عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

من أغرب المشاهد التي مرّت بي في المكتبة، ذلك الرجل الذي دخل صحبة سيدة، وكانا يمسكان بيد بعضهما كما لو أنهما يعلنان أمام الرفوف أنهما جاءا إلى المكان بقلب واحد ، لكن ما إن شرعا في تصفح العناوين حتى أفلتت يدها من يده بهدوء، واتجهت نحو جناح آخر، تريد أن تمنح نفسها قليلا من المسافة، وأن تترك للكتب حرية أن تختارها بعيدا عن رفيقها.
انتفض الرجل من مكانه، وقال لها بنبرة لم تخل من الحزم: ابقي بجانبي .
التفتت إليه، وفي هدوء المكتبة كان صوتها مسموعا كعنوان على رف قريب: كل واحد منا له اهتماماته وتخصصه.!!
كانت جملة قصيرة، لكنها بدت لي أكبر من مجرد اختلاف حول الكتب؛ كأنها كانت تقول له إن القراءة، مثل الحياة، لا تحتمل أن يمسك أحد بيدك طوال الطريق ؛ لكنه أصر، وبكل لطف هذه المرة، أن يتصفحا معا، وأن يختارا الكتب باتفاق.
ظهرت على وجهها علامات لم تخطئها العين، شيء من عدم الرضا، أو ربما ذلك الصمت الذي تقوله المرأة حين لا تريد أن تحوّل اختلافا صغيرا إلى معركة كبيرة ، ففضلت البقاء بجواره ؛ فراحا يطوفان بين الأجنحة، من رف إلى رف، ومن عنوان إلى آخر، بينما كنت أراقب المشهد من بعيد وأتساءل: هل يمكن أن يتفق اثنان على الكتاب الذي سيقرؤه أحدهما؟
ظل الرجل يتجول في المكتبة طويلا، وهي إلى جواره، حتى بدا لي أن الرفوف نفسها بدأت تضيق عليهما من شدة القرب ، ثم فجأة، جلست هي لتستريح ، أما هو فواصل جولته وحيدا بين الرفوف، يقلب الكتب ويقرأ العناوين، وكأن شيئا لم يحدث.!!
ربما كان الرجل قد اكتشف، بعد جولة طويلة بين الكتب، أن ثمة أشياء لا تُفرض حتى بحسن النية، وأن القراءة واحدة منها ، فالكتاب الذي نختاره لأنفسنا، يشبه الطريق الذي نسلكه بأقدامنا؛ قد يستشيرنا فيه من نحب، وقد يقترح علينا رفيق درب عنوانا يراه مناسبا لنا، لكن الخطوة الأخيرة تظل لنا وحدنا ، ولعل الرسالة التي وصلت إليه أخيرا، من بين كل تلك الرفوف، كانت بسيطة جدا: ليس من حق أحد أن يمسك بيدك وهو يختار لك ما تقرأ.!
في المكتبة، حتى الذين يدخلونها متشابكي الأيدي، يتعلمون أن لكل قارئ طريقه الخاص إلى الكتاب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى