أحمد رجب شلتوت - حين يصبح الغياب وطنًا بديلا قراءة في رواية أيام بعيدة جدا

]
نقد أدبي | حين يصبح الغياب وطنًا بديلا






يبدأ الكاتب "أحمد طايل" روايته "أيام بعيدة جدًا" بتصدير يعلن عن مشروعها، "الذكريات هي التي تفرض نفسها.. نحن شعوب تحكمها الذاكرة". هكذا تصبح قوة تنظم الحكاية وتحدد مصائر شخصياتها. فالرواية التي تهدي نفسها إلى الآباء والأمهات والأبناء والأحفاد والرفاق والقرية، وتنتهي بإهداء خاص إلى "قريتي التي تسكنني" وإلى "ذكريات الأمس البعيد والحلم الآتي"، تعلن منذ البداية أنها تقرأ الإنسان من خلال ما يبقى فيه من آثار الأمكنة والأشخاص والأيام.
تحكي الرواية عن توفيق، ابن قرية الناصرية بسمنود، يلتحق بالخدمة العسكرية قبيل حرب 1967، ثم تنقطع أخباره بعد الحرب ويصبح في عداد المفقودين. الأب، الحاج السيد، يرفض الاعتراف بموت ابنه، ويعيش في انتظاره لأكثر من عشرين عامًا، كذلك الزوجة كريمة، بينما يكبر ابنه السيد دون أن يرى أباه إلا في الصور والحكايات.
هنا يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور، فتوفيق الغائب موجود في البيت بصوره، وفي تكوين ابنه الذي يحمل اسمه وملامحه، بل وفي طقوس الأب اليومية، فالحاج السيد يجعل من الانتظار طقسًا؛ ويتعامل مع احتمال عودته باعتباره حقيقة مؤجلة وليس أمنية مستحيلة. إنه ليس أبًا ينتظر ابنه فقط؛ بل هو "ذاكرة" القرية. بيته مفتوح، ومجلسه ملتقى الناس، وقراراته تمتد إلى شؤون العائلة والقرية. حتى هيئته وطقوسه موروثة عن أبيه، بما يجعل الشخصية نفسها حلقة في سلسلة زمنية أطول من حياتها الفردية. وعندما يعود توفيق بالفعل، فحين يصرخ الأب: "ألم أقل لكم إن توفيق لم يمت؟"، فإن فرحته ليست فقط بعودة الابن، وإنما بانتصار الذاكرة على الزمن.
والزوجة كريمة هي الوجه الآخر لمقاومة النسيان، وحين يقترح الأب أن تحصل على حقها في الحياة بعد سنوات الغياب، لأنها لا تعرف إن كان زوجها حيًا أم ميتًا، ترفض. تقول إنها ستظل زوجة توفيق حتى آخر عمرها، ولذلك حين يعود يجد مكانه محفوظًا.
والمفارقة الأعمق أن توفيق لا يفقد ذاكرته فقط، وإنما يفقد اسمه أيضًا. فبعد الحرب لا يبقى من «توفيق السيد محمد الجميلي» شيء يستطيع أن يقود إليه، فيصبح «منذر»؛ اسمًا جديدًا لرجل جديد، داخل جماعة جديدة، وحياة جديدة. وعلى امتداد أكثر من عشرين عامًا لا يكون منذر مجرد اسم مستعار لرجل فاقد الذاكرة، بل يصبح هوية مكتملة، يعمل، ويتزوج بركة، وينجب، لذلك فإن استعادة الذاكرة لا تعني استعادة الماضي فحسب، وإنما تعني أيضًا إزاحة هوية كاملة لصالح هوية سابقة عليها. وهنا تصبح عودة توفيق أكثر تعقيدًا مما توحي به لحظة الفرح الأولى؛ فهو حينما، يخرج في ذات الوقت من حياة عاشها فعلًا.
ولذلك فإن استقبال الشيخ فرحان والحاج السيد للواقع الجديد هو محاولة لتحويل الصراع بين الهويتين إلى مصالحة بينهما. فالأحيوات لا تصبح مجرد محطة في حياة توفيق، كما أن الناصرية لا تستعيد حقها في إلغاء السنوات التي عاشها باسم منذر. إن الرجل العائد يحمل معه وطنه الأول، لكنه يحمل كذلك آثار وطنه الثاني؛ ومن هنا يصبح عنوان الرواية «أيام بعيدة جدًا» دالًا على المسافة الزمنية بين حياتين،
هكذا تقدم الرواية حلًا أخلاقيًا شديد النبل، لكنه أقل تعقيدًا من طبيعة الموقف الإنساني نفسه، الغيرة، والصدمة، والزوج الذي عاش حياة كاملة لا يعرف فيها أنه متزوج أصلًا؛ كل هذه الاحتمالات كان يمكن أن تمنح الرواية طبقات نفسية أكثر كثافة.
تتعامل الرواية مع فقدان الذاكرة كوسيلة لإدارة الزمن. توفيق لا يستعيد الماضي دفعة واحدة؛ تأتي الصور أولًا بلا ملامح، ثم تظهر الأصوات، ثم الأماكن، ثم الأشخاص، ثم الاسم. في لحظات كثيرة يرى رجالًا ونساء وطفلًا، يشعر أنه يعرفهم لكنه لا يستطيع تحديد هوياتهم. ثم تأتي الصدمة الثانية، حين تتفجر ذاكرته أمام متعلقاته العسكرية، فيستعيد مشهد الحرب والجثث والركض في الصحراء، ثم يستطيع أخيرًا أن يقول: "توفيق السيد محمد الجميلي" وأن يحدد بلده: الناصرية، سمنود، الغربية.
يعمد الروائي إلى تقديم مرآة لحكاية توفيق من خلال فصل "حكاية داخل الحكاية"، الذي يقدم سيرة الشيخ مرتضى، الذي فقد أسرته في حادث مأساوي، ثم فقد نفسه تقريبًا، وخرج من حياته القديمة إلى عالم روحي جديد، هو مثل توفيق، كلاهما فقد عالمًا كاملًا، لكنهما استجابا للفقد بطريقتين مختلفتين.
ومن اللافت كذلك اهتمام "أحمد طايل" بالمكان. فالبيت الكبير، والمجلس، والحديقة، والفرن، والحظائر، والطرقات، والمدرسة، والمقابر، كلها تفاصيل لا تأتي لمجرد تزيين المشهد. البيت تحديدًا يبدو امتدادًا للحاج السيد، مفتوح على الشوارع كما هو مفتوح على الناس، وتوجد في داخله صور الماضي كما توجد فيه حركة الحاضر. وعندما يعود توفيق، يكتشف أن المكان نفسه لم يعد هو المكان الذي تركه. الشوارع تغيرت، والبيوت ارتفعت، والمدرسة تبدلت، والمقابر نفسها أصبحت محاصرة بالمساكن. وهنا تصبح القرية مرآة للزمن.
تجعل الرواية من حرب 1967 سببًا لسلسلة طويلة من التشوهات الإنسانية، الحرب تفصل الأب عن الابن، والزوجة عن الزوج، والابن عن أبيه، ثم تفقد الرجل ذاكرته وهويته. وتقارن الرواية القرية التي عرفها توفيق بالقرية التي عاد إليها. ومن خلال أحاديث الأصدقاء تظهر مخاوف الكاتب من تغير القيم، والهجرة، والاغتراب، والإعلام، وضعف الصلة بالمكان، كما في موقف سمير البرلسي من السفر إلى الخارج. فالرواية لا ترى اغترابه مجرد بحث عن المال، وإنما تخشى أن يتحول الإنسان إلى غريب عن أسرته وأبنائه. وهنا تصبح عودة توفيق، صورة معكوسة للمغترب، إنه الرجل الذي غاب قسرًا، فعاد ليكتشف أن خسارة المكان يمكن أن تكون خسارة للذات.
الرواية شديدة الوضوح في منظومتها الأخلاقية، ويظهر هذا خصوصًا في شخصية الشيخ فرحان، الذي يصر على التشاور حتى في قضية زواج بركة، ويرفض أن تكون المرأة مجرد موضوع لقرار الرجال. وهذا جانب متقدم نسبيًا في تصور الجماعة داخل الرواية؛ فالقبيلة ليست مجرد سلطة أبوية، بل تسعى إلى بناء قرار جماعي، وتُعطي بركة حق الاختيار. كما أن إدانة حامد وفواز لا تقوم على كونهما مختلفين، بل على سلوكهما العدواني ومؤامراتهما.
ومع ذلك فإن المنظومة الأخلاقية نفسها تميل أحيانًا إلى المثالية. معظم الشخصيات المحورية تعرف الصواب وتفعله، وعندما تقع الأزمة يأتي الحل في الغالب من شخصية حكيمة أو من منظومة القيم الجماعية. لذلك لا تملك الرواية دائمًا ذلك القدر من الالتباس الأخلاقي الذي يجعل القارئ شريكًا في اكتشاف الموقف.
يكتب أحمد طايل بالفصحى في السرد والحوار معًا، وهو اختيار يمنح الرواية وحدة لغوية واضحة. كما أن السرد يميل إلى التفصيل، خصوصًا في وصف الأشخاص والبيوت والطقوس والموائد والزيارات. وهذه الوفرة تتناسب مع رغبة الكاتب في بناء عالم اجتماعي كامل. لكنها تصبح أحيانًا نقطة ضعف. فالرواية تميل إلى الشرح وإعادة تأكيد المعنى، خصوصًا في الحوارات التي تحمل رسائل أخلاقية أو فلسفية مباشرة. وفي مواضع متعددة تقول الشخصية ما يمكن أن يكتشفه القارئ من الحدث نفسه. وهذا يخفف أحيانًا من طاقة الإيحاء. كذلك تتكرر بعض الأفعال والمشاهد: الاحتضان، التقبيل، الدموع، الضحكات، الطعام، القهوة، الصلاة، الولائم. لهذه التكرارات وظيفة في بناء عالم الرواية الطقوسي، لكنها قد تؤدي إلى إبطاء الإيقاع.
أهم ملاحظة فنية يمكن تسجيلها على «أيام بعيدة جدًا» أن عالمها الإنساني يميل إلى المصالحة أكثر مما يميل إلى الصدام. حتى الأزمة الكبرى، أي عودة توفيق بزوجة وأبناء آخرين، تنتهي بسرعة إلى الاحتواء، إنه يقترح عالمًا تتعايش فيه زوجتان لرجل واحد، ويستطيع الأبناء أن يتعارفوا، وتستطيع قبيلتان أن تتحولا إلى عائلة واحدة، ويستطيع الماضي والحاضر أن يلتقيا دون أن يبتلع أحدهما الآخر. ومن هنا تصبح النهاية منطقية داخل فلسفة الرواية: بعد كل هذه السنوات تستقر الحياة، وتصبح الأيام البعيدة جزءًا من الحاضر لا عدوًا له. ويستمر الحاج السيد في طقوسه، محاطًا بالابن والأحفاد، بينما تتحول عودة توفيق من حادث استثنائي إلى حياة يومية جديدة.
وأخيرا فإن عنوان "أيام بعيدة جدًا" لا يعني أن الماضي قد انتهى، فالعكس هو الصحيح، الأيام بعيدة زمنيًا، لكنها قريبة وجدانيًا إلى درجة أنها تستطيع بعد عشرين عامًا أن تعيد رجلًا إلى أبيه، وزوجة إلى زوجها، وطفولة إلى صاحبها. فحينما يعود توفيق تعود حياة أخرى كاملة.
وفي النهاية، لا تبدو «أيام بعيدة جدًا» رواية عن رجل عاد من الحرب بعد غياب طويل بقدر ما تبدو رواية عن إنسان وجد نفسه موزعًا بين حياتين، ثم حاول أن يمنحهما معًا معنى واحدًا. لقد فقد توفيق ذاكرته، لكنه اكتسب حياة؛ وحين استعاد ذاكرته استعاد اسمه ووطنه وأسرته، لكنه لم يستطع أن يسترد نفسه القديمة كاملة، من هنا يصبح الغياب وطنًا بديلًا؛ وعندما تأتي العودة لا يكون أمام الإنسان خيار محو أحد الوطنين، بل البحث عن طريقة يسكن بهما معًا. وربما لهذا تبدو الرواية، في جوهرها، دفاعًا عن قدرة الإنسان على احتواء ما يبدو متناقضًا، الماضي والحاضر، الوطن الأول والوطن البديل، والذاكرة التي تعيد الإنسان إلى نفسه والحياة التي صنعت منه إنسانًا آخر.
-------------------------------
بقلم: أحمد رجب شلتوت
961eafb3eeb7124c94541d3ab6b2e984.jpeg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى