عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب... الغلاف الذي لا تنساه الذاكرة.

ليس الكتاب وحده ما يسكن الذاكرة ،أحيانا يكون غلافه هو أول ما يرسخ فيها، وربما أكثر ما يبقى ؛ فشكله، وألوانه، وخطوطه، ورسوماته، كلها تفاصيل قد تبدو عابرة، لكنها تترك في الذاكرة أثرا لا يزول بسهولة ، ولذلك، كثيرا ما يأتيك قارئ متعطش إلى كتاب، مشرئبّ إلى رؤيته، وما إن تضعه أمامه حتى يقول دون تردد بعدما رآى غلافه : هذا هو… عندي!
ونحن، معشر بائعي الكتب، تربطنا بالأغلفة حكاية خاصة ، فمن كثرة ما تمر بين أيدينا الكتب، نحفظ صور أغلفتها كما نحفظ وجوه الزبائن ، يكفي أن تلمح لونا، أو خطا، أو رسمة صغيرة، حتى تتعرف إلى الكتاب، قبل أن تقرأ عنوانه.
لكن الحكاية تصبح مختلفة حين يُعاد طبع الكتاب، فيتغير غلافه، ويتبدل لونه،و تتحور ملامحه وتصاميمه ؛ عندها قد يصبح الكتاب رغم وجوده أمام عينيك غريبا عن ذاكرتك ، تبحث عنه في الرف، وتتجاوزه أكثر من مرة، لأنك لا تبحث عن الكتاب كما هو، وإنما تفتش عن صورته الأولى التي استقرت في مخيلتك .
وهنا أفكر أحيانا: كم من الأشياء في حياتنا نعرفها بصورتها الأولى، ونظل أوفياء لها حتى بعد أن تتغير؟
فالذاكرة لا تحفظ الأشياء كما هي دائما، إنها تحفظ الأثر الذي تركته فينا أول مرة ؛ ولهذا قد يتغير الغلاف، ويتجدد الكتاب، وتتبدل ملامحه، لكن صورته القديمة تظل جالسة في مكان ما من الذاكرة، عصية على النسيان ، لذا أنصح كل مؤلف يريد إعادة طبع كتابه ، يحافظ على غلافه في هيئته الأولى ، لأنه قد أخذ مكانته ، ورسم ملامحه التي لا تمحى ولا تزداد إلا رسوخا في ذاكرة القارئ وبائع الكتب على حد سواء .
وربما نحن كذلك… تتغير ملامحنا، وتتبدل أيامنا، ونمضي في العمر، لكن في ذاكرة من أحبونا تظل لنا دائما صورة أولى لا تخضع لإعادة الطبع .

Librairie Alfia مكتبة الألفية@followers

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى