ليلى حسين - فلسفة البنطلون المُقطَّع قصة/ أحمد محمد عبده

المقصُ ينسربُ في رقيقة حلوى, وليس في كارت لَدْن كهذا, يسري في منتصف الخط الدقيق, انتهى من قص الخطوط الطولية, بدأ في قص الخطوط العرضية, وعليه أن يقوم بخلط المربعات, ينكشها مثلما يفعل في ورق إجراء قُرعة, ثم يقوم بإعادة التجاور والتلاصق القديم لتلك النِثارات المربعة, يرصها بجوار بعضها, فتلتئم أنصاف الخطوط, فيتم إعادة بناء المستطيل اللدن.
راح يرص حروف اسمه الرباعي بجوار بعضها, ويجمع تقاطيع وجهه, وبالتالي, وضمنيًا, وبالتبعية, سوف تُرَصُّ وتتجاور الأرقام الأربعة عشر, والأرقام بطبيعتها منفصلة, فقط هناك أرقام متجاورة, ومنها مايكون بينها فروق غير متماثلة: رقمان متجاوران والثالث مطرود بعيدا عنهما " فمتو مِلّي".
"أنت هكذا تمكنتَ من تجميع نفسك مرة أخرى, بالملامح والأرقام, وليس هذا هو المطلوب, إذن لابد من قسمة المربع الواحد من هذه المربعات السنتيمترية, إلى قسمين, أنصاف سنتيمترية, نصف سم X نصف سم"
أمسكَ بكل مربع بين ظفري سبابته وإبهامه, شرع في قسمة المربعات إلى أنصاف, لتصير أرباع سنتيمترية: كل ربع ربما يحمل حرفًا واحدًا من اسمه, وربما معه نصف ذال أو نصف سين من اسم الأب, أو يحمل رقمًا واحدًا, ومعه سلخة من رقم مجاور, ثم عليه أن يقوم بنكش وخلط كل هذه النِثارات الشبيهة بقشر السمك في بعضها, مثلما ينكش الكوتشينه, ثم يقوم بتجميعها ورصها بجوار بعضها؛ لتُشكِّل حروف الاسم وأرقام الهُوية الأربعة عشر!
**
أعلن إخفاقه, أعطوه تجربة أخرى, سيشتغلون عليه لآخر مرحلة, حتى الوصول لما هو مخطط, سيحاول مع نُتَف ونِثارات وقشر سمك من نوع آخر, بنفس شروط تقطيع مستطيل الهُوية اللدن.
عكف على تقسيم صورة أشعة مقطعية لِمُخّهِ, مطلوب قَصّها لتكون مربعات: كل مربع 1 سم X 1 سم, طولاً وعرضًا, وعليه أن يقوم بتجميع فصوص مخّه وهضابه ومجاريه: كل فَصّ بجوار الفصّ الذي يليه.
قام بترقيم كل مربع أثناء القص, الترقيم لايثبُت على لوحة الأشعة, أعطوه فرصته كاملة, أعلن فشله, بعد أن قطَّع هُويته, ثم قطَّع فصوص مخه!
**
تطرق ناحية النهر, جلس على حجر في الجرف المائل, يسند الخدّ على اليد, راح يتأمل وجهه بين ثنايا رقرقة الماء, في حجره كيس مملوء بخليط من فتافيت شخصيته, وفتافيت من مركز إدارة كيانه, شبّورة سيجارته حجبت عنه رؤية وجهه على تجاعيد صفحة النهر, سيتسلى بحرق القصاقيص, يُمسك "الفتفوتة" بين ظفري سبابته وإبهامه, ويُلصقها على جمرة السيجارة, واحدة وراء أخرى, طرفا إصبعيه يكتويان, يتجلد, وتحترق الفتافيت.
اختبر دِقته وحساسيته ودرجة تحمله للسع نار السيجارة, تتساقط قطرات ملتهبة كقطرات احتراق شمعة, على فخذه وصابونة ركبته, يكز على أسنانه, القطرات تتزايد مع تزايد تغذية فم السيجارة الملتهب بالفتافيت, السخونة تُلهب فخذه, سَماكة البنطلون "الجينز" لاتحجب ألم الالتهاب المتزايد, خيوط السُّدّة واللِّحمة بدأت في الاحتراق والتآكل, فصارت القطرات الملتهبة تنزل على جلده مباشرة, لايزال يكز على أسنانه.
