في إسطبلٍ لخيول السباق، وعلى قفصٍ برتقاليّ متهالك فوقه مهادٌ من القش، تضع "فيوليت كازوما تسودا" مولودها الثالث في معسكرٍ للترحيل القسريّ، فيوليت المواطنة الأمريكيّة من أصولٍ يابانيّة والمولودة في هاواي 1917، وبعد إرسالها إلى هيروشيما اليابان لتعليمها الابتدائي، عادت إلى الولايات المتحدة في سن 13 للالتحاق بالمدرسة الثانوية في "فريسنو" كاليفورنيا، ولتستقرّ حياتها بعد التخرّج في إدارة محلٍّ لبيع الكتب باللغة اليابانيّة مع زوجها شيغيرو ماتسودا ، ولكنّها الحرب التي تمزّق الآمال والطموحات، فإبّان قصف اليابان لميناء بيرل هاربر، وبعد الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس روزفلت في 19 فبراير 1942، تجد فيوليت نفسها مع زوجها وثلاثة أطفال وشقيقها وحماتها في كوخ من ورق القطران في مركز لتجميع الخيول، يعيشون في جوّ من الحرارة اللاهبة والبؤس، ثمّ ليتمّ نقلهم بعد أسبوعين مع الآلاف من المواطنين الأمريكيين من أصول يابانيّة في قطار متهالك إلى معسكرٍ ضخم في "جيروم" بولاية كاليفورنيا(1)
هناك وإلى جانب ظروف الحياة البائسة والبيئة الصحيّة المترديّة وانتظار المصير المجهول، برز التحدّي الأصعب والأكثر تهديداً للمرحّلين وهو التوقيع على ما عرف آنذاك بـ " استبيان الولاء" والذي يضم في جنباته إقراراً بالتخلّي عن الانتماء للإمبراطورية اليابانية والموافقة على الخدمة في الجيش الأمريكي في حربه ضدّ اليابان، فيوليت التي كانت إجابتها سلبيّة على هذين البندين تمّ استبعادُ زوجها إلى مركز اعتقال آخر في نيو مكسيكو، ونقلها هي وعائلتها إلى أقسى مراكز الاعتقال في شمال كاليفورنيا مركز " بحيرة تولي " وهو معسكر شديد الحراسة تم بناؤه على أسِرَّة من الحمم البركانية القديمة .
هذه السرديّة المقتضبة ربّما لها مسارات دالّة نحو مواقفنا الإنسانيّة ضدّ توحّش النُخب الحاكمة، ولكنّنا هذه المرّة نضعها بين يدي القارئ إلى جانب حقيقة أنّ " فيوليت كازو ماتسودا " هي شاعرة هايكو، التحقت عام 1939 بمدرسة هايكو مقرّها في فريسنو / كاليفورنيا، ومع مرور الوقت، اشتهرت بشعرها في "كايكو" أو أسلوب الهايكو الحداثي الحر، وأصبحت نصوصُها عرضة للنقد المهمّ في الأندية.
ما وراء السياج:
في كتاب ( فقط كلّ ما استطعنا حَملهُ ) كتبه " لوسون إينادا " وهو شاعرٌ يابانيّ بارزٌ نجا من معسكرات الاعتقال، يذكر المؤلّف أنّ المعتقلين كان من بينهم معلّمي الهايكو و تلاميذهم، إضافة إلى الكثير من كبار السن ممن يتقنون كتابة الهايكو والتانْكا، فهم ولدوا وعاشوا شبابهم في اليابان، جميعهم كانوا يعكفون على كتابة الهايكو بغزارة إضافة إلى تعليم كتابة الهايكو للأطفال الصغار ممن ولد ونشأ في المعتقلات.
