أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٣ آب من كل عام

[HEADING=2]١[/HEADING]
عبد الجواد صالح وداعا :
انتقل اليوم إلى رحمته تعالى المناضل عبد الجواد صالح رئيس بلدية البيرة في العام ١٩٧٢ واحد أبرز أعضاء لجنةالتوجيه الوطني التي قادت النضال الفلسطيني ضد الاستيطان ، وكان أبعد إلى خارج الوطن في العام ١٩٧٣.
عرف عبد الجواد صالح قائدا وطنيا واستشهد ابنه ماهر في العام ١٩٧٤ خلال تدريبات عسكرية في لبنان .
كان عبد الجواد صالح صاحب مواقف مبدئية .
الرحمة والمغفرة والعتق من النار له ولذويه الصبر والسلوان .
٢٠٢٥
٢
غولدشتاين مرتكب مجزرة الخليل في1994 كان امس في بغداد،فقد قتل -فعل مبني للمجهول- في مسجد عراقي سبعون عراقيا وهم يؤدون صلاة الجمعة.
تصبحون على خير
٢٠١٤
٣
في نابلس تتذكر غزة :
عامرة نابلس كانت اليوم . حركة تجارية نشطة على الرغم من أن السائق الذي أقلني إلى شقتي قال على مسمعي ومسمع زميل له :
- حركة وقلة بركة .
أنا سرت في شوارع المدينة ولاحظتها تعج بالبشر ، واليوم هو السبت وفيه يأتي فلسطينيو الداخل ليتبضعوا ، فيسر البائعون ويستاء المواطنون .
التجار والباعة يبيعون بأسعار مرتفعة والمواطنون يدفعون ثمن السلعة غاليا . لو كنت مواطنا معدوم الحال لما اشتريت يوم السبت .
صباحا وعصرا كانت الحركة التجارية نشطة . هل كانت الفواكه المعروضة بضاعة فلسطينية ؟ أشك في ذلك و ... و ....
الحديث عن مقاطعة البضاعة اﻷسرائيلية في أوجه ولكن ...
أهل غزة الآن بالويل وهم يدفعون ثمنا باهظا . ماذا يمكن أن نفعل نحن هنا ولا صواريخ لدينا ؟ هل نتوقف عن الحياة ونجلس في بيوتنا .
الوضع في العراق لا يختلف عنه في غزة وكذلك في سورية ..
غزة تعيش زمني الحرب والاشتباك ونحن نعيش زمن الاشتباك . في غزة كما سمعت اليوم صباحا من إذاعة النجاح كلام يؤشر إلى زمن الاشتباك . توزيع المساعدات وعدم العدالة ، وبيع المساعدات على الرصيف و ..و ..وكنا عشنا تجربة عدم العدالة في التوزيع حيث الفصيلية والقرابة ..و ..و ..
يقطعها من عيشة عيشتنا . من 1948 ونحن شحادون لاجئون مشردون مقاومون .... عالفاضي - على الفاضي .عال فاض . والله يقطعها من عيشة يا أم سعد غسان كنفاني .. بطلت تفرق الخيمة عن الخيمة على ما يبدو وقد أكون صرت بائسا متخاذلا انهزاميا استسلاميا انبطاحيا ومع ذلك :
- طز في دولة أبناء العمومة .
٤
نابلس اليوم:
هذ ا الصباح بدأ بالدم .
صحونا على خبر قتل والد بعض أبناء المدينة المطلوبين للسلطة الوطنية ،
يوم بدأ بقدر من الألم .
منذ زمن غابت الاضرابات والاغلاقات والتخوف من يوم قادم يفتقد فيه الاستقرار الذي نعمت فيه المدينة منذ فترة .
في ساعات المساء بدا الأمر اكثر وضوحا.
شوارع المدينة خالية ،وليست كعادتها.ثمة بائعون يعرضون بقايا بضاعتهم ،وثمة مواطنون قليلون هنا وهناك ،وحركة السير قليلة، كما لو أننا في زمن الانتفاضة ،والناس يتحدثون فيما جرى: هل السلطة محقة ؟هل يجب تطبيق القانون ؟
نابلس هذا النهار كانت في حيص بيص ..قلقة محتارة موزعة بين أبنائها وسلطتها ،و...
لا أحد كان يبدو فرحا ،او هكذا خيل إلي.
23/8/2016
٥
( ومن يضلل الله فلا هادي له).
هل هناك ضرورة لرجال الدعوة إذن و لإلحاح بعض معارفك عليك بأن تصلي (قبل أن تولي ).
(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ).
وكنت أسير أمس في شارع مظلل بظلال الأشجار وكانت تضع يدها في يده. قلت للسائق ونحن نتحدث عن الأخلاق فسألني: ولم تعترض؟ فأجبت: ...نسيت بماذا أجبت.
ما شأني أنا بالأمر؟ هل أنا مطوع ؟
23/4/2017
٦
في رحيل الشاعر أحمد حسين :
أول مرة التقيت فيها الشاعر أحمد حسين كانت في 70 ق 20 .
كان أدباء فلسطين المحتلة عام 1948 يترددون على مدينة نابلس لطباعة الكتب فيها ومنهم يعقوب حجازي ومحمود عباسي ومحمد حمزة غنايم وعبد الحكيم سمارة ، وفي تلك الأثناء التقيت بالشاعر أحمد حسين و أنفقنا معا بضع ساعات تحدثنا فيها عن الأدب الفلسطيني .
لا أذكر من حديثنا الآن شيئا إلا دفاعه عن أخيه راشد ووقوف الأخير في وجه إميل حبيبي والحزب الشيوعي الإسرائيلي ، وما لا أنساه أبدا رأيه في روايات غسان كنفاني ،وهو رأي أوردته قبل شهر وبضعة أيام في ذكرى غسان.
لم ير أحمد حسين في روايات غسان كنفاني روايات فنية قدر ما هي موضوعات إنشاء.
هل كان الشاعر/ القاص نظر نقديا لرأيه الذي لم أعد أذكر تفاصيله وعلام اعتمد؟
لا أعرف كتابة نقدية مدونة منشورة لأحمد حسين في روايات غسان كنفاني لأعود إليها اقرأها وامعن النظر في صواب رأيه وعدمه.
لأحمد حسين مجموعة قصصية بعنوان "الوجه والعجيزة "يعدها بعض أدباء الأرض المحتلة انضج مجموعة قصصية من ناحية فنية وقد صدرت عن منشورات "الصوت "في الناصرة في 80 ق20 ،ومع هذا لم تجعل منه الصوت القصصي الأبرز الأشهر ،فلم يلتفت إليه قاصا التفات الدارسين لقصص إميل حبيبي ومحمد نفاع ومحمد علي طه .
ا لأنه لم يتابع كتابة القصص فمجموعة واحدة لا تكفي أم لأنه لم يكن مباشرا في كتابته ولجأ إلى الرمز وعدم المباشرة أم لابتعاده إلى حد ما عن منابر الحزب الشيوعي الإسرائيلي التي لم يقاطعها ولكنه لم يكن من كتابها؟ لقد نشر أحمد حسين في هذه المنابر باسم مستعار هو أحمد ناظم وغالبا بإلحاح من سميح القاسم، فقد كانت ثمة علاقة تربط بينهما على الرغم من وجهة نظر أحمد السلبية في سميح من حيث حب الأخير الظهور- مؤخرا سمعت قصة طريفة جدا في هذا الشأن-
عرف أحمد حسين شاعرا غاضبا متمردا أيضا في 70 ق20 من خلال مجموعته "زمن الخوف" و"ترنيمة الرب المنتظر " وكانت لغته فيها صادمة ،بخاصة فيما يخص الموقف من الذات الإلهية. كما لو أن الشاعر خرج في حينه من معطف مظفر النواب.
لم تلفت أشعار أحمد حسين أنظار النقاد فلم يلتفتوا إليه التفاتهم إلى أشعار أخيه راشد حسين. كما لو أن شهرة راشد غطت على احمد وكما لو أنه نظر إليه على أنه يريد أن يشغل الفراغ الذي تركه أخوه. هل كان ضحية أخيه؟
في بداية 90 ق20 التقيت بالشاعر في جامعة النجاح الوطنية مرارا فقد درست فيها كريمتاه وتردد عليها وكلما حضر زارني وتحدثنا معا عن راشد ومحمود درويش وسميح القاسم. وأحيانا كان الحوار يستمر ساعات فقد كان أحمد مثقغا ثقافة واسعة وكانت لديه قدرة على الجدل لافتة. ومنذ تخرجت كريمتاه من الجامعة ما عدنا نلتقي.
لم أره منذ 20 عاما ومنذ عام أقامت جامعة القدس المفتوحة في نابلس ندوة/ مؤتمرا لذكرى المرحوم راشد وقد سألت عن أحمد فأخبرت ا ن حالته الصحية صعبة وأنه ما عاد قادرا على المشي. ولقد حزنت لما آل إليه حزني لعدم رؤيته.
هل كان الشاعر أحمد حسين مفكرا وصاحب ايديولوجية أكثر منه أدبيا؟
ايا كان الأمر فإنه شخصية مؤثرة لا تنسى بسهولة.
في وداعه ليس لي إلا أن أبدي احترامي له وأنشد له الرحمة.
لقد رحل أيضا في شهر آب شهر رحيل ناجي العلي ومحمود درويش وسميح القاسم وعبد اللطيف عقل وسميرة عزام.
أحمد حسين وداعا.
23 / 8 / 2017
٧
وجودية (سارتر):
من نادي مخيم عسكر القديم سمعت بالفلسفة.
كان المسؤول عن النوادي في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وهو السيد عبد المنعم البوز، درس الفلسفة في جامعة دمشق، ومرة طلب منه الأكبر مني سنا أن يحدثهم عن أسماء فلسفية شاعت في 60 القرن 20.
في 1975 أقمت في بيت في جبل الحسين صاحبته سجانة لها فتاة متعلمة وعثرت في كتبها على قصص"الجدار" ل (سارتر )فقرأتها، ومن كتب الأدب العربي الحديث بدأت اقرأ عن الوجودية و...
على الأرجح أنني سأكتب مقال الأحد عن صلتي بالوجودية.
لما قرأت "الغريب" ل(البير كامو) لم ترق لي مع أنها حصلت على جائزة (نوبل ).
أحيانا ذائقتي (هردبشت).
23 آب 2018
٨
ناجي العلي: تداعيات وتساؤلات
في العيد تزاحمت الأفكار التي أرقتني لأكتب فيها:
1-صلتي بالوجودية،
2-بساطة السرد في روايات (جنكيز ايتماتوف ) مقابل صنعة الكتابة لدى ثلاثة روائيين؛ وليد الشرفا"وارث الشواهد "ويوسف العيلة "أحدب نابلس "وإياد شماسنة "الرقص الوثني "،
3-ذكرى ناجي العلي (1987- 2018-أي 31عاما على الغياب).
إن لم أكتب عن ناجي فلن أكتب لأن الذكرى ستكون مرت.
في 1987، يوم رحيله كتبت بضمير المخاطب : "إن زرت لندن "تقول":"فسوف أزور قبره و سألم جثته وأعيدها إلى الشجرة " واقرأ الفاتحة على روحه. ولم أزر عاصمة الضباب، ولما زارتها طالبتي الصحفية نائلة خليل وزارت قبر ناجي ووضعت باقة من الزهور عليه قلت: ها هي تنفذ ما نويت عليه.
خلال السنوات الثلاثين الأخيرة التي غاب عنا فيها جسده وكاريكاتيره الجديد المنتظر،كل صباح، لم تغب عنا رسومه التي أنجزها ولم يغب عنا حنظلة، ولطالما تذكرنا ناجي في أيامنا الصعبة ،وظل حنظلة مرافقا لي كأيقونة ،إما في سلسلة المفاتيح وإما معلقا على جدار غرفة الضيوف.
ولا أعتقد أن هناك رسام كاريكاتير فلسطيني لفت نظري بعد ناجي،لأتابعه بالدرجة نفسها .
قبل رحيله كنت مثل آخرين أفتح الصحيفة وأنظر إلى الصفحة الأخيرة، وبعد رحيله كنت ابتديء بقراءة الصفحة الأخيرة يوم الجمعة فقط لقراءة مقال فاروق وادي، فلما توقف عن الكتابة كففت عن النظر في الصفحة الأخيرة أولا .
كما لو أن فن الكاريكاتير بعد ناجي -لي شخصيا على الأقل، انتهى وما عاد قائما.
مؤخرا خطرت ببالي أسئلة عديدة حول رسوماته، منها ما يتعلق بعلاقته بالمرأة. تذكرت علاقة كنفاني بغادة السمان وعلاقة درويش بريتا وعلاقة سميح القاسم ب ( نوريت)وتساءلت عن المرأة المحبوبة لدى ناجي، وسرعان ما غضضت النظر. ثمة المرأة الفلسطينية التي تعاني إلى جانب زوجها الذي يعاني، و أما المرأة التي لم تكن كادحة ولم تقم في بيوت الصفيح،وإنما أقامت في بيوت راقية ،فكانت موضع نقد كلفه غاليا.
هل أحب ناجي العلي امرأة غير امرأته واسهم الحب في اشتعال موهبته؟
أسئلة أخرى أكثر أهمية ألحت على ذهني أكثر ؟
ماذا لو عاش ناجي في المخيم الفلسطيني بعد نبوغه،وقضى جل وقته فيه؟ أو لو أقام في مدينة أو قرية فلسطينيتين وعاش تفاصيل حياتنا اليومية ؟
يكاد الكاريكاتير الاجتماعي يكون غائبا عن رسومه. إن الكاريكاتير السياسي اللاذع هو ما يغلب . انتقد النظام العربي الرسمي وموقفه من القضية الفلسطينية، وانتقد الفصائل الفلسطينية وقادتها ، ولكن ماذا عن نقد الحياة اليومية للإنسان الفلسطيني في مكان سكنه وفي علاقته بأقاربه وجيرانه ومعارفه واصدقائه-أعني التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان؟
في حياتنا اليومية غالبا ما نشتبك مع بعضنا البعض. نشتبك مع إخوتنا ومع جيراننا ومع زملائنا ومع سائقي الحافلات ومع مديري المؤسسات التي نعمل فيها ومع..ومع...ببساطة إننا نعيش زمن الاشتباك الذي كتب عنه غسان كنفاني في قصته "زمن الاشتباك/ الصغير يذهب إلى المخيم" وهذا الجانب مفتقد في كاريكاتير ناجي.
أحاول أن أجد تفسيرا لما سبق. أهو الانشغال بالهم العام الأشمل أم بعد ناجي عن المخيم الفلسطيني أو المدينة أو القرية الفلسطينيتين، هو ابن مخيم عين الحلوة؟
استقر الفنان في بيروت وأخذ يزور المخيم ثم استقر في الكويت قبل أن ينتهي به المطاف في لندن.
حين أقارن بين خربشاتي/ كاريكاتيري اليومي على ال(فيس بوك ) ورسومات ناجي أجدني ألتفت إلى تفاصيل الحياة اليومية: حديث سائق الحافلة وركابها، المشاكل مع الإخوة والزملاء، نظافة الشوارع واتساخها،أسعار الفواكه والخضار، حديث المقاهي، ضعف مؤسساتنا التعليمية وضعف الإنتاج العلمي فيها. ببساطة الحظ تفاصيل الحياة اليومية. أهو لأنني أعيش في المدينة الفلسطينية التي غدت تضم المخيم والقريةمعا، لا في مدينة فيها الفلسطينيون أقلية؟
وحين أمعن النظر في المشهد الثقافي الفلسطيني الآن أتساءل: هل هناك مثقف أو فنان فلسطيني له سطوته وحضوره البارزان اللافتان، كما كان ثمة حضور وسطوة لرسوم ناجي وقصائد درويش وقصص كنفاني ورواياته؟ (ربما يعود عدم الاكتشاف لتقصيري)
وأحيانا أفتقده بقوة. احيانا أمعن النظر في مؤسساتنا وأقول: كل مؤسسة تحتاج إلى فنان ساخر لاذع جريء مثل ناجي،فالعيوب كثيرة، فكيف يمكن أن نحاربها ونتخلص منها؟ولكني أخشى على من ينتقد ،فقد يكون مصيره مصير ناجي.
في واقعنا اليومي ما لا يسر. أشياء كثيرة تغيظ وتقهر وتتطلب منا أن نبدي رأيا فيها لنقومها، ولكن هذا يعني أن نفقد المزيد من الأصدقاء، كما حدث مع ناجي في سنواته الأخيرة.
أحيانا أتساءل:
هل اختلف ما عبر عنه ناجي، بريشته، بجرأة ،عما عبر عنه غسان كنفاني في رواياته أو في مقالاته التي نشرها باسم مستعار هو "فارس فارس" أو ما عبر عنه درويش في بعض قصائده مثل قصيدة "الأرض "أو قصيدة "عابرون في كلام عابر" أو بعض مقالاته النثرية في هجاء العالم العربي؟
في قصيدة "الأرض " كتب درويش "سنطردهم من هواء الجليل "
ولطالما كتب بحدة عن النظام العربي وقد انتقد في "ذاكرة للنسيان"الثورة انتقادا حادا جريئا.
كان ناجي فنانا يعبر عما يراه ولم يكن سياسيا يسايس، وحين ننظر في تجربة اميل حبيبي ألا نرى أنه كان يعبر في الأدب عما يعتمل في قلبه ولا يقوى على التعبير عنه في مقال، وقد أقر هو بهذا. وماذا لو لم يكن اميل يعمل بالسياسة واقتصرت كتابته على كتابة النصوص الأدبية؟
الأسئلة كثيرة والمساحة محددة، وكما كتبت: أنه شهر آب ،شهر الفقدان: إحسان عباس ومحمد القيسي وسميرة عزام ودرويش والقاسم وعقل وأحمد حسين شقيق راشد حسين و....
٩
اقتراح حديقة المنزل هذا الصباح :
مثل دجاجة الحسيني كانت حديقة دارنا هذا الصباح .
أوحت دجاجة الحسيني ( مذكرات دجاجة ١٩٤٣ ) له بكتابة فلسفته في الحياة على لسانها ، وكذلك كانت لي الحديقة هذا الصباح .
قالت لي الحديقة :
- ماذا لو توقفتم عن القيام برحلات إلى فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ لمدة عام وجمعتم المبالغ التي تدفعونها و أنشأتم فيها حدائق عامة في مدنكم ؟
وواصلت الحديقة كلامها :
- وبعد ذلك تقومون بالرحلات من جديد ؟
والصحيح أنني فكرت في أن أسأل أهل بيتي عن مقدار المبالغ التي دفعوها في العام الماضي على الرحلات التي قاموا بها .
لدينا حديقة منزل لا يلتفت إليها إلا نادرا ، وأنا على يقين من أننا لو أنفقنا الأموال التي دفعناها على الرحلات في تجميل الحديقة وإصلاحها لكان لدينا حديقة غناء أجمل من الباذان ورمات غان وما شابه .
نحن نمدح الإسرائيليين وما قاموا به في تجميل بلادنا ونكون مازوخيين نجلد ذاتنا ونشتم أنفسنا ويعلن قسم منا أن اليهود يستحقون بلادنا وأننا لا نستحقها ولكننا لسنا مستعدين لفعل القليل من أجل أن نبرهن لأنفسنا أننا جديرون بفلسطين .
صباح الجمعة
٢٣آب ٢٠١٩
١٠
الست كورونا : بيوت العزاء ثانية ( 54 )
أمس انتقل جار لنا ، يعد مسافة بمثابة سابع جار وإن كنا نعرفه من قبل أربعين عاما وأكثر ، انتقل إلى رحمته تعالى ، وقد أخبرني أخي بالحدث ، وذهبنا معا للقيام بواجب العزاء ، مع أنني أتردد بالمشاركة في الأتراح والأفراح منذ شرفت الست كورونا وحلت علينا ضيفا ثقيلا " زوجك إن أراد الله " ، كما يقول المثل .
لم يتم تقبل واجب العزاء في صالة ، كما هي العادة في منطقتنا ، حيث هناك قاعة مخصصة في المسجد تقع في الطابق الأرضي ، وإنما تقبل في بيت المرحوم .
كان عدد الحضور قليلا ، فكلما حضر عدد من المعزين غادر الذين جاؤوا قبلهم ، وكالعادة قدمت القهوة السادة والتمر .
لأول مرة منذ حلت بنا الكورونا أذهب إلى بيت أجر ولأول مرة أشعر بالخوف ، علما بأن الكمامة بيدي ، ولم أتردد بمد يدي للسلام على أبناء الفقيد .
ضيق المكان وعدم الجلوس طويلا قلل من فرص الغيبة والنميمة وفرض جوا من الحزن وعدم تبادل النكات ، فغالبا ما تسود بيوت الأجر أحاديث جانبية يتخللها مزاح ودعابات ونميمة و .. و .. وما لاحظته كان خطوة متقدمة في باب تأدية العزاء وأتمنى أن يتواصل .
هل ستتلاشى أيضا عادة تأدية تقديم الطعام الذي يذهب ثلثاه هدرا ويثقل على الناس ؟
مسكين الرز فلا حظ له ولا إقبال عليه إقبال الناس على سدور الكنافة التي غالبا ما تلتهم ويسأل الناس ، كما جهنم :
- هل من مزيد ؟
*******
كانت النكتة السائدة الساخرة من الرفاق ، لقلة عددهم ورغبتهم في تكثير المنتمين إليهم وتضخيم حزبهم ، تتجسد في سطر شعري هو " رفيق الرفيق رفيق وسابع جار لجار الرفيق رفيق " و ... .
٢٣ آب ٢٠٢٠ .
١١
ما أوسع الفكرة ... ما أصغر الدولة !! " فليطلق سراح الشاعر زكريا محمد "
الخبر اللافت الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أمس هو خبر اعتقال الشاعر زكريا محمد .
لم أتفاجأ شخصيا بما حدث ، فقبل أسابيع كتب عريب رنتاوي مقالا أتى فيه على كتابات زكريا وخشي عليه من الاعتقال ، وأعاد زكريا إدراج المقال على صفحته ، وعقبت شخصيا عليه وعبرت أيضا عن مخاوفي من التعرض له بسوء .
كان زكريا واحدا من كتابنا الذين وازنوا بين السلطة الفلسطينية والحريات التي تمنحها لشعبها وبين أنظمة الحكم العربية وانحاز للسلطة ، ذاهبا إلى أنها أفضل حالا ، فمساحة حرية الرأي لديها أوسع وأرحب ، وكان الشاعر محمود درويش كتب في " حالة حصار " الشيء نفسه :
لنا إخوة خلف هذا المدى
إخوة طيبون ، يحبوننا ، ينظرون إلينا
ويبكون ، ثم يقولون في سرهم :
" ليت هذا الحصار هنا علني ... "
ولا يكملون العبارة : " لا تتركونا
وحيدين .. لا تتركونا " .
ومنذ مقتل الناشط الاجتماعي نزار بنات نذر زكريا نفسه للكتابة ضد التسلط ومحاصرة النشيطين ، مطالبا السلطة الفلسطينية أن تتخذ موقفا ضد التغول الاستيطاني وضد الممارسات الإسرائيلية المتمثلة باقتحام مراكز الشرطة الفلسطينية وقتل الفلسطينيين فيها بدم بارد .
لم يصمت زكريا ولم يهادن هو الذي نشأ مع المقاومة الفلسطينية ونذر حياته لأجلها ولأجل تحرير بلاده . لقد ظل يدافع عما نشأ عليه وتربى في ظلاله وقد رأى ما رأى وما آلت إليه اتفاقات أوسلو بعد ٢٨ عاما من توقيعها .
- لم تقم الدولة
- لم يتوقف الاستيطان
- صارت السلطة الفلسطينية سلطتين
- لم يتحرر الأسرى .
وتأكد من أننا لسنا استثناء ، وأننا كذبنا على أنفسنا حين قلنا ذلك ، والعبارة لشاعرنا الوطني محمود درويش .
أمام اعتقال الشاعر لا بد من إعلان رأي ، تماما كما كان لا بد من إعلان رأي يوم تعرض وزير الثقافة الحالي ، وهو في غزة ، إلى الضرب على أيدي أفراد حركة حماس بسبب آرائه ، وكما كان لا بد من إعلان رأي يوم قتل نزار بنات .
غالبا ما أكرر إن الرئيس الفلسطيني أبو مازن رجل مثقف وعاقل ولا يمكن أن يسمح باعتقالات على حرية الرأي مهما كتب الكتاب ، ما لم يدعوا إلى القتل .
منذ ١٩٩٣ وأنا أخاف من أن نصل إلى ما وصلنا إليه ، ولقد كتبت هذا في نصي " ليل الضفة الطويل " :
" وكنت أتخيل كيف سيكون الأمر لو فصلوني من عملي . كنت أقول همسا :
" أما أنا فلا فاطمة عندي ولا محمد "
وأتابع :
" وعلى الكاتب أن يعيش جوالا "
وأواصل :
" وما دام السلام سيحل فيمكن للمرء أن يهاجر ، ولن أكون في مثل هذه الحالة مثل عبد اللطيف عقل المرحوم الذي قال :
" أنا نبض التراب دمي
فكيف أخون نبض دمي وأرتحل "
لقد ارتحل والاحتلال ما زال جاثما ودون أن يفصل من عمله ، أما أنا فسأرحل بعد أن أفصل وبعد اقتراب زوال الاحتلال وقيام الدولة العتيدة .
وكنت أهمس :
" شعب لا يحتمل وجود نص أدبي فكيف سيتقبل المعارضة ؟" .
إنني آمل أن يتم إطلاق سجناء حرية الرأي فورا و :
- لا لاعتقال زكريا محمد
- لا للاعتقال السياسي
- لا للاعتقال على حرية الرأي .
مرة كتب الشاعر مظفر النواب :
" خجلت أقول له :
- قاومت الاستعمار ، فشردني وطني " .
و
" ما أوسع الفكرة .. ما أصغر الدولة !! "
٢٣ / ٨ / ٢٠٢١
١٢
زكريا محمد : بذور روايته " عصا الراعي " في شعره
غيرة مرة توقفت أمام نثر محمود درويش وأفدت منه في دراسة شعره وذهبت إلى أنه يكتب الفكرة أحيانا شعرا ونثرا ، وعندما تجادلت مع فاروق مواسي حول قصيدة " تحت الشبابيك العتيقة " ، إن كانت قصيدة قدس ، كتبت مطولا تحت عنوان " إشكالية قصيدة القدس " مفسرا بعض مقاطع القصيدة بما كتبه الشاعر نثرا في " يوميات الحزن العادي " .
كتب زكريا محمد أيضا الشعر والنثر وسئل غير مرة عن هذا ، فعرف نفسه بأنه كاتب والكاتب يكتب الشعر والنثر والمقالة ويمكن أن يكون أكثر من ذلك .
في لقاء مبكر معه أجرته وداد البرغوثي ، بعد أن أصدر روايته " العين المعتمة " ( ١٩٩٦ ) قال إن " الرواية فن كتابي مثل المسرح . الكاتب يمكن أن يكتب بكل الأشكال ، والكاتب يستطيع أن يدخل أي باب من أبواب الكتابة . أنا لا أسمي نفسي شاعرا ، ولكن أسمي نفسي كاتبا ، وإن كان الشعر يغلب على كتاباتي . روايتي يمكن أن أعدها بهذا الشكل أو ذاك ديوانا رابعا لي ، فهي تمتليء بالشعر ، ويمكنني أن أنزع منها مقاطع كثيرة وأن أنشرها كقصائد .... إن الإنسان بوسعه أن يكون كاتبا وشاعرا وبحاثا ومقاتلا " .
وعاد وعزز ما ذهب إليه في مقدمة كتبها لإصدار مختارات شعرية له كان من المفترض أن تصدر له في القاهرة ، ولما لم تصدر نشر ها في كتابه " الراهب الكوري " ( ٢٠٠٥ ) تحت عنوان " الشعر والبندورة " وكتب فيها " أنا اومن أن الانسان بلا حدود . إنه قادر على أن يكون شاعرا ونحاتا ورساما وتاجرا وكل شيء . إنه فقط بحاجة إلى الجهد والوقت ، وإن استطاعهما استطاع أن يكون ما أراد ، وهكذا جربت الرسم والنحت وكتابة المسرح والرواية وقصص الأطفال ، لكن الشعر ظل سيدي الأول ... " .
سقودنا هذا إلى سؤال السلالة في كتاباته وصلة نثره بشعره ، فهل يمكن أن أذهب إلى ما ذهبت إليه في أثناء دراسة درويش ، وهل يمكن القول إن بذرة رواياته موجود في شعره ؟
هنا أقصر الكتابة على روايته " عصا الراعي " التي أصدرها بعد نشره أربع مجموعات شعرية ، وسوف أتتبع فكرتين اثنتين برزتا فيها هما " الأخ الثاني " و " اللعب " وهما تتكرران في نصوصه الأخرى ومقالاته التي نشرها في الكتب أو في الصحف .
إن فكرة الأخ فكرة محورية في " عصا الراعي " حيث يغيب الأخ الأكبر ويكون على الأخ الذي يليه أن ببحث عنه ، وسنعرف من الرواية أنها فكرة قديمة ظهرت في الآداب القديمة بأشكال مختلفة موازية ومعاكسة ، وهو ما كتبته في مقال الأحد الماضي .
لم أقرأ أشعار زكريا كلها لأتتبع كتابته عنها كتابة تعاقبية ، ولدي من دواوينه ديوان " الجواد يجتاز أسكدار " ( ١٩٩٤ ) ، وفيه نقرأ قصيدة عنوانها " الأخ الثاني " كتبها في ٢ / ٩ / ١٩٩٢ ونصها :
" الأخ الثاني
كان ظلك علي / وكنت وراءك / وحين سقطت في حفرة الموت / صرت أنا الأول / كبش القطيع الذي بلا قرنين / أنا أول الصدفة / لكنني ثانيا سأظل إلى أبد الآبدين / أضع الحافر فوق الحافر / أتبع خطى لا ترى / في هذا الليل البهيم " .
وبعض أسطر القصيدة ترد حرفيا في الرواية " وضع الحافر فوق الحافر " .
الدال الثاني هو " اللعب " ويكمن عميقا في لاوعي زكريا ، ولهذا تكرر أيضا في شعره ومقالاته وفي الرواية .
في " الجواد يجتاز أسكدار " قصيدة عنوانها " البيضة والحجر " وفيها :
" لعبت في صباي بالبيضة والحجر :
كانت البيضة شمسي / والحجر أنثاي / وفيما بينهما كان ينقر دوري مصيري / فيما بعد / بعد أن طحنت وعجنت وخبزت / وخرجت ملفوحا بالنار / صرت ألعب - بالصبر ذاته - لعبة الوردة والبيضة / والحجر : / الوردة ذاكرتي / والحجر منفاي / والبيضة تقتل على المنضدة أمام عيني / حتى يزوغ بصري / وأهوي مثل قتيل على خطوط الأبلكاج الملساء "( ٦ / ٩ / ١٩٩١ ) .وفي قصيدة " النجم " تلعب الريح في مذود الماشية " .
في " عصا الراعي " تكرر دال اللعب تكرارا لافتا . أمام الحاجز الإسرائيلي " يلعب معك الجنود لعبة الإذلال ويعذبونك بمتعة " وحين يبحث عن أخيه بلا جدوى يتعب من لعب دور الابن الأكبر الذي لم يتقنه أبدا " ذلك أنني لم أتمكن من لعب دور الابن الأول " ، والرجل الفضولي الذي التقى به في المقهى " أهو هو أم شيء آخر ؟ أيلعب لعبة صغيرة معي أم أن اللعبة أكبر وفيها أكثر من لاعب ؟" " وأنه يلعب على موضوع أخي من أجل هدف ما ... هذا الرجل يريد أن يدفع بي إلى الجنون " . ويلعب السارد مع أبيه لعبة الابن الأكبر ، مع أنه الثاني ، كما أنه يلعب بالنصوص فقد " خلق الله الإنسان لكي يلعب بحفنة من النصوص . هذه هي اللعبة الكبرى التي رماها لنا فغرقنا فيها " ، وكما يلعب بالنصوص تلعب هي به . هكذا يقوده البحث عن أخيه إلى قابيل وهابيل وعيسو ويعقوب والزير سالم وكليب وجلجاميش وأنكيدو وإياد وأيمن " أنا هامش على متن قديم . هامش على متن معروف . هامش على هامش على هامش " ويلعب أيضا على الألوان وعلى الحاضر والماضي و ... و ..
في سؤاله : كم قصيدة يكتب الشاعر ؟ يجيب :
" يحتاج الشاعر إلى سنوات كي يأتي بقصيدة جديدة . سبع سنوات قد تكفي لذلك ، وحين يحصل على واحدة فهو يقضي سنوات يلعب بها أو يلعب عليها . إنه مثل أن تحفر بئرا ثم تنضح من مائها إلى أن تجف ، فتضطر إلى حفر بئر غيرها . لدى الشاعر خمس قصائد على أبعد تقدير . ما تبقى إنما هو تكرار لهذه القصائد " .
قديما قال شاعر " ما أرانا نقول إلا معادا مكرورا " وبعده قال ( غوتة ) : " ليس الشعراء العظام شعراء كبارا لأنهم أتوا بأشياء جديدة ، وإنما هم كذلك لأنهم أظهروا الأشياء كما لو أنها تكتب لأول مرة " .
٢٣ و ٢٤ / ٨ / ٢٠٢٣
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢٧ / ٨ / ٢٠٢٣ )
١٣
زكريا محمد ونزعة جلد الذات / المازوخية :
هل كان زكريا محمد مازوخيا ؟
لا أعرف إن كان هناك من تتبع نزعة جلد الذات في الأدب الفلسطيني بعامة ؟
هل ظهرت أصلا هذه النزعة في أدب المقاومة أو في الأدب الفلسطيني قبل النكبة ؟
حتى هزيمة حزيران التي تركت أثرا سلبيا في بعض الأدباء العرب فكتبوا نصوصا ؛ شعرية وروائية ظهرت فيها المازوخية بوضوح ، مثل نزار قباني ومظفر النواب وعبد الرحمن منيف ، حتى هذه الهزيمة لم تجعل من الفلسطينيين مازوخيين ، وعلى العكس فقد دفعتهم إلى المقاومة الإيجابية .
تتطلب الكتابة عن النزعة المازوخية في الأدب الفلسطيني تقصيا وبحثا ، ولكني شخصيا لم أتذكر الآن نصوصا لافتة .
في " عصا الراعي " يبدو السارد / زكريا مازوخيا في أكثر من مكان .
حين صادق رجلا التقاه في المقهى مثلا وسار وراءه دون أن يتأكد من صدق نواياه ، فخدعه الرجل وصار يتلاعب به يكتشف السارد أنه أحمق :
" أنا أحمق . حمار كبير . لقد اصطادني "
" وكنت أطمح إلى أن أكون فيلسوفا . هكذا بكل بساطة . لكنني بدل أن أبدو كفيلسوف بدوت مثل حمار قبرصي . وأخذ عرق الخزي يتصبب من جبيني "
" وأنا الغبي الذي أخدع بكل تافه ظننت أنني أعثر على فيلسوف . فيلسوف الحراذين والفئران . يا لي من غبي مغرور . يا لي من أحمق عثر على كرة زجاجية فظن أنه عثر على كوكب جديد ."
" هكذا أنا دائما ، لا أتابع ما ابدأ ، ولا أصل إلى شيء إلى نهايته "
وحين يجلس في مقهى ( كانباتا ) ويرى رجلا ينظر إليه يتساءل إن كان يعرفه فيفكر في مخاطبته ولكنه يتراجع
" أرجوك دعني وحدي . أنا بقرة لا تتذكر . تحدق بعينيها الحمقاوين ولا تذكر شيئا . هي لا تذكر إلا عجلها . أنا أبحث عن عجل ما ( الأخ المفقود . ع . ا ) . أريد هذا العجل . لا أعرفك . لا أريد أن أعرفك "
" يئس الرجل مني اخيرا. يئس من وجهي . يئس من سفالتي ... " .
" أطوف بجنون . أنا في الواقع مجنون أو أكاد أصل إلى الجنون .. بت أكره السياسة "
وتنتهي الرواية بالسطرين الاتيين :
" وكنت أرغب في الموت
أرغب فيه حتى النهاية " .
هل كان زكريا محمد في وقت ما مازوخيا ؟
من قرأ نصوصا أدبية فلسطينية تظهر فيها نزعة جلد الذات الفلسطينية لا العربية ، والأخيرة موجودة في شعر الشعراء الذين تأثروا بأشعار مظفر النواب ؟
٢٣ / ٨ / ٢٠٢٣
١٤
يوميات غزة ( ٣٢٢ ) :
أحمد دحبور والخروج من حيفا
رحم الله الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور الذي تمنى لو أن أباه ذبحه ولم يلجأ به ومعه إلى خارج فلسطين .
عندما حدثت النكبة كان أحمد في الثانية من عمره " كنت ملفوفا بعامين من الكرمل " كما كتب في إحدى قصائد ديوان " هنا ... هناك " ( ١٩٩٧ ) ، فحيفا هي الجنة ، كما كانت أمه تقول له وهما في مخيم اللجوء ، وحين زار الناصرة وحيفا تساءل إن كان حقا فيهما أم أنه تراه يحلم .
استقر أحمد في غزة ولما حدث ما حدث في ٢٠٠٧ غادرها عائدا إلى الشام ليستقر فيها ، ولكنه سرعان ما غادرها ، بسبب أحداث ٢٠١١ ، عائدا إلى رام الله ليستقر فيها حتى وفاته .
منذ بداية الحرب الدائرة حاليا في قطاع غزة وأنا أتذكر أحمد ، فقد كانت علاقتنا منذ التقينا في ١٩٩٧ جيدة وطالما استقبلته في نابلس وزرته في رام الله ، ومنذ بداية الحرب وأنا أتساءل :
- ماذا لو امتد به العمر وشهد أحداث غزة في غزة لا بعيدا عنها ؟ أسيلوم أباه أم أنه سيعذره ؟
هل قسونا من قبل على أهالينا لخروجهم من مدنهم وقراهم في العام ١٩٤٨ ؟
كم من أديب من أبناء قطاع غزة سرعان ما غادرها حين تمكن من ذلك ، قبل الحرب وفي أثنائها ؟
غالبا ما نكرر " عند الامتحان يكرم المرء أو يهان " ، ومنذ وعينا ونحن نصر على البقاء في أرضنا آخذين بنصيحة إميل حبيبي " باق في حيفا " .
أعتذر لأبناء قطاع غزة ممن لا تروق لهم كتابتنا ، إذ كثر الهجوم منهم علينا باعتبارنا " طخيخة الكي بورد " . قسم يطلب منا بأدب جم أن نصمت ونترك لهم هم أن يعبروا عن معاناتهم وقسم وصلت معه حد " منخاره " فضاق ذرعا وصار يشتم - ولا يلام . إنها الحرب . إنه الحصار . إنه الجوع . إنه الفقد واليتم وفقدان المأوى ورؤية الدبابات تقترب من الخيمة ، بل والموت في مراكز الإيواء قصفا من الطائرات والصواريخ والقذائف و ... .
أمس قرأت في صفحة محمد العطار منشورا يعبر فيه عن ندمه لأنه لم يغادر غزة في بداية الحرب ، وأمس أصغيت إلى ثائر سعيد رمضان يهاجم دشر رام الله والعالم العربي الذين يجلسون في المقاهي وينطقون باسم غزة . هل " سأواصل مجرى النشيد ولو أن وردي أقل " ؟ والعبارة لمحمود درويش .
٢٣ / ٨ / ٢٠٢٤
١٥
غزة 687 :
لقد اعتدنا الخبر .. لقد اعتدنا المشهد
في صفحة الناشط ساري الحسنات Sari Alhassanat نقرأ الآتي :
" استشهاد ابن خالتي / صهيب أبو لباد ليلتحق بإخوته وأمه الذين استشهدوا في بداية الحرب " .
وأظن أن ما من صفحة ناشط غزاوي يكتب عما يجري خلت من خبر كهذا .
لقد صار الخبر السابق مألوفا ، وصرنا نقرأ ما هو أبعد مما يعبر عن قسوة الحياة هناك . صرنا نقرأ عبارات مثل " الشهداء هم الناجون " و " من مات نجا " و " أطفال غزة يتمنون الموت ليأكلوا في الجنة الموز والتفاح والخبز ، ولكي يجتمعوا مع من فقدوا من أهاليهم " .
الناشط نفسه أدرج عن صفحة Lina Smoudi صورة لفتاة مبتورة الرجل اليمين تجلس على سرير المشفى ، والكتابة عن أوضاع المشافي تبعث الكآبة ، وما عليك إلا أن تقرأ ما كتبه الناشط فايز أبو رزق Fayez Abu Riziq أمس تحت عنوان " لماذا يجب إيقاف هذه الحرب ؟ " لكي تعقب مثل ما عقبته أنا أمس ، حين أعدت ، على صفحتي عادل الأسطة ، إدراج منشوره " أشبه بالجنون . غزة. سلامة عقول أبنائها " .
أمس بدأت الإشاعات في غزة تنتشر . ثمة نزوح من المدينة نحو الجنوب ، وهناك من يصر على البقاء مثل د. هيا فريج التي كتبت تصف ما تعيش .
الحالة أكثر من تعبانة ! الحالة خر ...
٢٣ / ٨ / ٢٠٢٥
١٦
غزة 687 / 2 :
شعب تحت التجويع
على مدار سبعة وسبعين عاما كانت العبارة " شعب فلسطيني تحت الاحتلال " . اليوم صباحا صارت " شعب غزة تحت التجويع " .
كان محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal مراسل إذاعة " أجيال " يحكي عن المجاعة في غزة . ذكر أسماء بعينها تموت جوعا ، فلا تجد وجبة طعام ؛ لأن ما توزعه التكية لا يكفي لنصف عدد سكان المخيم ؛ مخيم الخيام طبعا .
حكى محمد عن أبناء يتناولون وجبة الإفطار - إن حصلوا عليها - في الثالثة عصرا . حكى عن آباء يتألمون ؛ لأنهم عاجزون عن توفير الطعام لأطفالهم ، وحكى عن أطفال لم يبق منهم سوى جلد وعظم ؛ أطفال يتحسرون .
وأمس كتب عبد الكريم عاشور Abed Alkarim Ashour في الموضوع نفسه " شعب غزة من جوع لجوع " ، وهذا تجسد عينيا في حكي محمد الأسطل ، فقد أورد أسماء عائلات رآها وتحدث معها .
بعض أطفال غزة يتمنون الموت شهداء حتى يحصلوا ، في الجنة ، على طعام .
الصورة قاتمة وأمس أعلنت الأمم المتحدة أن غزة تعاني من مجاعة .
دبرها يا الله ! فلم يدبرها مستر ( دل ) ولا مستر ( دونالد ترامب ) المرشح للحصول على جائزة ( نوبل ) للسلام .
حالة تعبانة وأكثر !
٢٣ / ٨ / ٢٠٢٥
١٧
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
شعب تحت المجاعة
تقرير الأمم المتحدة في ٢٢ / ٨ / ٢٠٢٥ عن المجاعة في قطاع غزة .
في صباح السبت ٢٣ / ٨ / أصغيت إلى محمد عمران الأسطل يتحدث إلى إذاعة " أجيال " ويستخدم عبارة " شعب تحت المجاعة " .
غالبا ما كنا في الضفة الغربية وقطاع غزة والمنافي ، بل وفي فلسطين المحتلة ١٩٤٨ ، ومنذ العام ١٩٦٧ ، نتحدث في الأدبيات الفلسطينية بعامة عن الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال . ربما قسم منا باستثناء قسم من الفلسطينيين في المتاطق المحتلة في العام ١٩٤٨ لم يستخدموا ، في وصف حالتهم ، تعبير " الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ، وهؤلاء اعتبروا أنفسهم جزءا من الدولة الناشئة ولو على مضض أو أخذا بقول " مكره اخوك لا بطل " .
خلال خمسة وسبعين عاما لم نستخدم تعبير " شعب فلسطيني تحت المجاعة " . حقا تحدثنا عن جوع فلسطينيين في فترات حصار معينة مثل تل الزعتر ١٩٧٦ وحرب المخيمات في لبنان ١٩٨٣ و ١٩٨٤ ، ولكن لم نحك عن شعب تحت مجاعة ناسين العبارة المألوفة " شعب تحت المجاعة " .
بعد ١٩٤٨ لم يجع فلسطينيون ظلوا في أرضهم . عملوا في المصانع والمطاعم الإسرائيلية وعملوا معلمين وموظفين . عانوا سنوات قليلة ثم تبحبحوا .
بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة تغيرت أوضاع المواطنين إذ فتحت لهم أبواب العمل وشرعت في مناطق ١٩٤٨ فتحسنت أحوالهم وصار العمل موضع نقاش أظهرته الأدبيات الفلسطينية ... .
ربما عانى الفلسطينيون اللاجئون في المنافي من الفقر ولكنهم لم يمروا بفترة جوع كالتي نشهدها في هذه الأيام في غزة .
سميرة عزام لأنه يحبهم
غسان كنفاني في رحال في الشمس والقميص المسروق
رشاد أبو شاور في روايات متاخرة عن طفولته
في أديبات ما بعد ٦٧
سحر خليفة في " الصبار "
غريب عسقلاني في " الجوع "
دال الجوع ودال الخبز المر في أعمال أدبية
ماجد أبو شرار " الخبز المر "
جلال جبارين " القمح المر " .
بعض صور محمود درويش واستعاراته:
أشتري لهم موز الهلال
يصير البدر رغيفا
قمر الفقراء
( ٢٣ / ٨ / ٢٠٢٥ )





[HEADING=2][/HEADING]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى