في الضفة، يقترب تشرين من الأرض.
فلاح يعرف أشجار زيتونه واحدة واحدة. يعرف ما زرعه أبوه، وما ورثه عن جده، وما ينتظره منه رزق عام كامل. لكنه لم يعد يحسب موعد القطاف وحده؛ يحسب الطريق إلى أرضه، والمستوطن الذي يتربص بها، والسلاح الذي يحمي السارق أكثر مما يحمي صاحب الشجرة. قد يزرع الفلسطيني، ويعتني، ويقطف، ويجمع الثمر بيديه، ثم يأتي من يسرق حصيلة تعبه تحت حماية جيش الاحتلال. وكما يُسرق الزيتون، تُسرق الأغنام والأبقار، ويصبح الدفاع عن الرزق جزءًا من الدفاع عن البقاء.
وفي غزة، لا يبدأ تشرين من الأرض.
يبدأ من السماء.
خيام ممزقة لم تقِ أصحابها حر الصيف، وينتظرها مطر الخريف. عائلات فقدت بيوتها تحاول أن تثبت قطعة قماش فوق أطفالها، وهي تعرف أن القماش لا يصد المطر، ولا طائرة إذا عادت إلى السماء.
في الضفة، فلسطيني يحاول أن يبقى فوق أرضه.
وفي غزة، فلسطيني يحاول أن يبقي شيئًا فوق رأسه.
وبين المشهدين تاريخ مكتوب في الروزنامة السياسية:
28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
انتخابات تشريعية.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يجلس نائب الرئيس حسين الشيخ أمام رؤساء تحرير وإعلاميين فلسطينيين وعرب، ويتحدث في لقاء يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا.
ليس فقط لأن الرجل نائب الرئيس.
بل لأن ما قاله مهم.
لم يكن حديثًا بروتوكوليًا، ولم يكتف بتكرار المواقف المعروفة.
كشف أن حوارًا «هادئًا» يجري مع الإدارة الأميركية منذ نحو عام، وأنه يديره شخصيًا بتكليف من القيادة لبلورة رؤية سياسية للأعوام القادمة.
وأكد أن الانتخابات التشريعية ستجري في 28 تشرين الثاني، وأن لا تراجع عنها.
وكشف عن حوار مستمر مع محمد دحلان، مستخدمًا توصيفًا سياسيًا لافتًا: الخلاف معه أصبح «خلافًا داخل البيت الفتحاوي».
وتحدث عن عدم مشاركة حماس في الحياة السياسية وفق ما قال إنها وقعت عليه مع الأميركيين، وعن شروط المشاركة في مؤسسات منظمة التحرير، وعن مليارات من أموال المقاصة تحتجزها إسرائيل، وعن ديون والتزامات مالية وصلت، وفق ما قال، إلى نحو 17 مليار دولار.
ثم وضع كل ذلك داخل إطار زمني بالغ الدلالة: ثلاثة أشهر سياسية دقيقة، ستتأثر بنتائج الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية والنصفية الأميركية.
هذه ليست تصريحات متناثرة.
حين نضعها إلى جوار بعضها، تبدأ ملامح لوحة أكبر بالظهور.
هناك مرحلة يجري التحضير لها.
رؤية سياسية تُبحث مع واشنطن.
انتخابات فلسطينية.
إعادة ترتيب محتملة داخل البيت الفتحاوي.
تحديد لموقع حماس.
أزمة مالية تمس قدرة السلطة نفسها على الاستمرار.
ومتغيرات إسرائيلية وعربية ودولية تحيط بالمشهد كله.
لهذا كان اللقاء مهمًا.
ولهذا أيضًا كان يجب أن تكون الأسئلة بحجم ما قيل.
هنا لا تبقى الكاميرا على حسين الشيخ.
تستدير مئة وثمانين درجة.
نرى الكراسي المقابلة له.
ولا أسأل: من كان يجلس عليها بالاسم؟
أسأل سؤالًا آخر:
من كان يجلس معهم؟
هل كان المجتمع حاضرًا بأسئلته؟
فالصحفي في لقاء كهذا لا يحمل دفتره وحده.
يحمل أسئلة شعب يسمع أن هناك من يناقش الآن أعوامه القادمة.
قال الشيخ: حوار هادئ مع واشنطن منذ عام.
فيسأل المجتمع:
ماذا يجري في هذا الحوار؟
ما الرؤية التي يجري إعدادها؟
دولة؟ على أي حدود؟ ماذا عن القدس، والاستيطان، وغزة، واللاجئين؟
ما الذي تريده الإدارة الأميركية؟ وما الذي تريده القيادة الفلسطينية؟ وأين الخطوط الحمراء؟
ثم يخرج من العبارة سؤال أشد حساسية:
إذا كنا ذاهبين إلى انتخابات لتجديد الشرعية، فمن يصوغ رؤية الأعوام القادمة؟
هل تُصاغ الرؤية أولًا، ثم يذهب المجتمع إلى الصندوق ليمنحها الشرعية؟
أم ينتخب المجتمع ممثليه أولًا، ثم يصوغون رؤيته؟
ليس في السؤال اعتراض على الحوار السياسي.
إنه سؤال عن حق صاحب المستقبل في معرفة ما يجري بشأن مستقبله.
وقال الشيخ: الانتخابات في 28 تشرين الثاني، ولا تراجع عنها.
عبارة حاسمة ومهمة.
لكنها تفتح الباب فورًا:
والرئاسة؟
هناك حديث رسمي عن إجرائها في الربع الأول من 2027، لكن لماذا للتشريعية يوم محدد، بينما بقيت الرئاسية في إطار زمني؟
وماذا عن المجلس الوطني؟
هناك مسار معلن لانتخابه، وفي الوقت نفسه يبرز حديث عن «التوافق» إذا تعذر المسار الانتخابي.
وهنا لا يسأل الفلسطيني في الشتات عن التفاصيل الإجرائية وحدها.
يسأل:
من سيختار من يمثلني: أنا أم التوافق؟
وهل نحن ذاهبون إلى تجديد شرعية النظام السياسي الفلسطيني كله، أم إلى انتخاب مؤسسة وترك المؤسسات الأخرى لترتيبات لاحقة؟
ثم هناك 28 تشرين الثاني نفسه.
إنه يقع في موسم يرتبط فيه جزء واسع من الريف الفلسطيني بالأرض وقطاف الزيتون، موسم صار في كثير من القرى أيضًا موسم حماية المحصول من اعتداءات المستوطنين.
فهل أُخذت حياة الناس في الاعتبار عند اختيار الموعد؟
ليس لأن الفلسطيني لا يستطيع أن يقطف وينتخب.
بل لأن السؤال أبسط:
هل رأت الروزنامة السياسية حياة الناس وهي تختار يومها؟
وقال الشيخ: الانتخابات الإسرائيلية ستؤثر في الأشهر المقبلة.
وهنا يصبح السؤال ضروريًا، لأن صندوقهم يسبق صندوقنا بنحو شهر.
ماذا إذا أفرزت انتخابات دولة الاحتلال حكومة أكثر تطرفًا؟
ماذا إذا منعت الانتخابات في القدس، أو أغلقت مقرات، أو اعتقلت مرشحين؟
هل يبقى 28 تشرين الثاني موعدًا لا تراجع عنه؟
أم نكتشف مرة أخرى أن الموعد مكتوب في مرسوم فلسطيني، بينما يملك الاحتلال القدرة على تعطيله؟
لكن المجتمع لا يسأل عن الانتخابات الإسرائيلية فقط.
يسأل عما يحدث أمام عينيه الآن.
عن استيطان يتغول.
وعن مستوطنين يعتدون ويسرقون ويحرقون.
وعن خسائر يدفعها المواطن من أرضه ومحصوله ومواشيه وممتلكاته، وأحيانًا من حياة أبنائه.
فيسأل:
من يحمينا؟
ومن يعوض هذه الخسائر؟
وأين توثيقها وملاحقتها سياسيًا وقانونيًا؟
ثم يدخل جيش الاحتلال مدنًا وقرى في منطقتي «أ» و«ب»، يعتقل ويهدم ويقتل وينسحب.
والناس يسألون:
إذا كان الاحتلال يستطيع دخول المنطقة «أ» متى أراد، فما الذي بقي من المسؤولية الأمنية الفلسطينية؟
وإذا كانت إسرائيل توسع سيطرتها على الضفة وتنقل المزيد من شؤونها إلى مؤسساتها المدنية والشرطية، فما الذي يجري أمامنا؟
هل يتقدم الضم على الأرض بينما نستعد نحن لانتخاب مجلس يدير ما يتبقى؟
وقال الشيخ: الحوار مع محمد دحلان مستمر، والخلاف معه «داخل البيت الفتحاوي».
وهنا تتوقف الذاكرة قليلًا.
فصل، وصراع، واتهامات، وسنوات كان فيها الرجل خارج البيت.
واليوم أصبح الخلاف داخله.
قد تكون المصالحة مطلوبة.
لكن المجتمع يسأل:
ما الذي تغير؟
هل نحن أمام مصالحة تنظيمية؟ تفاهم سياسي؟ ترتيب انتخابي؟
وهل هذا التحول قرار فلسطيني داخلي خالص، أم أن وراءه أيضًا ضغوطًا أو تفاهمات عربية ودولية لإعادة ترتيب المشهد قبل الانتخابات؟
لا اتهام هنا.
إنه سؤال موجود في الشارع.
ومن دحلان يتسع السؤال إلى الانتخابات كلها:
هل توجد ضغوط خارجية على تشكيل القوائم والتحالفات؟
هل هناك أسماء تحظى بالقبول وأخرى تواجه اعتراضًا؟
هل هناك تحالف يُدفع باتجاهه وآخر لا يراد له أن يتشكل؟
وماذا لو اختار الفلسطينيون قيادة لا تنسجم مع حسابات الخارج؟
لمن ستكون الكلمة الأخيرة: للناخب الفلسطيني أم لتلك الحسابات؟
فالانتخابات قد تكون نظيفة تمامًا يوم الاقتراع، والصندوق شفافًا، والأوراق تعد أمام المراقبين، ومع ذلك تكون هندسة الخيارات قد بدأت قبل ذلك بأشهر، في غرف لم يدخلها ناخب واحد.
وهنا لا يعود السؤال فقط: هل سيكون الصندوق نزيهًا؟
بل:
هل ستكون الخيارات التي تصل إليه فلسطينية أولًا؟
وقال الشيخ: حماس لن تشارك في الحياة السياسية وفق ما وقعت عليه مع الأميركيين.
والشارع يسأل:
لن تشارك كيف؟
باسمها؟
في الحكم؟
أم في الحياة السياسية كلها؟
وماذا لو دخلت شخصيات محسوبة عليها من خلال حزب مسجل أو قائمة أخرى؟
وأين النص الذي يحدد طبيعة هذا الالتزام؟
ثم يخرج من ذاكرة 2006 سؤال لم يمت:
ماذا لو جاءت الصناديق بنتيجة لا تعجب القوى النافذة في الداخل أو الخارج؟
هل تُحترم هذه المرة؟
فالديمقراطية ليست أن نقبل الصندوق عندما يقول ما نريد.
الديمقراطية تبدأ عندما يقول ما لا نريد.
وقال الشيخ: إسرائيل تحتجز ما يقارب سبعة مليارات دولار من أموال المقاصة، والديون والالتزامات وصلت إلى نحو 17 مليار دولار.
وهنا لا يحتاج المجتمع إلى رقم كبير آخر.
يقول ببساطة:
افتحوا الدفتر.
كم للبنوك؟
كم للموظفين؟
كم للقطاع الخاص؟
كم لصندوق التقاعد، الذي تراكمت للخزينة تجاهه التزامات بمليارات الشواكل؟
كم للدائنين؟
وما هو الدين العام فعلًا، وما هي المتأخرات والالتزامات الأخرى؟
ثم السؤال الذي يهم الموظف أكثر من كل الأرقام:
ما الخطة؟
هل هناك التزامات عربية أو دولية فعلية لمعالجة الأزمة والإفراج عن أموال المقاصة، أم أننا ندير الانهيار شهرًا بعد شهر؟
المواطن يعرف أن الأزمة صعبة.
يعرفها من راتبه.
ومن السوق.
ومن فاتورة الوقود.
لا يحتاج إلى وصفها.
يريد أن يعرف كيف سنخرج منها.
ثم هناك غزة.
لا تحتاج إلى استدعاء صورتها مرة أخرى؛ صورتها لم تغادر المقال أصلًا.
لكن سؤالها يجب أن يدخل الغرفة:
كيف ستجرى الانتخابات هناك؟
ماذا عن النازحين؟
أين مراكز الاقتراع؟
كيف تجري حملة انتخابية وسط الدمار؟
وكيف يكون أهل غزة شركاء في صناعة المرحلة المقبلة، لا مجرد رقم مطلوب لاكتمال شرعية الانتخابات؟
وفي القدس سؤال أقصر:
إذا قالت إسرائيل «لا»… ماذا سنفعل؟
هل نؤجل انتخابات شعب كامل مرة أخرى؟
وفي الشتات:
وأنا أين صوتي؟
ثم يأتي جيل فلسطيني كبر منذ آخر انتخابات تشريعية، ولم يعرف الصندوق إلا من نشرات الأخبار.
يسأل:
هل سأختار ممثلي فعلًا؟
أم ستختار القيادات أسماء القوائم، ثم تمنحني حق الاختيار بينها؟
من يختار المرشح قبل أن يختاره الناخب؟
ويبقى الطريق إلى الصندوق.
هل يستطيع المعارض أن يقول «لا» اليوم ثم يترشح غدًا؟
هل يستطيع الصحفي أن يسأل بلا خوف؟
هل تستطيع القوائم أن تتحرك بحرية؟
هل تقف مؤسسات السلطة والإعلام الرسمي والمال العام على المسافة نفسها من الجميع؟
لأن الصندوق قد يكون شفافًا.
لكن الديمقراطية ليست الصندوق وحده.
الديمقراطية هي الطريق الذي يؤدي إليه.
وهنا تعود الكاميرا إلى الكراسي المقابلة لحسين الشيخ.
لا أعرف إن كانت كل هذه الأسئلة قد طُرحت.
ولا أعرف إن كان المدعوون يمثلون مختلف الاتجاهات الإعلامية والسياسية.
ولا أعرف إن كانت الأسئلة مفتوحة تمامًا، أو أن لها سقفًا، أو أن بعضها كان معروفًا مسبقًا.
ولذلك لا أتهم أحدًا.
لكن المجتمع من حقه أن يعرف.
إذا طُرحت هذه الأسئلة، نريد أن نسمع الإجابات.
وإذا لم تُطرح، فمن حق الإعلام أن يسأل نفسه لماذا.
وإذا كانت الأسئلة مهندسة مسبقًا، فلا نكون أمام حوار إعلامي حقيقي، بل أمام تصريحات رتبت حولها الكراسي.
فالصحفي لا يجلس أمام المسؤول لأنه أهم من المواطن.
يجلس هناك لأن المواطن لا يستطيع أن يكون في الغرفة.
وهذه هي وظيفة الكرسي المقابل للسلطة.
ينتهي اللقاء.
تُغلق أجهزة التسجيل.
تُطوى الدفاتر.
وتفرغ الكراسي.
لكن الكاميرا لا تنتهي مهمتها عند باب القاعة.
تخرج إلى الشارع، ومنه إلى الحقل.
يد فلسطينية تجمع ثمر عام كامل، وعين تراقب الطريق الذي قد يأتي منه مستوطن مسلح.
وفي غزة، يد أخرى تشد حبل خيمة ممزقة قبل مطر تشرين، كأن حبلًا صغيرًا يستطيع أن يثبت سقفًا في سماء لم تثبت فوقها الأشياء طويلًا.
وبين اليدين تاريخ واحد:
28 تشرين الثاني.
وصندوق سيُطلب منهما أن يضعا فيه صوتيهما.
وقبل أن تمد اليد ورقتها إلى الصندوق، تبقى فوقه أسئلة الأرض والخيمة، وغزة والقدس والشتات، والراتب والاحتلال، والرئاسة والمجلس الوطني، والحريات والتدخل الخارجي، ومن يختار ومن يُختار.
وعندها نفهم أن السؤال لم يكن يومًا ماذا قال حسين الشيخ فقط.
ولا حتى ماذا سأله الصحفيون.
السؤال أكبر من الغرفة ومن جميع من جلسوا فيها:
هل ستأتي الانتخابات لتعيد القرار إلى الشعب… أم سيأتي الشعب إلى الصندوق بعدما يكون القرار قد اتُّخذ من دونه؟
تبقى الكاميرا على الصندوق.
وخلفه لا نرى مسؤولًا، ولا حزبًا، ولا عاصمة.
نرى الفلسطيني.
فهو ليس صوتًا نحتاجه كي تكتمل الانتخابات.
هو صاحب الصوت،
وصاحب الأرض، وصاحب القضية…
ومنه وحده تبدأ الشرعية.
يحيى بركات
23/8/2026
فلاح يعرف أشجار زيتونه واحدة واحدة. يعرف ما زرعه أبوه، وما ورثه عن جده، وما ينتظره منه رزق عام كامل. لكنه لم يعد يحسب موعد القطاف وحده؛ يحسب الطريق إلى أرضه، والمستوطن الذي يتربص بها، والسلاح الذي يحمي السارق أكثر مما يحمي صاحب الشجرة. قد يزرع الفلسطيني، ويعتني، ويقطف، ويجمع الثمر بيديه، ثم يأتي من يسرق حصيلة تعبه تحت حماية جيش الاحتلال. وكما يُسرق الزيتون، تُسرق الأغنام والأبقار، ويصبح الدفاع عن الرزق جزءًا من الدفاع عن البقاء.
وفي غزة، لا يبدأ تشرين من الأرض.
يبدأ من السماء.
خيام ممزقة لم تقِ أصحابها حر الصيف، وينتظرها مطر الخريف. عائلات فقدت بيوتها تحاول أن تثبت قطعة قماش فوق أطفالها، وهي تعرف أن القماش لا يصد المطر، ولا طائرة إذا عادت إلى السماء.
في الضفة، فلسطيني يحاول أن يبقى فوق أرضه.
وفي غزة، فلسطيني يحاول أن يبقي شيئًا فوق رأسه.
وبين المشهدين تاريخ مكتوب في الروزنامة السياسية:
28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
انتخابات تشريعية.
وفي هذه اللحظة تحديدًا، يجلس نائب الرئيس حسين الشيخ أمام رؤساء تحرير وإعلاميين فلسطينيين وعرب، ويتحدث في لقاء يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا.
ليس فقط لأن الرجل نائب الرئيس.
بل لأن ما قاله مهم.
لم يكن حديثًا بروتوكوليًا، ولم يكتف بتكرار المواقف المعروفة.
كشف أن حوارًا «هادئًا» يجري مع الإدارة الأميركية منذ نحو عام، وأنه يديره شخصيًا بتكليف من القيادة لبلورة رؤية سياسية للأعوام القادمة.
وأكد أن الانتخابات التشريعية ستجري في 28 تشرين الثاني، وأن لا تراجع عنها.
وكشف عن حوار مستمر مع محمد دحلان، مستخدمًا توصيفًا سياسيًا لافتًا: الخلاف معه أصبح «خلافًا داخل البيت الفتحاوي».
وتحدث عن عدم مشاركة حماس في الحياة السياسية وفق ما قال إنها وقعت عليه مع الأميركيين، وعن شروط المشاركة في مؤسسات منظمة التحرير، وعن مليارات من أموال المقاصة تحتجزها إسرائيل، وعن ديون والتزامات مالية وصلت، وفق ما قال، إلى نحو 17 مليار دولار.
ثم وضع كل ذلك داخل إطار زمني بالغ الدلالة: ثلاثة أشهر سياسية دقيقة، ستتأثر بنتائج الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية والنصفية الأميركية.
هذه ليست تصريحات متناثرة.
حين نضعها إلى جوار بعضها، تبدأ ملامح لوحة أكبر بالظهور.
هناك مرحلة يجري التحضير لها.
رؤية سياسية تُبحث مع واشنطن.
انتخابات فلسطينية.
إعادة ترتيب محتملة داخل البيت الفتحاوي.
تحديد لموقع حماس.
أزمة مالية تمس قدرة السلطة نفسها على الاستمرار.
ومتغيرات إسرائيلية وعربية ودولية تحيط بالمشهد كله.
لهذا كان اللقاء مهمًا.
ولهذا أيضًا كان يجب أن تكون الأسئلة بحجم ما قيل.
هنا لا تبقى الكاميرا على حسين الشيخ.
تستدير مئة وثمانين درجة.
نرى الكراسي المقابلة له.
ولا أسأل: من كان يجلس عليها بالاسم؟
أسأل سؤالًا آخر:
من كان يجلس معهم؟
هل كان المجتمع حاضرًا بأسئلته؟
فالصحفي في لقاء كهذا لا يحمل دفتره وحده.
يحمل أسئلة شعب يسمع أن هناك من يناقش الآن أعوامه القادمة.
قال الشيخ: حوار هادئ مع واشنطن منذ عام.
فيسأل المجتمع:
ماذا يجري في هذا الحوار؟
ما الرؤية التي يجري إعدادها؟
دولة؟ على أي حدود؟ ماذا عن القدس، والاستيطان، وغزة، واللاجئين؟
ما الذي تريده الإدارة الأميركية؟ وما الذي تريده القيادة الفلسطينية؟ وأين الخطوط الحمراء؟
ثم يخرج من العبارة سؤال أشد حساسية:
إذا كنا ذاهبين إلى انتخابات لتجديد الشرعية، فمن يصوغ رؤية الأعوام القادمة؟
هل تُصاغ الرؤية أولًا، ثم يذهب المجتمع إلى الصندوق ليمنحها الشرعية؟
أم ينتخب المجتمع ممثليه أولًا، ثم يصوغون رؤيته؟
ليس في السؤال اعتراض على الحوار السياسي.
إنه سؤال عن حق صاحب المستقبل في معرفة ما يجري بشأن مستقبله.
وقال الشيخ: الانتخابات في 28 تشرين الثاني، ولا تراجع عنها.
عبارة حاسمة ومهمة.
لكنها تفتح الباب فورًا:
والرئاسة؟
هناك حديث رسمي عن إجرائها في الربع الأول من 2027، لكن لماذا للتشريعية يوم محدد، بينما بقيت الرئاسية في إطار زمني؟
وماذا عن المجلس الوطني؟
هناك مسار معلن لانتخابه، وفي الوقت نفسه يبرز حديث عن «التوافق» إذا تعذر المسار الانتخابي.
وهنا لا يسأل الفلسطيني في الشتات عن التفاصيل الإجرائية وحدها.
يسأل:
من سيختار من يمثلني: أنا أم التوافق؟
وهل نحن ذاهبون إلى تجديد شرعية النظام السياسي الفلسطيني كله، أم إلى انتخاب مؤسسة وترك المؤسسات الأخرى لترتيبات لاحقة؟
ثم هناك 28 تشرين الثاني نفسه.
إنه يقع في موسم يرتبط فيه جزء واسع من الريف الفلسطيني بالأرض وقطاف الزيتون، موسم صار في كثير من القرى أيضًا موسم حماية المحصول من اعتداءات المستوطنين.
فهل أُخذت حياة الناس في الاعتبار عند اختيار الموعد؟
ليس لأن الفلسطيني لا يستطيع أن يقطف وينتخب.
بل لأن السؤال أبسط:
هل رأت الروزنامة السياسية حياة الناس وهي تختار يومها؟
وقال الشيخ: الانتخابات الإسرائيلية ستؤثر في الأشهر المقبلة.
وهنا يصبح السؤال ضروريًا، لأن صندوقهم يسبق صندوقنا بنحو شهر.
ماذا إذا أفرزت انتخابات دولة الاحتلال حكومة أكثر تطرفًا؟
ماذا إذا منعت الانتخابات في القدس، أو أغلقت مقرات، أو اعتقلت مرشحين؟
هل يبقى 28 تشرين الثاني موعدًا لا تراجع عنه؟
أم نكتشف مرة أخرى أن الموعد مكتوب في مرسوم فلسطيني، بينما يملك الاحتلال القدرة على تعطيله؟
لكن المجتمع لا يسأل عن الانتخابات الإسرائيلية فقط.
يسأل عما يحدث أمام عينيه الآن.
عن استيطان يتغول.
وعن مستوطنين يعتدون ويسرقون ويحرقون.
وعن خسائر يدفعها المواطن من أرضه ومحصوله ومواشيه وممتلكاته، وأحيانًا من حياة أبنائه.
فيسأل:
من يحمينا؟
ومن يعوض هذه الخسائر؟
وأين توثيقها وملاحقتها سياسيًا وقانونيًا؟
ثم يدخل جيش الاحتلال مدنًا وقرى في منطقتي «أ» و«ب»، يعتقل ويهدم ويقتل وينسحب.
والناس يسألون:
إذا كان الاحتلال يستطيع دخول المنطقة «أ» متى أراد، فما الذي بقي من المسؤولية الأمنية الفلسطينية؟
وإذا كانت إسرائيل توسع سيطرتها على الضفة وتنقل المزيد من شؤونها إلى مؤسساتها المدنية والشرطية، فما الذي يجري أمامنا؟
هل يتقدم الضم على الأرض بينما نستعد نحن لانتخاب مجلس يدير ما يتبقى؟
وقال الشيخ: الحوار مع محمد دحلان مستمر، والخلاف معه «داخل البيت الفتحاوي».
وهنا تتوقف الذاكرة قليلًا.
فصل، وصراع، واتهامات، وسنوات كان فيها الرجل خارج البيت.
واليوم أصبح الخلاف داخله.
قد تكون المصالحة مطلوبة.
لكن المجتمع يسأل:
ما الذي تغير؟
هل نحن أمام مصالحة تنظيمية؟ تفاهم سياسي؟ ترتيب انتخابي؟
وهل هذا التحول قرار فلسطيني داخلي خالص، أم أن وراءه أيضًا ضغوطًا أو تفاهمات عربية ودولية لإعادة ترتيب المشهد قبل الانتخابات؟
لا اتهام هنا.
إنه سؤال موجود في الشارع.
ومن دحلان يتسع السؤال إلى الانتخابات كلها:
هل توجد ضغوط خارجية على تشكيل القوائم والتحالفات؟
هل هناك أسماء تحظى بالقبول وأخرى تواجه اعتراضًا؟
هل هناك تحالف يُدفع باتجاهه وآخر لا يراد له أن يتشكل؟
وماذا لو اختار الفلسطينيون قيادة لا تنسجم مع حسابات الخارج؟
لمن ستكون الكلمة الأخيرة: للناخب الفلسطيني أم لتلك الحسابات؟
فالانتخابات قد تكون نظيفة تمامًا يوم الاقتراع، والصندوق شفافًا، والأوراق تعد أمام المراقبين، ومع ذلك تكون هندسة الخيارات قد بدأت قبل ذلك بأشهر، في غرف لم يدخلها ناخب واحد.
وهنا لا يعود السؤال فقط: هل سيكون الصندوق نزيهًا؟
بل:
هل ستكون الخيارات التي تصل إليه فلسطينية أولًا؟
وقال الشيخ: حماس لن تشارك في الحياة السياسية وفق ما وقعت عليه مع الأميركيين.
والشارع يسأل:
لن تشارك كيف؟
باسمها؟
في الحكم؟
أم في الحياة السياسية كلها؟
وماذا لو دخلت شخصيات محسوبة عليها من خلال حزب مسجل أو قائمة أخرى؟
وأين النص الذي يحدد طبيعة هذا الالتزام؟
ثم يخرج من ذاكرة 2006 سؤال لم يمت:
ماذا لو جاءت الصناديق بنتيجة لا تعجب القوى النافذة في الداخل أو الخارج؟
هل تُحترم هذه المرة؟
فالديمقراطية ليست أن نقبل الصندوق عندما يقول ما نريد.
الديمقراطية تبدأ عندما يقول ما لا نريد.
وقال الشيخ: إسرائيل تحتجز ما يقارب سبعة مليارات دولار من أموال المقاصة، والديون والالتزامات وصلت إلى نحو 17 مليار دولار.
وهنا لا يحتاج المجتمع إلى رقم كبير آخر.
يقول ببساطة:
افتحوا الدفتر.
كم للبنوك؟
كم للموظفين؟
كم للقطاع الخاص؟
كم لصندوق التقاعد، الذي تراكمت للخزينة تجاهه التزامات بمليارات الشواكل؟
كم للدائنين؟
وما هو الدين العام فعلًا، وما هي المتأخرات والالتزامات الأخرى؟
ثم السؤال الذي يهم الموظف أكثر من كل الأرقام:
ما الخطة؟
هل هناك التزامات عربية أو دولية فعلية لمعالجة الأزمة والإفراج عن أموال المقاصة، أم أننا ندير الانهيار شهرًا بعد شهر؟
المواطن يعرف أن الأزمة صعبة.
يعرفها من راتبه.
ومن السوق.
ومن فاتورة الوقود.
لا يحتاج إلى وصفها.
يريد أن يعرف كيف سنخرج منها.
ثم هناك غزة.
لا تحتاج إلى استدعاء صورتها مرة أخرى؛ صورتها لم تغادر المقال أصلًا.
لكن سؤالها يجب أن يدخل الغرفة:
كيف ستجرى الانتخابات هناك؟
ماذا عن النازحين؟
أين مراكز الاقتراع؟
كيف تجري حملة انتخابية وسط الدمار؟
وكيف يكون أهل غزة شركاء في صناعة المرحلة المقبلة، لا مجرد رقم مطلوب لاكتمال شرعية الانتخابات؟
وفي القدس سؤال أقصر:
إذا قالت إسرائيل «لا»… ماذا سنفعل؟
هل نؤجل انتخابات شعب كامل مرة أخرى؟
وفي الشتات:
وأنا أين صوتي؟
ثم يأتي جيل فلسطيني كبر منذ آخر انتخابات تشريعية، ولم يعرف الصندوق إلا من نشرات الأخبار.
يسأل:
هل سأختار ممثلي فعلًا؟
أم ستختار القيادات أسماء القوائم، ثم تمنحني حق الاختيار بينها؟
من يختار المرشح قبل أن يختاره الناخب؟
ويبقى الطريق إلى الصندوق.
هل يستطيع المعارض أن يقول «لا» اليوم ثم يترشح غدًا؟
هل يستطيع الصحفي أن يسأل بلا خوف؟
هل تستطيع القوائم أن تتحرك بحرية؟
هل تقف مؤسسات السلطة والإعلام الرسمي والمال العام على المسافة نفسها من الجميع؟
لأن الصندوق قد يكون شفافًا.
لكن الديمقراطية ليست الصندوق وحده.
الديمقراطية هي الطريق الذي يؤدي إليه.
وهنا تعود الكاميرا إلى الكراسي المقابلة لحسين الشيخ.
لا أعرف إن كانت كل هذه الأسئلة قد طُرحت.
ولا أعرف إن كان المدعوون يمثلون مختلف الاتجاهات الإعلامية والسياسية.
ولا أعرف إن كانت الأسئلة مفتوحة تمامًا، أو أن لها سقفًا، أو أن بعضها كان معروفًا مسبقًا.
ولذلك لا أتهم أحدًا.
لكن المجتمع من حقه أن يعرف.
إذا طُرحت هذه الأسئلة، نريد أن نسمع الإجابات.
وإذا لم تُطرح، فمن حق الإعلام أن يسأل نفسه لماذا.
وإذا كانت الأسئلة مهندسة مسبقًا، فلا نكون أمام حوار إعلامي حقيقي، بل أمام تصريحات رتبت حولها الكراسي.
فالصحفي لا يجلس أمام المسؤول لأنه أهم من المواطن.
يجلس هناك لأن المواطن لا يستطيع أن يكون في الغرفة.
وهذه هي وظيفة الكرسي المقابل للسلطة.
ينتهي اللقاء.
تُغلق أجهزة التسجيل.
تُطوى الدفاتر.
وتفرغ الكراسي.
لكن الكاميرا لا تنتهي مهمتها عند باب القاعة.
تخرج إلى الشارع، ومنه إلى الحقل.
يد فلسطينية تجمع ثمر عام كامل، وعين تراقب الطريق الذي قد يأتي منه مستوطن مسلح.
وفي غزة، يد أخرى تشد حبل خيمة ممزقة قبل مطر تشرين، كأن حبلًا صغيرًا يستطيع أن يثبت سقفًا في سماء لم تثبت فوقها الأشياء طويلًا.
وبين اليدين تاريخ واحد:
28 تشرين الثاني.
وصندوق سيُطلب منهما أن يضعا فيه صوتيهما.
وقبل أن تمد اليد ورقتها إلى الصندوق، تبقى فوقه أسئلة الأرض والخيمة، وغزة والقدس والشتات، والراتب والاحتلال، والرئاسة والمجلس الوطني، والحريات والتدخل الخارجي، ومن يختار ومن يُختار.
وعندها نفهم أن السؤال لم يكن يومًا ماذا قال حسين الشيخ فقط.
ولا حتى ماذا سأله الصحفيون.
السؤال أكبر من الغرفة ومن جميع من جلسوا فيها:
هل ستأتي الانتخابات لتعيد القرار إلى الشعب… أم سيأتي الشعب إلى الصندوق بعدما يكون القرار قد اتُّخذ من دونه؟
تبقى الكاميرا على الصندوق.
وخلفه لا نرى مسؤولًا، ولا حزبًا، ولا عاصمة.
نرى الفلسطيني.
فهو ليس صوتًا نحتاجه كي تكتمل الانتخابات.
هو صاحب الصوت،
وصاحب الأرض، وصاحب القضية…
ومنه وحده تبدأ الشرعية.
يحيى بركات
23/8/2026