المئات من القصاصات الورقيّة التي دونت عليها قصائد من الهايكو التقليدية، والهايكو الحر، والتانْكا، وربّما أكثر بكثير، فهذا العدد من القصاصات هو فقط ما استطاع المعتقلون الاحتفاظ به وإخراجه معهم ، ليشكّل فيما بعد مصدراً غزيراً للتوثيق الشعريّ والأنطولوجي والذي تمت طباعته ونشره في إصداراتٍ عديدة حول اضطهاد اليابانيين من أصول أمريكيّة، وتوشك فيوليت ماتسودا أن تشكّل أيقونة التوثيق الشعري والأدبيّ لتلك المحنة ، غادرت فيوليت معسكر الاعتقال إلى اليابان مع أطفالها في عام 1946، وهناك كافحت لكسب العيش ولكن الاقتصاد كان في حالة خراب، فعملت كمترجمة مقابل أجرٍ زهيد، وبطموحٍ يائس للعودة إلى الولايات المتحدة، إلى أن التقت عام 1956 (ويلفريد إتش دي كريستوفورو)، وهو ضابط بالجيش الأمريكي تمركز في اليابان بعد الحرب، لينتقلا بعد الزواج للعيش في أمريكا، وأخذت ملامح الاستقرار تلوح لها ولأطفالها في الأفق باسمها الجديد : (Violet Kazue de Cristoforo)، ولتبدأ ناشطة ومحاربة شرسة لتصحيح الرواية التاريخية لما حدث في معسكرات الاعتقال، ثم لتطلق مشروعها الأدبيّ بإصدار أهمّ كتابين يعبّران عن العلاقة الوجوديّة التي تجمع اليابانيين بفنون الشعر الياباني وخصوصاً فن الهايكو.
- الكتاب الأوّل " تأملات شعرية عن معسكر اعتقال بحيرة تولي" والذي صدر عام 1987 والذي يضمّ في جنباته قصائد الهايكو التي دونتها في فترة الاعتقال و يتضمن أيضاً ترجمات وتفسيرات من الشاعرة نفسها.
- الكتاب الثاني " سماء أيّار: ثمّة غدٌ دائماً " والذي صدر عام 1997 وهو حصيلة أكثر من 40 سنة من البحث والدراسة تتبّعت فيوليت معظم أعضاء الهايكو في المعسكرات المختلفة ووثقت قصائدهم ليمثل الكتاب موسوعة وأرشيف كامل لتراث شعريّ بأكمله كان مهدد بالاندثار، ومن نصوص هذا الكتاب:
- عالقٌ في المشط/ شعرٌ رماديٌ متهالك // صباحٌ خريفيّ " ساديو تانيغوتشي"
- لم يقل أحدٌ / أنا تحت ظلّ شجرةٍ / هذا اليوم " هونجيوشي كونيموري "
- حشراتٌ بغزارةٍ / في هذا المساء // أطفالي يكبرون " فيوليت دي كريستوفور"
لماذا الهايكو؟
تقول فيوليت في مقابلة عام 1993(أينما عثرتُ على قصاصات ورق، أكتب الهايكو، طوال تلك الفترة، ساعدني الهايكو على التماسك، كان هروباً..)، إنّ الجوهريّ في كتابة الهايكو والذي حوّل علاقة المعتقلين به إلى علاقة وجوديّة هو أنّه في أدبيات هذا الفن المستمرّة منذ قرونٍ، فإنّ كتابة الهايكو وحتّى قراءته تعتبر عند الشعب الياباني بجميع طبقاته طريقةً وطقساً للتعافي النفسي والروحي، وسنكتفي بذكر مفهوم واحد من هذه الأدبيّات يمكنه أن يوصلنا إلى هذا الجوهر، وهو مفهوم " تيّار الأناقة " والذي يعتبر الروح المغذّي لأسلوب "ماتسو باشو" معلّم الهايكو الأوّل، فقد طوّرهُ من فلسفته في جذوره الصينيّة إلى نظرة كرّسها في الوعي الجمعيّ اليابانيّ، تتعامل مع جوانب عديدة من الحياة ومن بينها مواجهة الوحدة والبؤس والكآبة، لقد كان يقدّر معاناة الذات على عكس فلسفة الزنّ التي تدعوك إلى التجاهل التام لها ،وكان يقدّر شحن قصيدة الهايكو بلمسة شعوريّة وأن لا تكتفي بالتصويريّة الكلاسيكيّة، يُذكرُ أنّ باشو كان يستلقي مستيقظاً في كوخ صغير بالقرب من بحيرة Biwa في الليل البارد، سمع صوت صرّار ليلٍ ضعيف قادم من قفص صغير معلّقٍ على مسمارٍ في الحائط ، فكتب:
يا للوحشة !
معلّقٌ على مسمارٍ
صرّار الليل "2"
وأمام هذا التقدير فإنّ انعكاس تيّار الأناقة في أدبيات مدرسة ماتسو باشو له تمثّلات احتاج الدارسون إلى مجلّدات لاستيعابها، ولكن ثمةّ جانب يعنينا في هذا السياق يتمثّل بالدعوة إلى التحرّر من وطأة السعي إلى المثاليّ المتعال و التحسّر على فقده، والانتقال إلى تقدير أناقة العاديّ والاستغناء بها لندخل في حالة من الغبطة والامتلاء وهي بداية الطريق نحو التماسك والتعافي الروحي والنفسي عبر التبصّر الجمالي بموجودات الطبيعة من حولك وتقديرها في فقرها وهشاشتها وتآكلها وفي عاديّتها، وإبداء التعاطف معها، صحيح أنّها موجودة في خضمّ تيّار لا يمهلها بين الولادة والموت ولكنّها أنيقةٌ بوجودها:
البطيخاتُ رائعةٌ،
وقد غطّتها بقعُ طينٍ
من ندى الصباح "3"
هذا التبصّر يتنوّع مردوده الشعريّ بتنوّع اللحظة المعيشة، فبعضها قد يخلق في النصّ مسافةً عاطفيّة يوفّرها كلٌّ من الإسقاط الصوَري والأحداث المعروضة بموضوعيّة:
ضبابٌ صباحيّ-
رائحةُ تبغِ أمس
على كمّ الكنزة المقلوب "4"
وهنا لابدّ من التنويه إلى أنّ كاتب الهايكو في النصّ لا يهرب من وصف محيطه المأساويّ أو شحنِ نصِّه بمسٍّ عاطفي إنّه وحسب ينجو بنشاطه الذهنيّ من العجز، حين الألم والوحدة والكآبة جميعها تتفرغ طاقتها في موضوعٍ للتأمل:
صقيعٌ كلُّ الزُقاق
ماعدا
حيثُ غفا "5"
لاشكّ أن سائر الأصناف الأدبيّة لها مردود نفسيّ وروحيّ على كاتبها فإنجاز نصّ يعني عملية خلق وهذا يعود على الكاتب بمردود من الغبطة والارتياح، إلّا أن الهايكو يتفرّد في هذا السياق، فالغبطة والارتياح ليست مردوداً وحسب بل هي ممارسةٌ داخل النص ورؤيا ذاتيّة، ولكونه مقنّناً بضوابط استثنائيّة مقارنة بما سواه في عوالمنا الشعريّة، إنّه نصٌ غارقٌ في صمت كاتبه، يستنفر الحواس، يتحرّى الشعريّ في الموضوعيّ، فيه تجرّدُ اللغةُ حضورَها في الكلمات عبر تفريغٍ وتخليةٍ للشاعر من الذُهان الذاتي، نصٌّ متقشّفٌ في بنيته و يمنحه الشكل والايقاع بنية منتظمة تشبه التنفس العميق، هذا الانضباط بطريقة أو بأخرى هو بمثابة عملية ترويض، وربّما نستعير في هذا السياق من أهم دارسي فنّ الهايكو في الغرب الشاعر والناقد الفرنسي " إيف بونفوا " ما أطلق عليه تسمية: التمرين الروحي للشعر "6"
ختاماً:
لا تعدو فيوليت ورفقائها في محنتهم وراء السياج أن يكونوا مثالاً وحسب حول هذه الميزة في كتابة الهايكو، فمنذ عقود بدأ علم الطبّ النفسيّ يأخذ المبادرة باتجاه توظيف الهايكو في مجالات المعالجة النفسيّة، العديد من الأبحاث نشرت عالميّاً وتم تطبيقها لهذه الغاية، ومن جانبٍ آخر أليسَ إنسان العصر الحديث بطريقة أو بأخرى يقبع ذهنُهُ وراء سياجٍ ما؟ في دوائر شعريّة ونقديّة واسعة من العالم يأخذ الهايكو مكانته في هذا الجانب، إلّا أنّ غودو الشعر العربي لم يبرح مكانه.
هوامش:
1- الأمر يصرح للجيش بترحيل أي مواطن من منطقة واسعة من الساحل الغربي يشكل تهديدًا للأمن القومي معظمهم من أصل ياباني.
2- sabishisa ya / kugi ni kaketaru / kirigirisu
3- كتاب ماكوتوا أوئيدا " ماتسو باشو"
4- أسامة أسعد: مترجم سوريّ وشاعر
باحث في الهايكو
5- Chuck Brickley.USA
6- حاز على جائزة "ماساوكا شيكي" العالمية وتسلّمها في اليابان 2000 في احتفال خاص
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك وإلى جانب ظروف الحياة البائسة والبيئة الصحيّة المترديّة وانتظار المصير المجهول، برز التحدّي الأصعب والأكثر تهديداً للمرحّلين وهو التوقيع على ما عرف آنذاك بـ " استبيان الولاء" والذي يضم في جنباته إقراراً بالتخلّي عن الانتماء للإمبراطورية اليابانية والموافقة على الخدمة في الجيش الأمريكي في حربه ضدّ اليابان، فيوليت التي كانت إجابتها سلبيّة على هذين البندين تمّ استبعادُ زوجها إلى مركز اعتقال آخر في نيو مكسيكو، ونقلها هي وعائلتها إلى أقسى مراكز الاعتقال في شمال كاليفورنيا مركز " بحيرة تولي " وهو معسكر شديد الحراسة تم بناؤه على أسِرَّة من الحمم البركانية القديمة .
هذه السرديّة المقتضبة ربّما لها مسارات دالّة نحو مواقفنا الإنسانيّة ضدّ توحّش النُخب الحاكمة، ولكنّنا هذه المرّة نضعها بين يدي القارئ إلى جانب حقيقة أنّ " فيوليت كازو ماتسودا " هي شاعرة هايكو، التحقت عام 1939 بمدرسة هايكو مقرّها في فريسنو / كاليفورنيا، ومع مرور الوقت، اشتهرت بشعرها في "كايكو" أو أسلوب الهايكو الحداثي الحر، وأصبحت نصوصُها عرضة للنقد المهمّ في الأندية.
ما وراء السياج:
في كتاب ( فقط كلّ ما استطعنا حَملهُ ) كتبه " لوسون إينادا " وهو شاعرٌ يابانيّ بارزٌ نجا من معسكرات الاعتقال، يذكر المؤلّف أنّ المعتقلين كان من بينهم معلّمي الهايكو و تلاميذهم، إضافة إلى الكثير من كبار السن ممن يتقنون كتابة الهايكو والتانْكا، فهم ولدوا وعاشوا شبابهم في اليابان، جميعهم كانوا يعكفون على كتابة الهايكو بغزارة إضافة إلى تعليم كتابة الهايكو للأطفال الصغار ممن ولد ونشأ في المعتقلات.
المئات من القصاصات الورقيّة التي دونت عليها قصائد من الهايكو التقليدية، والهايكو الحر، والتانْكا، وربّما أكثر بكثير، فهذا العدد من القصاصات هو فقط ما استطاع المعتقلون الاحتفاظ به وإخراجه معهم ، ليشكّل فيما بعد مصدراً غزيراً للتوثيق الشعريّ والأنطولوجي والذي تمت طباعته ونشره في إصداراتٍ عديدة حول اضطهاد اليابانيين من أصول أمريكيّة، وتوشك فيوليت ماتسودا أن تشكّل أيقونة التوثيق الشعري والأدبيّ لتلك المحنة ، غادرت فيوليت معسكر الاعتقال إلى اليابان مع أطفالها في عام 1946، وهناك كافحت لكسب العيش ولكن الاقتصاد كان في حالة خراب، فعملت كمترجمة مقابل أجرٍ زهيد، وبطموحٍ يائس للعودة إلى الولايات المتحدة، إلى أن التقت عام 1956 (ويلفريد إتش دي كريستوفورو)، وهو ضابط بالجيش الأمريكي تمركز في اليابان بعد الحرب، لينتقلا بعد الزواج للعيش في أمريكا، وأخذت ملامح الاستقرار تلوح لها ولأطفالها في الأفق باسمها الجديد : (Violet Kazue de Cristoforo)، ولتبدأ ناشطة ومحاربة شرسة لتصحيح الرواية التاريخية لما حدث في معسكرات الاعتقال، ثم لتطلق مشروعها الأدبيّ بإصدار أهمّ كتابين يعبّران عن العلاقة الوجوديّة التي تجمع اليابانيين بفنون الشعر الياباني وخصوصاً فن الهايكو.
- الكتاب الأوّل " تأملات شعرية عن معسكر اعتقال بحيرة تولي" والذي صدر عام 1987 والذي يضمّ في جنباته قصائد الهايكو التي دونتها في فترة الاعتقال و يتضمن أيضاً ترجمات وتفسيرات من الشاعرة نفسها.
- الكتاب الثاني " سماء أيّار: ثمّة غدٌ دائماً " والذي صدر عام 1997 وهو حصيلة أكثر من 40 سنة من البحث والدراسة تتبّعت فيوليت معظم أعضاء الهايكو في المعسكرات المختلفة ووثقت قصائدهم ليمثل الكتاب موسوعة وأرشيف كامل لتراث شعريّ بأكمله كان مهدد بالاندثار، ومن نصوص هذا الكتاب:
- عالقٌ في المشط/ شعرٌ رماديٌ متهالك // صباحٌ خريفيّ " ساديو تانيغوتشي"
- لم يقل أحدٌ / أنا تحت ظلّ شجرةٍ / هذا اليوم " هونجيوشي كونيموري "
- حشراتٌ بغزارةٍ / في هذا المساء // أطفالي يكبرون " فيوليت دي كريستوفور"
لماذا الهايكو؟
تقول فيوليت في مقابلة عام 1993(أينما عثرتُ على قصاصات ورق، أكتب الهايكو، طوال تلك الفترة، ساعدني الهايكو على التماسك، كان هروباً..)، إنّ الجوهريّ في كتابة الهايكو والذي حوّل علاقة المعتقلين به إلى علاقة وجوديّة هو أنّه في أدبيات هذا الفن المستمرّة منذ قرونٍ، فإنّ كتابة الهايكو وحتّى قراءته تعتبر عند الشعب الياباني بجميع طبقاته طريقةً وطقساً للتعافي النفسي والروحي، وسنكتفي بذكر مفهوم واحد من هذه الأدبيّات يمكنه أن يوصلنا إلى هذا الجوهر، وهو مفهوم " تيّار الأناقة " والذي يعتبر الروح المغذّي لأسلوب "ماتسو باشو" معلّم الهايكو الأوّل، فقد طوّرهُ من فلسفته في جذوره الصينيّة إلى نظرة كرّسها في الوعي الجمعيّ اليابانيّ، تتعامل مع جوانب عديدة من الحياة ومن بينها مواجهة الوحدة والبؤس والكآبة، لقد كان يقدّر معاناة الذات على عكس فلسفة الزنّ التي تدعوك إلى التجاهل التام لها ،وكان يقدّر شحن قصيدة الهايكو بلمسة شعوريّة وأن لا تكتفي بالتصويريّة الكلاسيكيّة، يُذكرُ أنّ باشو كان يستلقي مستيقظاً في كوخ صغير بالقرب من بحيرة Biwa في الليل البارد، سمع صوت صرّار ليلٍ ضعيف قادم من قفص صغير معلّقٍ على مسمارٍ في الحائط ، فكتب:
يا للوحشة !
معلّقٌ على مسمارٍ
صرّار الليل "2"
وأمام هذا التقدير فإنّ انعكاس تيّار الأناقة في أدبيات مدرسة ماتسو باشو له تمثّلات احتاج الدارسون إلى مجلّدات لاستيعابها، ولكن ثمةّ جانب يعنينا في هذا السياق يتمثّل بالدعوة إلى التحرّر من وطأة السعي إلى المثاليّ المتعال و التحسّر على فقده، والانتقال إلى تقدير أناقة العاديّ والاستغناء بها لندخل في حالة من الغبطة والامتلاء وهي بداية الطريق نحو التماسك والتعافي الروحي والنفسي عبر التبصّر الجمالي بموجودات الطبيعة من حولك وتقديرها في فقرها وهشاشتها وتآكلها وفي عاديّتها، وإبداء التعاطف معها، صحيح أنّها موجودة في خضمّ تيّار لا يمهلها بين الولادة والموت ولكنّها أنيقةٌ بوجودها:
البطيخاتُ رائعةٌ،
وقد غطّتها بقعُ طينٍ
من ندى الصباح "3"
هذا التبصّر يتنوّع مردوده الشعريّ بتنوّع اللحظة المعيشة، فبعضها قد يخلق في النصّ مسافةً عاطفيّة يوفّرها كلٌّ من الإسقاط الصوَري والأحداث المعروضة بموضوعيّة:
ضبابٌ صباحيّ-
رائحةُ تبغِ أمس
على كمّ الكنزة المقلوب "4"
وهنا لابدّ من التنويه إلى أنّ كاتب الهايكو في النصّ لا يهرب من وصف محيطه المأساويّ أو شحنِ نصِّه بمسٍّ عاطفي إنّه وحسب ينجو بنشاطه الذهنيّ من العجز، حين الألم والوحدة والكآبة جميعها تتفرغ طاقتها في موضوعٍ للتأمل:
صقيعٌ كلُّ الزُقاق
ماعدا
حيثُ غفا "5"
لاشكّ أن سائر الأصناف الأدبيّة لها مردود نفسيّ وروحيّ على كاتبها فإنجاز نصّ يعني عملية خلق وهذا يعود على الكاتب بمردود من الغبطة والارتياح، إلّا أن الهايكو يتفرّد في هذا السياق، فالغبطة والارتياح ليست مردوداً وحسب بل هي ممارسةٌ داخل النص ورؤيا ذاتيّة، ولكونه مقنّناً بضوابط استثنائيّة مقارنة بما سواه في عوالمنا الشعريّة، إنّه نصٌ غارقٌ في صمت كاتبه، يستنفر الحواس، يتحرّى الشعريّ في الموضوعيّ، فيه تجرّدُ اللغةُ حضورَها في الكلمات عبر تفريغٍ وتخليةٍ للشاعر من الذُهان الذاتي، نصٌّ متقشّفٌ في بنيته و يمنحه الشكل والايقاع بنية منتظمة تشبه التنفس العميق، هذا الانضباط بطريقة أو بأخرى هو بمثابة عملية ترويض، وربّما نستعير في هذا السياق من أهم دارسي فنّ الهايكو في الغرب الشاعر والناقد الفرنسي " إيف بونفوا " ما أطلق عليه تسمية: التمرين الروحي للشعر "6"
ختاماً:
لا تعدو فيوليت ورفقائها في محنتهم وراء السياج أن يكونوا مثالاً وحسب حول هذه الميزة في كتابة الهايكو، فمنذ عقود بدأ علم الطبّ النفسيّ يأخذ المبادرة باتجاه توظيف الهايكو في مجالات المعالجة النفسيّة، العديد من الأبحاث نشرت عالميّاً وتم تطبيقها لهذه الغاية، ومن جانبٍ آخر أليسَ إنسان العصر الحديث بطريقة أو بأخرى يقبع ذهنُهُ وراء سياجٍ ما؟ في دوائر شعريّة ونقديّة واسعة من العالم يأخذ الهايكو مكانته في هذا الجانب، إلّا أنّ غودو الشعر العربي لم يبرح مكانه.
هوامش:
1- الأمر يصرح للجيش بترحيل أي مواطن من منطقة واسعة من الساحل الغربي يشكل تهديدًا للأمن القومي معظمهم من أصل ياباني.
2- sabishisa ya / kugi ni kaketaru / kirigirisu
3- كتاب ماكوتوا أوئيدا " ماتسو باشو"
4- أسامة أسعد: مترجم سوريّ وشاعر
باحث في الهايكو
5- Chuck Brickley.USA
6- حاز على جائزة "ماساوكا شيكي" العالمية وتسلّمها في اليابان 2000 في احتفال خاص
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