قدوم الإقطاع الجديد: تحذير إلى الطبقة الوسطى العالمية
كتاب أمريكي يحذر من تذويب الطبقة الوسطى
أحمد رجب شلتوت
كتاب أمريكي يحذر من تذويب الطبقة الوسطى
أحمد رجب شلتوت
حين نتحدث اليوم عن الإقطاع، فإن الكلمة قد تستدعي صورًا قديمة، لباشوات يملكون الأرض، وفلاحون يعملون فيها مقابل أجر قليل وربما بلا أي ضمانات، لكن الاقتصادي الأمريكي "جويل كوتكين"، في كتابه "قدوم الإقطاع الجديد: تحذير إلى الطبقة الوسطى العالمية" (حظي الكتاب بترجمتين إلى اللغة العربية، الأولى قام بها الدكتور نايف الياسين وصدرت عن الهيئة السورية للكتاب في عام 2023، وفي العام التالي صدرت عن دار كلمات العراقية الترجمة الثانية بواسطة عبد اللطيف حسن) يعلن أن الإقطاع لم يختف لكنه فقط غير مظهره، ففي القرن الحادي والعشرين فقد يكون "الإقطاعي" مالكًا لمنصة رقمية، أو شركة تكنولوجية عملاقة، أو صندوقًا استثماريًا، أو مؤسسة مالية تمتلك من الأصول ما يمنحها قدرة هائلة على التأثير في حياة ملايين البشر. أما "الفلاح" الجديد فقد يكون موظفًا يعمل بعقد مؤقت، أو عاملًا في اقتصاد المنصات، أو فردًا من طبقة وسطى تتآكل قدرتها الاقتصادية عامًا بعد عام.
كذلك يرى "كوتكين" أن العالم المتقدم، الذي زعم أنه يسير في خط مستقيم نحو مزيد من الديمقراطية والعدالة، بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس. فبدلا من مجتمع يقوم على وجود طبقة وسطى واسعة ومستقلة نسبيًا، تتشكل بنية اجتماعية جديدة تتمركز فيها الثروة والسلطة في القمة، بينما تتسع في الأسفل طبقات تعاني فقرا متزايدا.
يبدأ الكتاب باستدعاء حقيقة تاريخية، فمن أهم إنجازات الحداثة الغربية نشوء طبقة وسطى واسعة. فمنذ الثورة الصناعية، ثم خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت الولايات المتحدة وأوروبا وعدد من الدول المتقدمة صعود نموذج اجتماعي مختلف عن المجتمع الإقطاعي القديم، لذا كان المواطن يستطيع، بدرجات متفاوتة، أن يتلقى تعليمًا جيدًا، ويحصل على وظيفة مستقرة، ويشتري منزلًا، ويؤسس أسرة، ويدخر للمستقبل. لم يكن المجتمع خاليًا من التفاوت، لكنه كان يتيح مساحة حقيقية للحراك الاجتماعي.
وهنا يرى الكاتب أن المشكلة الكبرى في العقود الأخيرة لا تتمثل فقط في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بل في تآكل البنية التي كانت تجعل الطبقة الوسطى ممكنة أصلًا، فالوظائف المستقرة أصبحت أقل، وأسعار العقارات ارتفعت إلى مستويات تجعل امتلاك المسكن حلمًا بعيد المنال بالنسبة إلى أعداد كبيرة من الشباب، بينما تتركز الثروة بصورة متزايدة في أيدي نسبة محدودة من السكان، وبذلك يتراجع النموذج الذي كان يقوم على انتشار الملكية والاستقلال الاقتصادي، ليحل محله مجتمع أكثر هرمية. وفي هذا المجتمع لا تتحدد مكانة الفرد بقدر ما يستطيع أن ينتجه أو يملكه فقط، بل بمدى قربه من مراكز السلطة الاقتصادية والتكنولوجية والمؤسسية، وخطورة هذا التحول لا تتمثل فقط في تهديده للفقراء، وإنما في تهديده للطبقة الوسطى نفسها.
استعباد التكنولوجيا
كثيرا ما تربط الأذهان بين التقدم التكنولوجي وفكرة التحرر، فالإنترنت أتاح المعرفة للجميع، والعمل عن بُعد سوف يحرر الإنسان من قيود المكان، كما أن المنصات الرقمية ستمنح الأفراد فرصة لمنافسة المؤسسات الكبرى، لكن "كوتكين" يرى العكس، فالشركات التكنولوجية الكبرى تمتلك البنية التي يتحرك من خلالها الاقتصاد والمعلومات والتواصل. ومع اقتصاد البيانات والمنصات والشبكات الرقمية، يمكن لعدد محدود من الشركات أن يكتسب نفوذًا لم يكن متصورًا في المراحل السابقة من الرأسمالية، وهذا يؤدي إلى نشوء نوع جديد من الإقطاع يقوم على السيطرة على الأصول التي يحتاج إليها الآخرون من أجل الحياة والعمل، ففي الماضي كانت الأرض هي الشرط الأساسي للإنتاج أما اليوم فقد تصبح المنصة الرقمية أو البيانات أو البنية التكنولوجية أو الملكية الفكرية هي الأرض الجديدة. ومن لا يمتلك هذه الأصول يصبح، بدرجة ما، تابعًا لمن يملكها.
الأرستقراطية الجديدة
يحدد الكتاب ملامح طبقة عليا جديدة تشبه، من حيث الموقع الاجتماعي الأرستقراطيات القديمة، لكنها تتأسس على الثروة المركزة والسيطرة على المؤسسات والأصول والشبكات، وهي تتكون، في تصور الكتاب، من كبار أصحاب التكنولوجيا والمال والشركات العابرة للحدود، إلى جانب قطاعات من النخب المهنية والثقافية والإدارية التي ترتبط مصالحها بهذا النظام، وهكذا تنتج الرأسمالية شكلًا جديدًا من التراتبية الاجتماعية. فالمنافسة قد تؤدي إلى نقيضها، حين تضعف الضوابط، فبدلا من آلاف المنافسين، يمكن أن ينتهي الأمر إلى التنافس بين عدد محدود من الشركات العملاقة، وبالتالي يمكن فهم مفهوم "الإقطاع الجديد" باعتباره استعارة اجتماعية، فالمقصود منه عودة بعض خصائصه الأساسية مثل تركيز الملكية، ضعف الحراك الاجتماعي، اتساع التبعية، وتحول الامتياز إلى حالة شبه دائمة.
العمال الجدد
يشير الكتاب أيضًا إلى التحولات التي أصابت سوق العمل، ففي القرن العشرين كان العمل المستقر أحد الأعمدة الأساسية لصعود الطبقة الوسطى، أما اليوم، فإن جزءًا متزايدًا من الاقتصاد يقوم على العمل المؤقت والعقود القصيرة والعمل الحر غير المستقر، وقد يرى البعض في ذلك شكلًا من أشكال الحرية، فالعامل يستطيع أن يختار ساعات عمله، وينتقل بين الوظائف، ويعمل لحسابه الخاص، لكن الحرية هنا قد تخفي نوعًا آخر من الإفقار، فالفرق كبير بين أن يختار الإنسان العمل الحر لأنه يملك بدائل، وبين أن يُدفع إليه لأن الاقتصاد لم يعد يوفر له وظيفة مستقرة.
هنا ينبه الكتاب إلى خطورة الخلط بين المرونة والأمان، فقد يبدو الاقتصاد الحديث أكثر مرونة، لكنه في الوقت نفسه أقل قدرة على منح الأفراد شعورًا بالاستقرار، وذلك يؤدي إلى ظهور شريحة واسعة من البشر تعيش في حالة انتظار دائم: انتظار العقد التالي، أو الوظيفة التالية، أو المشروع التالي، أو القدرة على دفع الإيجار في الشهر القادم.
سكنى المدينة
يربط الكتاب بين صعود الإقطاع الجديد وقضية السكن في المدينة، فامتلاك البيت كان أحد أهم رموز الاستقلال الاقتصادي للطبقة الوسطى، لكن ارتفاع أسعار العقارات، خصوصًا في المدن الكبرى، جعل الملكية أكثر صعوبة، وهنا يتحول السكن من حق اقتصادي يمكن الوصول إليه بالعمل والادخار إلى امتياز مرتبط بمكان الميلاد أو الثروة العائلية أو القدرة على الاقتراض، فكلما أصبحت المدينة أكثر نجاحًا وجاذبية، أصبحت أقل قدرة على الاحتفاظ بطبقتها الوسطى، فقد تحولت بعض المدن إلى فضاءات للنخب الأكثر ثراءً من ناحية، وللقوى العاملة التي تقدم الخدمات من ناحية أخرى، بينما وجدت الطبقة الوسطى نفسها مضطرة إلى الانتقال بعيدًا.
تحذير للطبقة الوسطى
يسعى المؤلف إلى رسم خريطة جديدة للتحالفات جديدة للقوة بين رأس المال، والاحتكارات التكنولوجية، والمؤسسات الكبرى، وبعض أطياف من النخب الثقافية والإدارية، وهو بذلك يشير إلى اتجاه مقلق، فحين تصبح القدرة على تغيير الموقع الاجتماعي أقل، وحين تتحول الثروة إلى قوة تورث نفسها، وحين تصبح الملكية بعيدة المنال بالنسبة إلى الأغلبية، فإن المجتمع يكتسب خصائص أكثر جمودًا وهرمية.
ذلك يعيدنا إلى العنوان الفرعي للكتاب: "تحذير إلى الطبقة الوسطى العالمية"، فالطبقة الوسطى، في تصور "كوتكين"، هي البنية التي تسمح للمجتمع بقدر من الاستقرار والاستقلال، ووجود أعداد كبيرة من المواطنين القادرين على امتلاك منازل، وتربية أبنائهم، والادخار، وبدء مشروعات صغيرة، واتخاذ قراراتهم بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الدولة أو الشركات أو العائلات الثرية، هو أحد الشروط الأساسية للديمقراطية الحديثة، ولهذا فإن انهيار الطبقة الوسطى لا يؤدي فقط إلى مشكلة اقتصادية، بل إلى مشكلة سياسية وثقافية أيضًا، فالمواطن الذي لا يملك شيئًا يخشى فقدانه قد يصبح أكثر اعتمادًا على القوى الكبرى، وكلما اتسعت الفجوة بين من يملكون الأصول ومن لا يملكونها، أصبحت فكرة المساواة السياسية نفسها معرضة للضعف.
وأخيرا فربما لا تكمن أهمية كتاب "قدوم الإقطاع الجديد" في أنه يقدم نبوءة مؤكدة عن المستقبل، بقدر ما تكمن في أنه يدفعنا إلى إعادة النظر في الحاضر. فالإقطاع الذي يتحدث عنه لن يعود بالضرورة في صورة باشا يملك آلاف الأفدنة وفلاحين يعملون في أرضه، وإنما قد يظهر في صورة أكثر حداثة، ومن هنا يصبح السؤال الذي يطرحه الكتاب أكثر إلحاحًا: هل ما زال العالم الحديث قادرًا على إنتاج طبقة وسطى مستقلة، أم أننا نتحرك بالفعل نحو مجتمع تنقسم فيه البشرية بين أقلية تملك الأصول، وأكثرية لا تكدح فقط من أجل الحصول على حق استخدام تلك؟