياسي في تشكيل الحضور الثقافي.
لكن هذا لا يعني أن كل كاتب فصائلي كان ناجحاً، ولا أن كل كاتب مستقل كان مهمشاً، ولا أن العلاقة بين الأمرين ميكانيكية.
الأمر أكثر تعقيدا.
فالكاتب يحتاج إلى نص جيد، لكنه يحتاج أيضاً إلى وسيط ينقل النص، وناشر يوزعه، وناقد يقرأه، وصحيفة تكتب عنه، وبيئة ثقافية تتداول اسمه.
وهنا يمكن أن تكون المشكلة التي واجهها وليد أبو بكر مشكلة شبكة أكثر منها مشكلة نص.
وماذا عن «أدباء الأطراف»؟
أحب هذا التعبير، لكنني لا أراه كافياً.
فالأطراف ليست فقط من يعيش بعيداً عن المركز الجغرافي. جبرا إبراهيم جبرا عاش في بغداد، ومع ذلك أصبح مركزياً في الأدب الفلسطيني والعربي.
إذن ماذا صنع الفرق؟
جبرا لم يكن موجوداً في بغداد فقط. كان حاضراً في الحياة الثقافية العربية حضوراً كثيفاً: في الأدب، والنقد، والترجمة، والفن، والصحافة، والعلاقات الثقافية. استطاع أن يجعل بغداد نفسها منصة لحضوره، لا سبباً في غيابه.
وهنا يصبح الفرق بين جبرا وأبو بكر، إذا أردنا أن نبحث عنه، فرقاً في الموقع الثقافي لا في عنوان الإقامة وحده.
قد يكون الكاتب في «الطرف» جغرافياً لكنه في قلب المركز الثقافي.
وقد يكون الكاتب في مدينة عربية كبيرة لكنه يبقى خارج الشبكة التي تمنح الاعتراف.
لهذا فإن مصطلح «أدباء الأطراف» مفهوم يحتاج إلى أن نوسعه من الجغرافيا إلى علم اجتماع الأدب.
«الخيوط» وضمير المخاطب «أنت»
أما رواية «الخيوط» نفسها، فأعتقد أن ما يثير فيها الاهتمام ليس فقط أنها رواية فلسطينية كتبها فلسطيني في عام 1980، وإنما أنها تبدو، وفق القراءة التي قدمها الأسطة، محاولة مبكرة للذهاب بعيداً في استخدام ضمير المخاطب.
وهنا ينبغي ألا نكتفي بالقول إن أبو بكر كتب بـ«ضمير المخاطب».
ضمير المخاطب من أصعب الضمائر في الرواية.
«أنا» تضعنا في داخل الذات.
«هو» تضع مسافة بين الراوي والشخصية.
أما «أنت» فتضعنا في منطقة ملتبسة: شخص يتكلم إلى شخص آخر، لكن القارئ لا يعرف دائماً هل المخاطب هو المقصود فعلاً، أم أن الخطاب موجّه إلى الذات، أم إلى شخص غائب، أم إلى قارئ متخيل.
ولهذا فإن السؤال الذي طرحه الأسطة حول المرسل والمرسل إليه ليس سؤالاً نحوياً، وإنما سؤال في صميم الرواية.
من الذي يقول «أنت»؟
ومن الذي يسمعها؟
وهل يتغير الاثنان أثناء الرواية؟
إذا كان المخاطب يتبدل، فإن الرواية لا تستخدم «أنت» باعتبارها ضميراً فقط، بل باعتبارها أداة لإعادة توزيع الوعي داخل النص.
وهنا تحديداً أعتقد أن «الخيوط» تستحق قراءة سردية متخصصة.
لكن لا ينبغي أن نخلط بين المؤلف والراوي
ثمة نقطة في طرح الأسطة أختلف معها قليلاً.
حين يبدو الراوي عارفاً بما يجري في أعماق الشخصيات، لا يعني ذلك بالضرورة أن الراوي هو الكاتب نفسه، ولا أن السرد يتحول تلقائياً إلى «سارد إله».
هذه مصطلحات تحتاج إلى شيء من الحذر.
الكاتب يعرف كل شيء لأنه اخترع العالم الروائي، لكن الراوي ليس بالضرورة نسخة من الكاتب. قد يمنح الكاتب الراوي معرفة واسعة، وقد يحجبه عن بعض المعلومات، وقد يجعله يناقض نفسه، وقد يخلق راوياً لا يمكن الوثوق به.
لذلك فإن معرفة الراوي بما في داخل الشخصية ليست دليلاً كافياً على هويته.
بل قد يكون هذا الالتباس نفسه مقصوداً.
المقارنة مع غسان كنفاني
المقارنة بين «الخيوط» و«ما تبقى لكم» مهمة، ولكنها تحتاج إلى أن تكون مقارنة بين وظيفتين سرديتين، لا بين ضميرين.
استخدام «أنت» عند كنفاني ليس مجرد اختيار أسلوبي. إنه مرتبط بالزمن والذاكرة والانقسام الداخلي وبالعلاقة بين الشخصيات والمكان.
وإذا كان أبو بكر قد استخدم التقنية نفسها بطريقة مختلفة، فإن قيمة «الخيوط» تصبح في كيفية تحويل هذه التقنية إلى بنية خاصة بها.
هنا يجب أن نسأل: هل «أنت» عند أبي بكر ثابت أم متحرك؟ هل هو مخاطب محدد دائماً؟ هل يعرف القارئ المخاطب منذ البداية؟ وهل تتغير دلالة «أنت» كلما تغيرت الشخصية؟
هذه أسئلة يمكن أن تنتج دراسة كاملة، لا مجرد ملاحظة في هامش تاريخ الرواية الفلسطينية.
الغياب عن الدراسات
الأكثر إثارة في كلام الأسطة هو أن غياب وليد أبو بكر لا يقتصر، كما يبدو من الأمثلة التي يوردها، على تاريخ الرواية بشكل عام، وإنما يمتد إلى دراسات متخصصة في موضوعات يمكن أن تتقاطع مع رواياته.
وإذا صح أن «الخيوط» تتضمن نماذج نسائية قابلة للدراسة، ثم لا نجدها في بعض الدراسات التي تناولت المرأة في الرواية الفلسطينية، فإن الأمر يستحق البحث.
لكن هنا أيضاً لا أريد أن أقع في الخطأ المعاكس.
ليس كل غياب إقصاءً.
قد يكون السبب ببساطة أن الباحث لم يصل إلى الكتاب، أو أن الرواية لم تكن متاحة، أو أن منهج الدراسة كان محدداً بمعايير أخرى.
لكن إذا تكرر الأمر في أكثر من دراسة، وعبر أكثر من موضوع، وعبر سنوات مختلفة، يصبح من المشروع أن نطرح سؤالاً أكبر عن آليات الانتقاء.
كيف يصنع النقد «القائمة»؟
هذه ربما هي المسألة الأهم.
النقد لا يكتفي بقراءة الأعمال.
إنه يصنع، بطريقة غير مباشرة، قائمة بالأعمال التي ينبغي أن نتذكرها.
حين يكتب ناقد عن عشر روايات، ثم يأتي ناقد آخر فيستخدم الروايات العشر نفسها، ثم يأتي باحث جامعي فيبني دراسته على الدراسات السابقة، ثم يدخل بعضها إلى مقرر جامعي، تصبح هذه الروايات أكثر حضوراً.
وهكذا تتكون دائرة مغلقة.
الرواية التي تُقرأ تُدرّس.
والرواية التي تُدرّس يعاد البحث فيها.
والرواية التي يعاد البحث فيها تصبح جزءاً من «التاريخ».
أما الرواية التي لم تحصل على القراءة الأولى فقد تجد نفسها خارج هذا المسار كله.
وهنا لا يكون النسيان نتيجة مؤامرة بالضرورة.
قد يكون نتيجة التراكم.
وهذه نقطة مهمة جداً.
فالكاتب لا يحتاج فقط إلى ناقد أول؛ يحتاج إلى سلسلة من القراءات التي تحافظ على حضوره.
لهذا لا يكفي أن نقول إن وليد أبو بكر «مظلوم»
هذه العبارة سهلة ومغرية، لكنها نقدياً لا تكفي.
إذا أردنا إنصاف وليد أبو بكر، فلن يكون ذلك بمدحه أكثر مما يستحق، وإنما بقراءته كما نقرأ أي روائي آخر.
علينا أن نضع رواياته الأربع أمامنا.
نقرأها من جديد.
نقارن بينها.
نبحث عن تطور تجربته.
ننظر إلى لغته.
إلى بنائه للشخصيات.
إلى الزمن الروائي.
إلى المكان.
إلى علاقته بالمرأة.
إلى موقفه من المنفى.
إلى صورة الفلسطيني في رواياته.
وإلى التقنيات السردية التي استخدمها.
ثم نقارن ذلك كله بالرواية الفلسطينية والعربية التي كانت تصدر في السنوات نفسها.
عندها يمكن أن نصدر حكماً.
وقد يكون الحكم أن أبو بكر كان روائياً متقدماً على عصره في بعض الجوانب.
وقد يكون أنه روائي جيد لم يأخذ فرصته.
وقد يكون أن بعض ما نكتشفه اليوم لا يصمد أمام النقد.
كل ذلك مقبول.
المهم أن يكون الحكم نتيجة القراءة، لا نتيجة التعاطف مع المنسي.
هناك مسؤولية أخرى تقع على عاتقنا
أحياناً نعيد اكتشاف الكاتب بعد أن يصبح «منسياً»، فنمنحه قيمة إضافية لأنه منسي.
وهذا خطأ أيضاً.
المنسي ليس بالضرورة عظيماً.
والمشهور ليس بالضرورة عظيماً.
هذه بديهية، لكن تاريخ الأدب كثيراً ما ينسى بديهياته.
المطلوب ليس إعادة توزيع الألقاب، وإنما إعادة فتح النصوص.
ولهذا أرى أن خربشات الأسطة يمكن أن تتحول إلى مشروع نقدي مهم: إعادة قراءة الروايات الفلسطينية التي لم تدخل النظام النقدي، لا بوصفها ضحايا، وإنما بوصفها نصوصاً قابلة للاختبار.
ومن ضمنها، بالتأكيد، روايات وليد أبو بكر.
وليد أبو بكر ليس القضية كلها.
في النهاية، المسألة التي يثيرها الأسطة أكبر من وليد أبو بكر.
إنها تتعلق بالطريقة التي نكتب بها تاريخنا الأدبي.
نحن نعرف غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وجبرا، وسحر خليفة، وإبراهيم نصر الله وغيرهم، وكل واحد منهم يستحق مكانه لأسباب مختلفة. لكن هذا لا يعني أن القائمة اكتملت، ولا أن ما هو خارجها لا يستحق النظر.
الأدب الفلسطيني أوسع من الأسماء التي استقرت في الكتب.
وربما نحتاج اليوم، بعد تغير كثير من الظروف التي صنعت المشهد الثقافي الفلسطيني في النصف الثاني من القرن الماضي، إلى إعادة فتح الأرشيف كله.
ليس لإسقاط أسماء.
ولا لصناعة أسماء بديلة.
بل لمعرفة ما كتبناه فعلاً.
فالذاكرة الأدبية، مثل الذاكرة الإنسانية، ليست بريئة تماماً. إنها تتذكر، لكنها تنسى أيضاً. وفي كل مرة تعيد فيها ترتيب ما تتذكره، فإنها تعيد كتابة الماضي.
ومن هذه الزاوية تحديداً تصبح «الخيوط» أكثر من رواية يعاد اكتشافها بعد ستة وأربعين عاماً.
إنها سؤال عن الرواية الفلسطينية نفسها.
وسؤال عن النقاد الذين كتبوا تاريخها.
وسؤال عن المؤسسات التي صنعت حضورها.
وسؤال عن الكتاب الذين كانوا في المشهد، لكننا لم نكن نراهم.
وربما يكون السؤال الأهم:
كم رواية فلسطينية أخرى نحتاج إلى أن نقرأها اليوم للمرة الأولى، لا لأنها مجهولة، بل لأننا لم نقرأها بما يكفي عندما كان ينبغي أن نقرأها؟
هنا فقط يمكن أن يتحول الحديث عن وليد أبو بكر من محاولة لإنصاف روائي إلى مراجعة حقيقية لذاكرة الرواية الفلسطينية.
#اياد #اياد_شماسنة
عادل الأسطة. Adel Al-osta. @highlight