يستمرئ الإحساس بالسخونة في الجو البارد, ومع آخِر بصيص في جمرة السيجارة, كانت قد احترقت كمية كبيرة من خليط المنمنمات البلاستيكية, والأخرى اللدنة, مخلفةً بقعًا مُقطَّعة ومتناثرة في قماشة البنطلون الجينز على الفخذين, دخان فتافيت نفسه وكيانه؛ يدور حول رأسه, يصنع دوَّامة حول أذنيه, وعينيه.
نهض, سار وهو يترنح في شوارع المدينة, هذه الرُّقَع المكشوفة على الفخذ وصابونة الركبة ــــ هي عيِّنة لشكل الجلد وطبيعة اللحم, سيظهر هذا جليًا, ويؤدي دوره تمامًا, لو تصادف وجلست بجواره فتاة في القطار, وتكون قد قطَّعت هُويتها ومخها هي الأخرى!
البقع المُقطَّعة على فخذه, تقابل, أو تجاور البقع المُقطَّعة على فخذها, والضد يُظهر الضد, والأقطاب المختلفة تتجاذب!
يمر عليهما الشرطي, يطلب منهما الاطلاع على الهُوية, لحظة تبليم وتسهيم, ينتبه الشرطي للبقع المُقطَّعة على فخذ الفتاة؛ يفحص أوسعها مساحةً, يتمتم كأنه يقرأ أو يتهجى, ربما يُحصي مسام جلدها, ثم ينظر للبقع المُقطَّعة على فخذ الشاب؛ يفحص أوسعها مساحة, يتمتم كأنه يقرأ أو يتهجى, ربما يُحصي الشعيرات عليه, يهزّ رأسهُ هزّة من تأكد وتحقق من شخصيتهما, يشيرُ بيده, كمن يقول لهما استريحا, ثم ينتقل إلى الكراسي التالية ..
***

لـــــيـــلـــى حـــــســــيــن
تــــــكـــــــــــتــــــــــب
اغــــــتـــيـــال مـــمـــنــهـج
حول فلسفة البنطلون المقطع
لــــ أحــمــد عــبــده
*******************
★L★الأستاذ المبدع أحمد عبده بليغة السرد و الرمز لا يكتب قصة بل يتعرض لقضية اجتماعية نفسية إنسانية سياسية عالمية ، "قضية مسخ الهوية"، حيث يتم بمخطط شيطاني تعديل "الچينات" وتفتيت الكيان و دهس الأخلاق والعرف والمبادئ والهوية ..
★بدأ السرد بال "مقص" تلك الآلة التي تتسم بالحدة وتواصل مهام القطع و الفصل ، شفرتان تتفن و تسعى إلى تقسيم بطاقة الهوية طولا و عرضا إلى مربعات صغيرة ، والتي خضعت إلى القصف حد نثارات دقيقة و ذرات لا يصلح إعادة ترتيبها ليتكون الوجه صافيا مرة أخرى قد اكتسب مساحة من التشوهات لا تتداخل و لا تتعامد فيها السدة مع اللحمة كما كانت مدمجة سوية التفاصيل .
فقد تم إفساد الأربعة عشر رقما في مستطيل بطاقة الهوية ..
★L★"المقص" هو القوى الشيطانية العالمية التي تسعى إلى الهيمنة على البشرية بعد تخريب جيناتها و تشويه هيئتها وإتلاف فصوص العقل لتسخيرها تحت نفوذها ، تارة بالعلم و تارة بالفكر و مرة بالموضات ومظاهر الاشتهاء و مباهج المدنية ، و كثيرا بسلطان الأوبئة ، لكن قائمة المغريات تبتعد تماما عن الإنسانية والمحبة والقيم و قوانين السلامةو الأمان ..
الجدل مستمر حول تشريح الإنسان و تفكيفه :
A.A"أمسكَ بكل مربع بين ظفري سبابته وإبهامه, شرع في قسمة المربعات إلى أنصاف, لتصير أرباع سنتيمترية: كل ربع ربما يحمل حرفًا واحدًا من اسمه, وربما معه نصف ذال أو نصف سين من اسم الأب, أو يحمل رقمًا واحدًا, ومعه سلخة من رقم مجاور, ثم عليه أن يقوم بنكش وخلط كل هذه النِثارات الشبيهة بقشر السمك في بعضها, مثلما ينكش الكوتشينة, ثم يقوم بتجميعها ورصها بجوار بعضها؛ لتُشكِّل حروف الاسم وأرقام الهُوية الأربعة عشر! "
★الإخفاق مستمر و متوالية إتلاف القيمة الإنسانبة عاتية تمتد إلى تقطيع فصوص مخه بنصل حاد براق ناعم ..
A.A"عليه أن يقوم بتجميع فصوص مخّه وهضابه ومجاريه: كل فَصّ بجوار الفصّ الذي يليه.
قام بترقيم كل مربع أثناء القص, الترقيم لايثبُت على لوحة الأشعة, أعطوه فرصته كاملة, أعلن فشله, بعد أن قطَّع هُويته, ثم قطَّع فصوص مخه! "
★القص و التمزيق ليس سمة من واقع الهوية والمجتمع ، بل حرب ضارية من "النظام= الآخر" للسيطرة على العقل و محو الكيان.
في جلسة على شاطئ النهر فتافيت ونثار جزيئات كيانه تقبع في حجره ، وقد حالت غيمات سيجارته أن يرى وجهه على صفحة الماء ، في محاولة للتسلية أو قطع الوقت أو البحث والتأكد و الإحساس بالذات ، أخذ يلملم ذرات هويته المسحوقة ويضعها على طرف سيجارته لتشتعل فيصيب الوهج أنامله ويشعر بالألم الذي يعصف بعضلات فكيه ، يستمر في إلصاق برادة ذاته على السيجارة فيتساقط الوهج على جسده ، تحترق أجزاء من "البنطلون" من الفخذ و حتى الركبة و يمتد الألم إلى مراكز الجسد ، في حالة من إيذاء النفس و استعذاب الألم ليتحول إلى رماد 'المازوخية".
A.A"يستمرئ الإحساس بالسخونة في الجو البارد, ومع آخِر بصيص في جمرة السيجارة, كانت قد احترقت كمية كبيرة من خليط المنمنمات البلاستيكية, والأخرى اللدنة, مخلفةً بقعًا مُقطَّعة ومتناثرة في قماشة البنطلون الجينز على الفخذين, دخان فتافيت نفسه وكيانه؛ يدور حول رأسه, يصنع دوَّامة حول أذنيه, وعينيه."
★L★" النظام= الآخر" لم يقم بعملية قتل واغتيال مباشر للإنسان بل قدم له بسلاسة ونعومة كل الأسلحة ليقتل نفسه ببطء وهدوء ، هذا مافعلته سياسة الهيمنة وقوى الشر العالمية للشعوب الآمنة للتخلص من البشر والاستيلاء على الثروات والخيرات ، ها هي قوى الشر ترصد عن بعد تفاقم الوجع والانهيار الإنساني ، ترقب عدسات التقنيات المغروسة في حياتنا تلذذ لنجاح و تفوق المخطط.
A.A"نهض, سار وهو يترنح في شوارع المدينة, هذه الرُّقَع المكشوفة على الفخذ وصابونة الركبة ــــ هي عيِّنة لشكل الجلد وطبيعة اللحم, سيظهر هذا جليًا, ويؤدي دوره تمامًا , لو تصادف وجلست بجواره فتاة في القطار, وتكون قد قطَّعت هُويتها ومخها هي الأخرى!"
★L★الكيانات المخترقة المحترقة و البنطلونات الممزقة التي يتباين فيها لون البشرة مع الخيوط المهترئة تتجاذب .
معزوفة يتلاقى فيها الوجع و الضياع والألم وترسخ وجودها في الميديا و التجمعات و دهاليز المدن ..
صار الألم و الجراح بصمة ولغة انتماء ومشاركة ، إذ يتجاذب فاقدو الهوية ويقبعوا في بوتقة العبث و الانهيار والدمار ..
الخلل يتخطى الخاص إلى العام ، من الأفراد إلى منظومة الحكم وسياسات الأمن و الأمان..
A.A"البقع المُقطَّعة على فخذه, تقابل, أو تجاور البقع المُقطَّعة على فخذها, والضد يُظهر الضد, والأقطاب المختلفة تتجاذب!"
★L★يمر الشرطي في القطار ليتفقد الهوية ، فيتفحص المساحات العارية من جسد الشاب و الفتاة ، فيظن انه أحسن صنعا باتساع حدقتيه لإحصاء شعيرات الفخذ و مسام الجسد ، متبلدا بطاقة من اللامبالاة ، يتحرك إلى الكراسي التالية ..
لم ينجُ الشرطي من استلاب و اغتيال كيانه أيضا ليتحقق فيه انعدام المروءة و الأمانة ، ليكون أحد مراكز قوى النظام الشيطانية ، إذ يؤكد أن الأجزاء المحترقة من الجسد مطابقة للمواصفات ، فقد صار العري و المسخ هوية ..
الحرب على العقل عاتية في واقع مرير فقد إرادته ..
** لــيــلــى حـــســيـن**

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى