الحاخام الأكبر وخطاب إلغاء الفلسطينيين.. حين يتحول الدين إلى وقود لحرب دينية جديدة

الحاخام الأكبر وخطاب إلغاء الفلسطينيين.. حين يتحول الدين إلى وقود لحرب دينية جديدة

بقلم: المحامي علي أبوحبلة

تتجاوز التصريحات المنسوبة إلى الحاخام الأكبر السفاردي لإسرائيل، دافيد يوسف، التي قال فيها إن «غزة لنا، ونابلس لنا، وجنين لنا، وكلها لنا»، وإن الفلسطينيين «ليسوا شعباً» ولم يكونوا كذلك، حدود الرأي الشخصي أو الموقف الديني؛ لأنها تمس جوهر الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتلامس بصورة مباشرة قضايا الأرض والهوية والحقوق الوطنية وتقرير المصير.

وقد جاءت هذه التصريحات في سياق حديث عن العودة إلى غزة، وفي مرحلة تشهد تصاعداً للخطاب القومي والديني المتشدد داخل إسرائيل. وخطورة هذه الأقوال لا تنبع فقط من مضمونها، وإنما من صدورها عن شخصية دينية رسمية، الأمر الذي يمنحها وزناً سياسياً ومعنوياً يتجاوز حدود الموقف الشخصي.

والمطلوب في مواجهة هذه التصريحات ليس الانفعال ولا إنتاج خطاب كراهية مضاد، وإنما تفكيكها تاريخياً وقانونياً وسياسياً ودينياً، ووضعها أمام حقائق ثابتة لا تستطيع الأيديولوجيا تجاوزها.

قرار التقسيم 181 لا يمنح أحداً فلسطين كلها

من الحقائق التاريخية أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، والمعروف بقرار التقسيم، اقترح إقامة دولتين، عربية ويهودية، مع وضع القدس في إطار دولي خاص.

وبصرف النظر عن الموقف الفلسطيني التاريخي من القرار والظروف التي صدر فيها، فإن مجرد صدوره يدحض الادعاء بأن المجتمع الدولي أقر في أي مرحلة بأن فلسطين كلها ملك حصري لليهود.

بل إن القرار نفسه تعامل مع فلسطين باعتبارها أرضاً يعيش فيها مجتمعان رئيسيان، واقترح ترتيبات سياسية وإقليمية لكل منهما. ومن ثم لا يمكن تحويل قرار التقسيم إلى سند لضم الأراضي التي كانت مخصصة للدولة العربية، ولا إلى أداة لإلغاء الوجود والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

وعد بلفور لا يلغي حقوق الشعب الفلسطيني

ومن الضروري كذلك التوقف أمام محاولة الاستناد إلى وعد بلفور لعام 1917 باعتباره أساساً مطلقاً للحقوق السياسية في فلسطين.

وعد بلفور كان إعلاناً سياسياً بريطانياً، ولم يكن صك ملكية لفلسطين، ولا كانت بريطانيا تملك الحق في التصرف في وطن شعب آخر كما تشاء. والأهم أن النص نفسه تحدث عن عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين.

وبالتالي فإن تحويل وعد بلفور إلى تفويض تاريخي بإلغاء الشعب الفلسطيني أو مصادرة حقوقه يمثل قراءة انتقائية للتاريخ.

والأهم أن التطور اللاحق للقانون الدولي رسخ مبدأ تقرير المصير باعتباره حقاً للشعوب، ولا يمكن لوثيقة سياسية صدرت قبل أكثر من قرن أن تلغي حقاً أصبح من المبادئ الأساسية في النظام الدولي المعاصر.

حق تقرير المصير يحسم جوهر المسألة

إن أخطر ما في خطاب الحاخام الأكبر ليس الادعاء بملكية غزة أو نابلس أو جنين فحسب، وإنما نفي وجود الشعب الفلسطيني ذاته.

ذلك أن نفي وجود الشعب هو المقدمة النظرية لنفي حقوقه السياسية والوطنية.

لكن المجتمع الدولي والقانون الدولي لا يتعاملان مع الفلسطينيين باعتبارهم مجرد تجمع سكاني بلا حقوق. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 أن للشعب الفلسطيني حقاً في تقرير المصير، وأن السياسات والممارسات التي تعوق ممارسة هذا الحق تمثل انتهاكاً للقانون الدولي.

وعليه، فإن وجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير ليسا مسألة تخضع لرأي رجل دين أو سياسي أو حكومة.

الشعوب لا تستمد وجودها من اعتراف خصومها بها، ولا تفقد حقوقها لأن أحداً قرر إنكارها.

غزة ونابلس وجنين ليست ملكية تُحسم بالخطاب الديني

عندما يقال «غزة لنا، نابلس لنا، جنين لنا، وكلها لنا»، فإن السؤال القانوني البسيط هو: ما مصدر هذه السيادة؟

الرابطة الدينية أو التاريخية لا تساوي تلقائياً حق السيادة السياسية على أرض يسكنها شعب آخر.

ومن حق اليهود أن يعتزوا بتاريخهم الديني في فلسطين، كما أن للفلسطينيين تاريخهم ووجودهم المتجذر في هذه الأرض. لكن الرواية الدينية، أياً كان مصدرها، لا تستطيع وحدها أن تنشئ سيادة قانونية في النظام الدولي المعاصر.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن الاحتلال لا يمنح الدولة المحتلة حق السيادة على الأراضي المحتلة، وأن سياسات الضم والاستيطان تعوق ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير.

وهنا يجب التفريق بوضوح بين التاريخ الديني والحق السيادي؛ فالأول يمكن أن يكون موضع روايات متعددة، أما الثاني فيحكمه القانون الدولي.

البعد الديني: قدسية الأرض لا تبرر إلغاء الإنسان

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني شامل.

الإسلام لا ينكر وجود اليهود، ولا ينكر تاريخهم الديني، ولا يجيز ظلم الإنسان بسبب دينه أو قوميته. وفي المقابل، لا يجوز توظيف النصوص الدينية اليهودية لتبرير إلغاء شعب آخر أو حرمانه من حقوقه الأساسية.

والقرآن يضع قاعدة أخلاقية تتجاوز الخصومة:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

فالعدل لا يتغير بسبب الخصومة، ولا يصبح الظلم مشروعاً لأن الطرف الآخر خصم سياسي أو ديني.

وفلسطين أرض مقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود، لكن قدسية الأرض لا تمنح أي جماعة رخصة لإلغاء جماعة أخرى.

هل نحن أمام ازدواجية في معايير مكافحة خطاب الكراهية؟

وهنا يطرح نفسه سؤال مشروع، ينبغي أن يُطرح بهدوء وموضوعية بعيداً عن التوظيف السياسي: إذا كان العالم يعلن رفضه لمعاداة السامية ولخطابات الكراهية والعنصرية ونزع الإنسانية عن الجماعات، فهل ينبغي أن تكون المعايير واحدة عندما تصدر عبارات تحط من شأن شعب بأكمله أو تنكر وجوده وحقوقه؟

ومن المهم هنا التمييز بدقة: إنكار وجود الشعب الفلسطيني لا يُعرّف، بالمعنى الاصطلاحي، بأنه معاداة للسامية؛ فمعاداة السامية تتعلق بالكراهية أو التمييز ضد اليهود باعتبارهم يهوداً. لكن ذلك لا يعني أن خطاب نزع الشرعية عن شعب أو إنكار حقوقه يجب أن يمر بلا مساءلة أخلاقية وسياسية وإعلامية.

فإذا كان المجتمع الدولي قد وضع خطوطاً حمراء أمام التحريض والكراهية والتمييز عندما يكون المستهدفون من اليهود، فمن المنطقي أخلاقياً وسياسياً أن تكون القاعدة ذاتها مطبقة عندما يكون المستهدفون من الفلسطينيين.

لا يجوز أن يتحول رفض معاداة السامية إلى معيار انتقائي، ولا أن يتحول في المقابل نقد إسرائيل أو الصهيونية إلى ذريعة لمعاداة اليهود.

المعيار الصحيح واحد: رفض الكراهية والعنصرية والتحريض ونزع الإنسانية عن أي جماعة، أياً كانت هويتها.

وهذه المقاربة لا تضعف القضية الفلسطينية، بل تقويها؛ لأنها تضعها في إطار عالمي يقوم على مبدأ المساواة ورفض ازدواجية المعايير.

تصريحات كهذه قد تؤسس لمسار أخطر: الحرب الدينية

إن أخطر ما في هذه التصريحات أنها تنقل الصراع من المجال السياسي والقانوني إلى المجال الديني والوجودي.

فحين يقال إن الأرض كلها ملك لجماعة دينية، وإن شعباً آخر «ليس شعباً»، وإن تدمير مدينة أو إفراغها يمكن أن يكون هدفاً مشروعاً، فإننا نقترب من منطق «الحرب المقدسة» الذي عرفه التاريخ البشري وكانت نتائجه كارثية.

وقد اكتوى العالم بنيران الحروب الدينية، ومن بينها الحروب الصليبية التي جعلت القدس والأرض المقدسة محوراً لصراع عسكري طويل بين قوى دينية وسياسية متنافسة. ولا يصح بالطبع إسقاط سياق تلك الحروب بصورة حرفية على الصراع المعاصر، فالتاريخ والظروف مختلفان، لكن العبرة التاريخية تظل قائمة: عندما يتحول الصراع السياسي إلى مواجهة دينية مطلقة، يصبح التعايش والتسوية أكثر صعوبة، وتصبح الأرض المقدسة وقوداً دائماً للحرب.

ومن هنا فإن المسؤولية تقع بصورة خاصة على رجال الدين؛ لأن خطابهم يمكن أن يهدئ الصراع أو يشعل نيرانه.

المشكلة ليست في اليهودية وإنما في توظيف الدين سياسياً

من الخطأ تحويل تصريحات الحاخام الأكبر إلى هجوم على اليهودية أو اليهود.

هناك فرق جوهري بين اليهودية كدين وبين تيارات قومية أو دينية توظف النصوص والمقدسات لتبرير مواقف سياسية.

وكذلك ينبغي على الخطاب الفلسطيني والعربي أن يرفض أي خطاب ينكر حق اليهود في الحياة والأمن والكرامة، تماماً كما يرفض إنكار حقوق الفلسطينيين.

فالقضية ليست معركة بين الإسلام واليهودية، وإنما مواجهة بين منطق الحقوق والقانون والعدالة، ومنطق الإقصاء والضم والقوة.

الخطر الاستراتيجي: إغلاق باب الحل السياسي

إن استمرار خطاب «كل الأرض لنا» يعني عملياً رفض مبدأ الشراكة السياسية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وهذا يقود إلى نتيجة استراتيجية خطيرة: إذا أصبح إنكار الفلسطينيين جزءاً من الخطاب الرسمي أو الديني المؤثر، فإن أي حل سياسي يصبح أكثر صعوبة، ويزداد خطر تحول الصراع إلى صراع دائم متعدد الأجيال.

ولا يمكن لأي دولة أن تحقق أمنها على المدى الطويل من خلال إنكار وجود شعب آخر.

قد تستطيع القوة العسكرية فرض السيطرة على الأرض لفترة، لكنها لا تستطيع خلق الشرعية، ولا تستطيع إلغاء الهوية الوطنية، ولا تستطيع إنهاء تطلع شعب إلى الحرية.

المطلوب فلسطينياً وعربياً: القانون أولاً

إن الرد على هذه التصريحات يجب ألا يقتصر على بيانات الاستنكار.

المطلوب تحويل خطاب الضم ونفي الشعب الفلسطيني والتحريض على تدمير المدن إلى مادة موثقة في العمل الدبلوماسي والقانوني والإعلامي، وربط التصريحات بالممارسات على الأرض، وتعزيز حضور القضية الفلسطينية في المؤسسات الدولية على أساس حق تقرير المصير والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وفي الوقت نفسه، يجب الحفاظ على خطاب فلسطيني مسؤول يرفض استهداف المدنيين، ويرفض معاداة اليهودية، ويفصل بوضوح بين نقد سياسات دولة إسرائيل وبين الكراهية الدينية أو العرقية.

هذه المعادلة تمنح القضية الفلسطينية قوة أخلاقية وقانونية أكبر، وتمنع خصومها من تصويرها على أنها صراع ديني ضد اليهود.

الخلاصة: لا سلام مع إنكار شعب

إن تصريحات الحاخام الأكبر لا تغير الحقيقة التاريخية ولا القانونية.

قرار التقسيم 181 لم يمنح فلسطين كلها لدولة يهودية، ووعد بلفور لم يكن صك ملكية لفلسطين، والقانون الدولي المعاصر أكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ومحكمة العدل الدولية أكدت أن هذا الحق لا يجوز إلغاؤه أو إخضاعه لإرادة قوة الاحتلال.

أما تحويل الصراع إلى صراع ديني، فإنه يهدد بتحويل نزاع سياسي وقانوني قابل للحل إلى مواجهة وجودية مفتوحة.

والتاريخ يحذرنا من مخاطر ذلك.

فلسطين ليست أرضاً بلا شعب، والشعب الفلسطيني ليس طارئاً على التاريخ، ووعد بلفور لا يلغي حقوقه، وقرار التقسيم لا يمنح أحداً تفويضاً بضم ما لم يُمنح له، والرواية الدينية لا تتحول إلى سند قانوني للسيادة على أرض شعب آخر.

وفي المقابل، فإن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لا يتطلب إنكار اليهود أو تاريخهم أو حقهم في الأمن والكرامة.

المعادلة العادلة بسيطة: لا إلغاء للفلسطينيين، ولا إلغاء لليهود؛ لا احتلال ولا ضم، ولا تحريض ديني، ولا عنصرية، ولا ازدواجية في معايير حقوق الإنسان.

وإذا كان العالم جاداً في رفض معاداة السامية وخطابات الكراهية، فعليه أن يرفض بالمعيار ذاته كل خطاب ينزع الإنسانية عن أي شعب أو ينكر وجوده وحقوقه.

فالقداسة لا تبرر الظلم، والتاريخ لا يمنح أحداً رخصة لإلغاء الآخر، والقوة لا تصنع الحق، والسلام الحقيقي لا يبدأ بإنكار شعب، وإنما يبدأ بالاعتراف بحقوقه.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي: هل تكون حقوق الإنسان مبدأً عالمياً واحداً، أم تتحول إلى معايير متفاوتة تبعاً لهوية الضحية وهوية من يرتكب الانتهاك؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى